"انتظر وانظر"... هل لعنة ميدوزا حاضرة في مجتمعاتنا؟

"انتظر وانظر"... هل لعنة ميدوزا حاضرة في مجتمعاتنا؟

مشاهدة

23/07/2019

(أثق جداً به، ليس أهلاً للثقة، إنه موضع ثقتي، لا أثق به أبداً، لن يخون الثقة، لا يمكن الوثوق به، أثق بالزعيم ثقةً عمياء، أثق بمعتقداتي، أمنحك ثقتي، أحجب ثقتي عنك، أثق بأطفالي، لم تترك مكاناً للثقة).
في القراءة المتأنية لهذه العبارات وما يشبهها، سنجد أنّ مفردة الثقة تشغل حيّزاً واسعاً في معجم علاقاتنا الاجتماعية، وأهم ما يميزها، أنّها تتضمن حكماً على الآخر وتقييماً له، تبعاً للمواقف التي نتعامل معها بقصدٍ أو من دون قصد، كبالونات اختبار لغربلة علاقاتنا، بمنح الثقة للآخر أو حجبها عنه، ولكن هل هذا ما يُلخّص فهمنا للثقة، خاصةً أنّها تشكّل مفتاحاً وجودياً وتربوياً مهماً؟

تشغل مفردة الثقة حيّزاً واسعاً في معجم علاقاتنا الاجتماعية وتتضمن حكماً على الآخر وتقييماً له

تؤكد أزمة الثقة التي تجتاح مجتمعاتنا اليوم على عدم ثقة مستفحلٍ بين جميع الأطراف، وهذا يدلّل على استخدامنا المفتاح الخاطئ للثقة، أو بصورةٍ أدق إلى عدم فهمنا لها، فما هو فضاء الثقة الذي تدور به مجتمعاتنا؟ ربما يساعدنا كل من "روبرت سي سولومون" و"فرناندو فلوريس" في كتابهما "بناء الثقة"، على ضبط بوصلة واقعنا، من خلال طرحهما لثلاثة أنواع للثقة؛ "البسيطة" و"العمياء" و"الأصيلة"، وقد نعيد النظر في فهمنا للثقة وممارستنا لها.

فالثقة البسيطة التي تحضر بقوةٍ في علاقاتنا الاجتماعية، يُعرّفها الكاتبان على أنّها "الميل للاطمئنان إلى الشخص الموثوق به من خلال النتيجة، هذه الثقة تنظر بعينٍ طماعةٍ إلى المنفعة (انتظر وانظر)، يحددها الموقف وليس العلاقة"، إنّها تقوم على مفردتين: الاتكال وهو "إمكان التوقع" والكفاية و"هي القدرة على الأداء كما هو متوقع"، وهذا ما يشير إلى أنّ العلاقات التي تحكمنا ليست تفاعلية، بقدر ما هي علاقات انفعالية نفعية، يسيطر عليها اللاوعي الذي يُغيّب الفهم المتبادل بين جميع الأطراف.

اقرأ أيضاً: كيف نربّي قنّاصاً بارعاً؟
تتداخل الثقة العمياء مع الثقة البسيطة لتطمس الرؤية تماماً، لكنّ الثقة العمياء أكثر بروزاً في مجتمعاتنا كونها ترتبط بالعقائد والمعتقدات، وقد وصفها الكاتبان "أنّها ثقة ترفض الاعتراف بإمكانية عدم الثقة" فهي تعتبر الثقة مطلقة وغير مشروطة، لهذا تتسم "بالعناد والعمى"، وهي دائماً تنتهي إلى "الانغلاق وإلى موقف الدفاع"، "ويمكن لها أن تكون واضحة بشكلٍ مؤثر يدعو للإعجاب، ومتماسكة بشكلٍ ملحوظ، وفي بعض المناسبات مقنعة، ولكنّ الذي تفعله كما تفعل بقية الانفعالات، هو أنّها تحبسنا في نظرة خاصة ضمن حدود معينة، نظرة تقصي جميع البيّنات المضادة لها"، إنّها بذلك تُحكم إغلاق الدائرة الاجتماعية مع الثقة البسيطة بإضافتها إلى النفعيين والمنافقين، المتعصبين والمتشددين والمتطرفين.

