باحث يروي قصة تدمير الأرمن والمسيحيين في الدولة العثمانية

باحث يروي قصة تدمير الأرمن والمسيحيين في الدولة العثمانية

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
12/07/2021

ترجم الحوار عن الفرنسية: مدني قصري 

في كتابه الأخير "تركيا للأتراك"، يرصد الباحث إيف ترنون، المتخصّص في الإبادة الجماعية للأرمن، تاريخَ تدمير المجتمعات المسيحية الأخرى على يد القومية التركية في بداية القرن العشرين.

يَدرُس إيف ترنون، وهو أستاذ في التاريخ، مخوَّل بالإشراف على الأبحاث تاريخ الإبادة الجماعية في القرن العشرين منذ خمسين عاماً، بعد أن كرّس العديدَ من الكتب لإبادة الأرمن الجماعية، أصدر "تركيا للأتراك.. تدمير الطوائف المسيحية في الدولة العثمانية: النسطوريين والكلدان والسريان واليونانيين (1914-1924) (سيرف Cerf ، 2021)". هنا حوار معه.

الإبادة الجماعية للأرمن

بعد أن كتبتَ الكثيرَ عن الإبادة الجماعية للأرمن، تخصّص اليوم كتاباً لاضطهاد الطوائف المسيحية الأخرى في الإمبراطورية العثمانية؛ هل ينتابك شعور بأنّ التأريخ قد أهملهم من قبل؟

نعم، لديّ شعور بأنّ التأريخ قد أهملهم، خاصّة تأريخ الإبادة الجماعية للأرمن، على مدى ما يقرب من نصف قرن كرّستُ عملي فقط لإبادة الأرمن الجماعية، وأدركتُ أنّ المجتمعات المسيحية الأخرى كانت أيضاً ضحايا للعنف، الذي، في رأيي، لا يبدو أنّه من طبيعة العنف نفسها التي عانى منها الأرمن من قبل الإمبراطورية العثمانية؛ لذلك عندما سمعتُ الحديث عن "الإبادة الجماعية للأرمن ومسيحيي الشرق"، أو الإبادة الجماعية للآشوريين والكلدان والسريان واليونانيين والأرمن، بدا لي أنّنا لسنا في الوضع الإجرامي نفسه.

غير أنّني بدأتُ برقمٍ بليغ: كان هناك حوالي 4,5  مليون مسيحي في الأناضول وتراقيا الشرقية، عام 1900، وصاروا بالكاد بضعة آلاف عام 1924؛ ماذا حدث لهم؟ وتحت أيّة ظروف؟ من خلال إجراء بحوث حول مدينة ماردين المسيحية بوجه خاص، لاحظتُ أنّ مجتمعات أخرى، مثل السريان الأرثوذكس والسوريين الكاثوليك، كانت أيضاً من ضحايا للعنف.

على عكس مؤرّخين آخرين، مثل بيني موريس ودرُور زئيفي، أو في فرنسا جوزيف جاكوب، نراك لا تصف المذابح التي ارتكبت ضدّ هذه المجتمعات المسيحية في الإمبراطورية العثمانية، والتي تم إثباتها تماماً، بِـ "الإبادة الجماعية"، على عكس الإبادة الجماعية للأرمن؛ لماذا ؟

كوني مؤرّخاً حقاً للإبادة الجماعية في القرن العشرين، رأيت أنّه من الصرامة ألّا أصف قتلاً جماعياً بأنّه إبادة جماعية؛ لقد اتضح أنّ تدمير المسيحيين لا يتوافق تماماً مع جريمة الإبادة الجماعية؛ ففي تدمير المسيحية في الأناضول كان هناك اختلاف في طبيعة الجريمة؛ لذلك كان من الضروري تحليل ظروف هذه المجازر، مجموعة بمجموعة، ولحظة بلحظة، ومكاناً بمكان.

