انشقاقات عصفت بحزب العدالة والتنمية.. هذه أبرزها

تركيا

انشقاقات عصفت بحزب العدالة والتنمية.. هذه أبرزها

مشاهدة

31/03/2020

بعد الانشقاق عن تيار أربكان وتأسيس الحزب الجديد، العدالة والتنمية، كان الأعضاء المؤسسون يتساوون بقدر ما في السلطة والصلاحيات داخل الحزب، إلا أنّ الأمور تحولت تدريجياً نحو تعزيز سلطة رجل واحد، هو رجب طيب أردوغان، ما سرّع بردود الأفعال والانشقاقات، ليتحوّل الحزب تدريجياً إلى حزب أردوغان، هذا عدا عن الصدام مع حلفاء من خارج الحزب، كما حدث مع جماعة الخدمة، نستعرض هنا أربعة من أبرز الانشقاقات عن حزب العدالة والتنمية.
عبد اللطيف شِنِر
برز اسم عبد اللطيف شِنِر، منذ مطلع التسعينيات، عندما انتخب نائباً عن محافظة سيواس، عام 1991، وكان حينها عضواً في حزب الرفاه، وعام 1996 اختاره نجم الدين أربكان ليكون وزيراً للمالية في حكومته، قبل أن يتمّ إجبار الحكومة على الاستقالة عام 1997، وبعد حلّ حزب الرفاه انضمّ إلى حزب الفضيلة، وواصل نشاطه السياسي تحت قيادة أربكان، إلا أنّه بعد حظر الحزب عام 2001 اختار شِنِر أن يكون من بين المنشقين عن أربكان، الذين بادروا لتأسيس حزب باسم "العدالة والتنمية"، وكان في مقدمتهم كلّ من رجب طيب أردوغان، وعبد الله غول، وكذلك شِنِر، الذي كان من بين أبرز الأسماء المؤسسة للحزب الجديد.

اقرأ أيضاً: هل قضى كورونا على ابتزاز أردوغان لأوروبا بورقة اللاجئين؟
بعد فوز الحزب في الانتخابات التشريعية، عام 2002، وتشكيله حكومة بالأغلبية، اختير شِنِر ليشغل منصب نائب رئيس الوزراء، ليكون بدايةً نائباً لعبد الله غول، ثمّ رجب طيب أردوغان، بعد رفع حظر تولي المناصب العامة عن الأخير، وتوليه منصب رئاسة الوزراء عام 2003.

كان داود أوغلو من أبرز المعارضين للتعديلات الدستوريّة الهادفة إلى تحويل البلدان نحو النظام الرئاسيّ

رغم المنصب المهم الذي كان يشغله، ازدادت خلافات شِنِر وتعارضاته مع توجهات الحزب وأسلوب إدارته على المستويات العليا.
يذكر الصحفي الألماني، رينر هيرمان، في كتابه "إلى أين تتجه تركيا؟"، على سبيل المثال؛ كانت هناك مساعٍ من قبل قادة في الحزب للدفع باتجاه إقرار "تشريعات إسلامية" في البلاد، وهو ما كان شِنِر معارضاً له، وكان توجهه هو التركيز على قضايا الإصلاح والتنمية، وتجنب الخوض في مسائل الهوية والحريّات، وعام 2007؛ لم يتم السماح له بالترشح عن الحزب في الانتخابات التشريعيّة، إثر ذلك قرر مغادرة الحزب. وعام 2009؛ بادر إلى تأسيس حزب جديد باسم "حزب تركيا"، قبل أن يتم إغلاقه عام 2012، ليصبح بعدها من أبرز نوّاب حزب الشعب الجمهوري؛ أكبر الأحزاب المعارضة للعدالة والتنمية، وتحوّل شِنِر إلى أحد أبرز منتقدي حزب العدالة والتنمية وأسلوب قيادته، وهو يهاجم باستمرار مساعي أردوغان للاستئثار بالسلطة.

 عبد اللطيف شِنِر يهاجم باستمرار مساعي أردوغان للاستئثار بالسلطة

عبد الله غُل
في نهاية فترته الرئاسية، توترت العلاقات بين رئيس الجمهورية، عبدالله غُل (2007-2014)، ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، تعدّدت أسباب التوتر والخلاف، وكانت في مقدمتها قبضة أردوغان المتنامية على حزب "العدالة والتنمية".
وبرزت الخلافات بينهما حول قضايا متعددة؛ مثل الخلاف الذي حدث عام 2014 حول قضية الوزراء الأربعة المتهمين بالفساد في حكومة أردوغان السابقة، حين رفض أردوغان رفع قضيتهم إلى المحكمة العليا، في حين أصرّ غُل على ذلك، كما برز الخلاف حول الموقف من أحداث حديقة غيزي عام 2013، وانتقاد غُل لقمع المتظاهرين.

اقرأ أيضاً: أردوغان واغتيال حرية التعبير
ومن بين أبرز نقاط الخلاف كان سعي أردوغان إلى تمرير تعديلات دستورية تنقل نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي، وكان غُل معارضاً لذلك، وبعد مغادرته منصب الرئاسة، وفي لقاء مع صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، في نيسان (أبريل) 2015، صرّح غُل بأنّ "تركيا تواجه مخاطر نتيجة سعي الرئيس أردوغان إلى السيطرة على السلطة"، وأنّ "تركيز السلطة السياسية في أيدي أردوغان يهدّد بتدمير الديمقراطية التركية".
كذلك اختلف غُل مع أردوغان حول السياسات التي اتّبعتها أنقرة خلال فترة "الربيع العربي"، وتحديداً في الشأنين السوري والمصري، ويكشف أحمد سيفير، المستشار الصحفيّ لعبدالله غُل أثناء فترة رئاسته، في كتاب صدر له مؤخراً بعنوان "من الداخل: حول سنوات حكم حزب الحرية والعدالة"، أنّ غُل كان "يعترض على سياسات تركيا إزاء مصر وسوريا"، وأنّه رأى أنّ رئيس الحكومة آنذاك، رجب طيّب أردوغان، ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو "بالغا في ردود الفعل وتصرّفا وكأنهما رئيس حكومة مصر وسوريا ووزير خارجيتهما، الأمر الذي يتعارض مع مصالح تركيا"، وكان غُل قد قام بإرسال برقية إلى السيسي بعد فوزه في الانتخابات المصرية، عام 2014، وهو ما عارضه أردوغان بشدّة.

اقرأ أيضاً: كيف قضى أردوغان على حلم خلافته للمسلمين بيديه؟
عام 2014، مع نهاية فترة رئاسة غُل، كان من المتوقع أن يشغل غُل منصب رئاسة الحزب أو رئاسة الحكومة، لكن ظهرت معارضة من داخل الحزب لفكرة تبادل منصبَيْ رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهوريّة بين أردوغان وغُل، وكان من المنتظر توليه منصب رئاسة الحزب، إلا أنّ الحزب بادر إلى عقد مؤتمر استثنائي في السابع والعشرين من آب (أغسطس)، قبل يوم واحد فقط من نهاية ولاية غول الرئاسيّة، تمّ فيه اختيار داود أوغلو رئيساً للحزب، وليتم بذلك قطع الطريق أمام عودة غُل وبقائه في الحزب، وهو ما عدَّ نوعاً من الطرد غير المباشر، بسبب منازعته المستمرة لأردوغان، وإثر ذلك؛ اختار غُل الاتجاه لاعتزال الحياة السياسة، وبعد إطلاق وزير الخزانة والمالية التركي السابق، علي باباجان، حزبه الجديد في العام الحالي، 2020، باسم "الديمقراطية والتقدم"، ليكون منافساً للعدالة والتنمية، لم يخف غُل تأييده ومساندته له، وهو ما أعلنه وصرحّ به باباجان.

رأى غُل أنّ تركيز السلطة في أيدي أردوغان يهدّد بتدمير الديمقراطية التركية

أحمد داود أوغلو
تزايدت الخلافات بين أردوغان وأحمد داود أوغلو، رئيس وزراء تركيا ورئيس حزب العدالة والتنمية في الفترة (2014-2016)، وعام 2016؛ ظهرت الخلافات علناً على السطح مع إقدام داود أوغلو على الاستقالة من منصبَيْه وتعيين بن علي يلدرم بدلاً منه، وهو ما تزامن مع مضيّ أردوغان قدماً في إقرار التعديلات الدستوريّة، والتحوّل بالبلاد نحو النظام الرئاسيّ، وكما غُل، كان أوغلو من أبرز المعارضين لهذه التعديلات.