حدثت الإبادة الجماعية للأرمن في وقت محدد: من نيسان (أبريل) 1915 إلى كانون الأول (ديسمبر) 1916، وقد حدثت حالات اختفاء مسيحيين آخرين، في ظلّ حكومة تركيا الفتاة آنذاك لمصطفى كمال، من عام 1914 إلى عام 1923، وبدا لي أنّه كان هناك سبب واحد لهذا الاختفاء: القومية التركية.

ما هو مؤكد أنّ الشباب الأتراك قد قرّروا إبادة أرمن المقاطعات الشرقية الست وولاية طرابزون شرق الأناضول، لقد رأوا أنّ الأمر ضرورة حيوية بالنسبة إليهم

كان الشباب الأتراك الملحِدون يعلمون أنّه لا يمكنهم تحقيق هدفهم القومي إلا من خلال الاعتماد على غالبية السكان الأتراك من المسلمين، منذ نهاية القرن التاسع عشر، أدرك بعض المسيحيين أنّ لديهم حلاً واحداً فقط: الهجرة، أو التابوت.

حصلتُ على أرشيفات الفاتيكان التي نشرها الأبُ رويسن، وكلّ هذا يؤكّد عمَل المؤرخَين الإسرائيليَّين؛ بيني موريس ودرور زئيفي، فيما يتعلق بالحقائق، لكنّهما يصفونها بإبادةٍ جماعية استمرّت ثلاثين عاماً، بدءاً من المجازر التي ارتكبها السلطان عبد الحميد، عام 1984، ومع ذلك، فالأمر يتعلق في هذه الحالة، بالفعل، بِمجاز، لكن لا توجد فيها إرادة إبادة جماعية. هذا هو الفارق الدقيق الذي أردت أن أقدّمه؛ فهو فارق بسيط في المصطلحات لكنّني لا أجادل في عملهما، بعد أن عملتُ على القانون الجنائي الدولي وعلى تاريخ الإبادة الجماعية، صرتُ حسّاساً لتوصيف الجريمة، على الرغم من أنّ للمؤرخ هامشاً أوسع من التحليل.

أيديولوجية عنصرية

أنت تشرح أنّ الشباب الأتراك (تركيا الفتاة) في "لجنة الاتحاد والتقدم" قد صاغوا أيديولوجية عنصرية مستوحاة من العلوم الاجتماعية الأوروبية فيما يتعلق بالمسيحيين؛ هل لك أن تُخبرنا بالمزيد؟

يمتلك الشباب الأتراك في "لجنة الاتحاد والتقدم" جذرَين أيديولوجيَّين: أحدهما غربيّ يدور حول الأفكار الأوروبية عن القومية والوضعية، والآخر روسي، يأتي من مسلمي روسيا الذين طردهم الروس إلى الإمبراطورية العثمانية. 

يعلم الشبابُ الأتراك الملحدون أنّه لا يمكنهم تحقيق هدفهم القومي إلا من خلال الاعتماد على غالبية السكان الأتراك من المسلمين؛ لذلك هناك مفارقة؛ لأنّهم ملحدون يعتمدون على دين إسلامي ليس دينهم، ويعلمون جيداً أنّ المسيحيين واليهود لن يتخلوا عن دياناتهم للاندماج في كيان سياسي تركي، بحلول نهاية القرن التاسع عشر، أدرك بعض المسيحيين أنّ لديهم حلاً واحداً فقط: الحقيبة (الهجرة) أو التابوت (الموت)، ومن هنا جاءت هذه المفارقة التي تناولها مصطفى كمال لاحقاً في نهاية الإمبراطورية العثمانية.

على وجه التحديد، لقد جعلتَ من مصطفى كمال استمراراً لسياسة التتريك هذه التي تهدف إلى إقصاء المسيحيين من تركيا؛ ألم يتعارض ذلك مع رغبته في علمنة البلاد والتخلي عن الإسلام كدين رسمي؟

حافظ مصطفى كمال على تعاليم "تركيا الفتاة" بالاعتماد على حداثة أوروبا، كان حداثيّاً جداً، لا سيما فيما يتعلق بوضع المرأة، لكنّه بنى دولته على الإبادة الجماعية للأرمن واختفاء جميع المسيحيين، أصبحت جميع كوادر التنفيذيين للشباب الأتراك بعد ذلك من الكماليين، وقد تمّ دمجُهم في هذه الحركة.

اقرأ أيضاً: مؤرخ: لم أسمع أحداً من عشائر العرب قتل أرمنياً

لم يُعبّر مصطفى كمال حقاً عن رغبته في الاعتماد على السكان المسلمين، لكن ذلك كان بديهياً، لقد كان ملحداً رسمياً، ولم يؤسس جمهورية تركيا على الإسلام، على الرغم من أنّ غالبية سكانها من المسلمين، بعضهم من غير الأتراك، بعد تأسيس الجمهورية التركية، تمّت ممارسة سياسة القمع ضدّ تلك الشعوب المسلمة الأخرى: الأكراد والعلويين، هذا يكمن في غموض مصطفى كمال، القومية التركية قومية مُجبَرة على الاعتماد على الدين الإسلامي في دولة علمانية.

في ظلّ الإمبراطورية العثمانية لم يصدر الأمرُ بقتل المسيحيين من السلطة المركزية، كما تعتقد، لكنّه كان نتيجة مبادرات محلية؛ هل كانت هناك سياسة تطهير عرقي تستهدف جميع المسيحيين بأمر من "تركيا الفتاة"؟

إنّ ما هو مؤكد أنّ الشباب الأتراك قد قرّروا إبادة أرمن المقاطعات الشرقية الست وولاية طرابزون شرق الأناضول، لقد رأوا أنّ الأمر ضرورة حيوية بالنسبة إليهم؛ لأنّهم إذا خسروا الحرب وشكّل الأرمنُ دولة فسيكون من المستحيل على الدولة التركية أن تتوسّع شرقاً، نحو أذربيجان.

ومع ذلك، هناك اختلاف في كلّ هذه المسيحيات؛ اثنتان منها تمثلان شعبين: الأرمن واليونانيون، الذين لديهم أمة، مع سكان مسلمين أيضاً، لقد ارتبط تدميرُ الإغريق بعلاقات الإمبراطورية العثمانية مع اليونان، فطالما أنّ اليونان لم تكن في حالة حرب مع الإمبراطورية، فقد ظلّت السلطات التركية حذرة، طردُ اليونانيين لم يتم بالطريقة نفسها التي تمّ بها طرد الأرمن: فقد حدثت عمليات طرد، ومذابح، وتبادل سكاني بعد معاهدة لوزان، في تموز (يوليو) 1923.

لم يُعبّر مصطفى كمال حقاً عن رغبته في الاعتماد على السكان المسلمين، لكن ذلك كان بديهياً، لقد كان ملحداً رسمياً، ولم يؤسس جمهورية تركيا على الإسلام

في ذلك الوقت، لم تكن المسيحيات الأخرى، التي لم تكن شعوباً، تمثّل تهديداً مباشراً للإمبراطورية العثمانية؛ فقد كانت مرتبطة فقط بدينها وطقوسها، النساطرة كانوا لاجئين في هكاري، والسريان الأرثوذكس في طُور عبدين، في المقابل، على المستوى المحلي، غالباً ما كانوا على علاقات سيئة مع جيرانهم الأكراد أو العثمانيين الأتراك؛ لذلك تم قتلُهم أيضاً.