استقال باباجان من حزب العدالة والتنمية وصرحّ بأنّه قد نشأت فجوة عميقة بين العمل الحقيقي والمبادئ

عام 2018؛ بدأ أردوغان بممارسة الصلاحيات الرئاسيّة الجديدة، وعند تشكيل الحكومة برز خبر تعيين صهره وزيراً للمالية وأثار علامات الاستفهام، في حينه صرح داود أوغلو ووصف النظام الجديد بأنّه "نظام مشوّه". وفي حزيران (يونيو) 2019، وبعد هزيمة حزب العدالة في الانتخابات البلدية، تحدّث أوغلو عن مواجهة البلاد لأزمة اقتصاديّة خطيرة، وقال: "لا يمكن الخروج من هذه الأزمة بعقليّة من يزعم أنّه يعرف أفضل من الآخرين في كافة الأمور، ومن يقلّل من شأن تفكير الآخرين، وكلّ ما يعرفه عن العمل الجماعي هو مجرد جمع أفراد الحلقة الضيقة المحيطة به"، في إشارة واضحة منه إلى أردوغان وأسلوب إدارته، وأوضح في حينه أيضاً أنّه "لم يعد بالإمكان العمل تحت إدارة حزب العدالة والتنمية الحالية التي تصف أيّ انتقاد داخل الحزب بأنّه خيانة".

اقرأ أيضاً: لماذا يسعى حزب الإصلاح الإخواني لشق اليمن لصالح أردوغان؟
في أيلول (سبتمبر) 2019؛ استقال داود أوغلو رسمياً من حزب العدالة والتنمية، وفي حديث لصحيفة "فاينانشال تايمز" أوضح: "خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لاحظت أنّ قيم الحزب الأساسية التي احترمناها على مدار كل حياتنا، لقيت تجاهلاً"، واعتبر أنّ "الانتقال إلى النظام الرئاسيّ بالصيغة التي دفع نحوها أردوغان، وجمع كل الصلاحيات بين يديه أضرّ بالهياكل الأساسيّة لتركيا".
وفي كانون الأول (ديسمبر) 2019، أعلن رسمياً عن تأسيس حزب جديد باسم "حزب المستقبل"، وانتخب  داود أوغلو رئيساً له.

داود أوغلو في حفل الإعلان عن انطلاقة حزب المستقبل

علي باباجان
وهو من مؤسسي حزب "العدالة والتنمية" عام 2001، وشغل منصب وزير الاقتصاد في أول حكومة للعدالة والتنمية (2002-2007)، وكبير مفاوضي ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في الفترة (2005-2009)، ثم وزير الخارجية في الفترة (2007-2009)،  قبل أن يصبح نائباً لرئيس الوزراء بين عاميْ 2009 و2015.

اقرأ أيضاً: هل تآمر أردوغان على شعبه لصالح "مشروع الإخوان"؟
في خطوة مفاجئة استقال باباجان من حزب "العدالة والتنمية"، في تموز (يوليو) 2019، وقال في خطاب الاستقالة: "في السنوات الأخيرة نشأت فجوة عميقة بين العمل الحقيقي والمبادئ في كثير من أنواع الأنشطة، مما شكل صدمة كبيرة بالنسبة إلي"، وقال باباجان لتلفزيون "خبر ترك"، في أول مقابلة على الهواء بعد استقالته من "العدالة والتنمية": "رأينا أنّ تركيا دخلت نفقاً مظلماً مع تزايد مشكلاتها في كلّ قضية كلّ يوم".
وفي العاشر من آذار (مارس) الجاري؛ أعلن انطلاقة حزب جديد حمل اسم "الديمقراطية والتقدم"، واختير باباجان رئيساً له، وكان قد قال في تصريحات للصحافة التركية: "عبد الله غل يدعم كلّ تحركاتنا ونلتقي معه دورياً، لكنّه يفضّل البقاء خارج الأحزاب بعد تقديمه نموذج الرئيس الحيادي".

علي باباجان (يمين) برفقة أحمد داود أوغلو

وما تزال تفاعلات ونتائج هذا الانشقاقات قيد التبلور والتفاعل، إلا أنّ المؤكد أنّ نتائجها الأولى والمباشرة تتمثل في تآكل القاعدة الانتخابية المؤيدة لحزب العدالة والتنمية، والتهديد بتعجيل تراجعه وإزاحته عن سدة الحكم، وهو ما بدت الانتخابات البلدية الأخيرة، عام 2019، مؤشراً صريحاً عليه.


الصفحة الرئيسية