لقد رغبتُ في تفصيل وتحديد هذه الفروق الدقيقة المحلية، بحسب كلّ منطقة، هناك الحديث أيضاً، على سبيل المثال، عن اليونانيين البنطيين، ويونانيي ساحل بحر إيجة، الذين غالبًا ما يحملون الجنسية اليونانية، وهم مجموعة مختلفة تماماً، أعرض في كتابي الظروف التي تمّ فيها القضاء عليهم. باختصار؛ لا توجد سياسة إبادة للمسيحيين جميعهم من قِبل تركيا الفتاة، لكنّ المسيحيين الآخرين كانوا هدفاً للمجازر. وقد اتخذت هذه القرارات على المستوى المحلي دون أن يتمّ البتّ فيها في القسطنطينية.

دور الغرب

ماذا كان دور الدول الغربية في حماية هذه الشعوب؟

كلّ هذا معقّد للغاية؛خلال الحرب العالمية الأولى، كان هناك الحلفاء من جهة، والقوى المركزية من جهة أخرى، كان مركز السياسة العسكرية لألمانيا والنمسا-المجر يتمثّل في عزل روسيا عن إنجلترا وفرنسا، بالاعتماد على الإمبراطورية العثمانية. وهذا يفسّر سبب شعور ألمانيا والنمسا والمجر بضرورة قبول الجرائم التي ارتكبتها الدولة العثمانية، سياسياً وعسكرياً؛ لهذا السبب غضّوا الطرف عن الإبادة الجماعية للأرمن، وعن هذه المجازر، على الرغم من أنّهم كانوا على دراية كاملة بها، الدبلوماسيون وصفوا تدميرَ الأرمن والمجتمعات المسيحية.

اقرأ أيضاً: أردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة

لم يكن لدى الفرنسيين والإنجليز أيّة إمكانية للتدخل المباشر؛ لأنّ قادتهم طُردوا من الإمبراطورية العثمانية، لكنّهم نشروا نصوصاً تكشف هذه الجرائم، وبقي الأمريكيون هناك حتى عام 1917؛ لذلك عندما شنّت الولايات المتحدة الحرب لم تخضها ضدّ الإمبراطورية العثمانية، لكنّ كلّ الغربيين الذين كانوا متواجدين هناك (أطباء، قساوسة، دبلوماسيون، ...إلخ) قدّموا شهادات فقط على ما رأوه، وعندما نجمَع هذه الشهادات يمكننا الحصول على صورة لِما حدث.

في وقت انعقاد مؤتمر السلام، كان هناك اختلاف كلّي في وجهات النظر بين الرئيس الأمريكي، وودرو ويلسون، الذي رغب في إعادة الانسجام بين الشعوب، والمنتصرَين الآخرَين، جورج كليمنصو وديفيد لويد جورج، اللذين قادا سياسة محلية دفاعاً عن مصالح بلديهما، عندئذ فقدت هذه المجتمعات المسيحية، والأرمينية على وجه الخصوص، الأمل؛ فقد كانت تأمل في العدالة، وفي الحكم الذاتي. لقد تبدّدت هذه الآمال مع بداية مؤتمر السلام.

اقرأ أيضاً: إقرار الرئيس الأمريكي بإبادة الأرمن.. الرمزية والتداعيات

معاهدة سيفر، في آب (أغسطس) 1920، معاهدة تدلّ على تدمير الإمبراطورية العثمانية مع أراضٍ ممنوحة للإيطاليين، ولليونانيين والفرنسيين، وتمركزت الإمبراطورية العثمانية حول الأناضول، المبتورة جزئياً؛ بالنسبة إلى الأتراك كانت هذه المعاهدة لا تطاق، ولم يصدّقوا عليها أبداً. وما بين معاهدَتي سيفر ولوزان، دخلت تركيا واليونان في حالة حرب. كانت هذه الحرب اليونانية التركية بمثابة نهاية الوجود اليوناني في الإمبراطورية العثمانية. لذلك هناك استمرار لسياسة "تركيا الفتاة" (الشباب الأتراك) من قبل الحركة الكمالية، والتي تتلخص بعبارة لمصطفى كمال: "تركيا للأتراك".

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

lefigaro.fr/vox

الصفحة الرئيسية