يُعرّف الكاتبان روبرت وفرناندو الثقة البسيطة على أنّها الميل للاطمئنان إلى الشخص الموثوق به من خلال النتيجة

"أنا أثق بكَ ولا يوجد ما نتحدث عنه"، إنّها النفاقات الودية كما أشار إليها الكاتبان، والتي تؤدي إلى إهمال الثقة أو تعليقها إلى حين حاجتها، وهذا ما نلاحظه في الأسر؛ حيث تبقى الثقة مهملة، وأقصى ما نفعله أنّنا نجترُّ جملاً مثل (أنا أثق بأطفالي، أو منحتهم الثقة)، وكأنّ الثقة "شيء يمكن تبادله، فهناك من يعطي الآخر ثقته، وذلك الآخر يكسبها في المقابل"، فالثقة التي نتعامل معها كهدية أو منحة، نتفنن بمنحها أو حجبها بما يقتضيه الموقف، ينوء تحت وزرها أطفالنا؛ لأننا نوكل لهم ما نتوقع أن يقوموا به، وغالباً ما يكون ذلك مبنياً على أمنياتنا لا على فهم قدراتهم أو رغباتهم، إنّها الهدية الأكثر بؤساً بالنسبة لهم، فهي عبءٌ إن قبلوها وكارثة إن رفضوها، لذلك هم يتخبطون ما بين صون الثقة وخيانتها مما يولّد الكثير من القلق والإجهاد، وهذا سيدفعهم في كثيرٍ من الأحيان لممارسة ما يريدونه سراً، كي يتجنبوا العقوبات المادية أو النفسية، وهكذا نكون قد أعطيناهم أول درس في تعلم الخيانة.

اقرأ أيضاً: لماذا لم نتعلم كيفية العد إلى عشرة؟

إنّ الصدمة التي تنتج عن عدم تحقق الثقة أو كما تسمى بخيانة الثقة مردّها "للعلاقة التي تنحصر في نطاق التوقع والكفاية وفقاً للمعايير المناسبة للدور، أو المهمة موضوع البحث" وهذا ما يجعل من اللامتوقع ذا وقعٍ كارثي، وخاصةً داخل الأسرة التي لا ترى العلاقة مع أطفالها إلّا كدور أو مهمة، فإيكهارت تول يخبرنا بأنّ "كثيراً من الأطفال يكتمون غضباً وامتعاضاً خفيين تجاه ذويهم، وغالباً ما يكون السبب هو عدم صدق العلاقة وعدم أصالتها، فالطفل لديه شوق عميق لكي يكون والده موجوداً وحاضراً ككائنٍ بشري لا كدور، بصرف النظر عن النية التي ترافق لعب هذا الدور، فقد تفعل كلّ ما هو مناسب وصحيح لطفلك، لكن حتى فعل الأفضل ليس بكافٍ في الحقيقة إذا ما أَهملتَ الكينونة"، الكينونة التي وصفها أوشو "بالطبيعة النقية" والتي ستتضح أكثر في مفهوم الثقة الأصيلة.

يكتم كثير من الأطفال غضباً وامتعاضاً خفيين تجاه ذويهم وغالباً ما يكون السبب هو عدم صدق العلاقة

إنّ الثقة الأصيلة كما طرحها كل من "سولومون" و"فلوريس": لا تأتي من خلال "مواقف عاطفية أو معتقدات حول شخص آخر، إنّها وظيفة تفاعل إنساني، حيث تكون العلاقة نفسها مركز الاهتمام، والاهتمام أهمّ مقومٍ جوهري، ليس بالنتيجة المباشرة وإنما بالعلاقة، وما يُدعى بالثقة لن يكون سوى توقّع واتكال من دون الاهتمام الذي يتضمن التواصل والفهم والتفاهم المتبادل، والمعرفة الحاذقة بالمخاطر والعوائق، والرغبة في إنشاء التعهدات والوفاء بها".

ما يتضمنه الاهتمام هو ما يشكّل الوعي، ويفتح الحواس على التأمل في العلاقة، مما يجعل الفرد "متيقناً من نفسه، ومطمئناً إلى قدرته على التعامل مع النتيجة أياً كانت، لأنه في صميم الثقة الأصيلة توجد فكرة الالتزام بالوعي الذاتي"، وهذا ما سيدعوه لأن يثق رغم كل مجازفات الثقة وأخطارها وعوائقها.

اقرأ أيضاً: "السوار الأرجواني"...هل هو حلّ لتذمّرنا؟

غياب الثقة الأصيلة التي تحافظ على العلاقات وتعمّقها وترممها هو ما يحوّل علاقة الوالدين بأطفالهم إلى مجرد دور، الدور الذي يغيّب الاهتمام، سيُفرغ العلاقة من الحب والاحترام، وسيجعل من جدارة الثقة التي تتضمن "الالتزام والواجب والمسؤولية"، مفهوماً غائماً بالنسبة لأطفالنا، طالما هو غائبٌ عنَا، وهذا ما سيقودهم للتعامل مع الالتزامات كإلزامات، ومع المسؤوليات كأعباء، ومع الثقة كرقيب على حركتهم ومشوش لاطمئنانهم، بدل أن تكون "جزءاً خلاقاً في جميع ممارساتهم الاجتماعية، يعمّق علاقاتهم ويجعلهم أكثر قدرة على التعاون والتنظيم، وأكثر حيوية ونشاطاً، وأكثر جسارة ومغامرة، وأكثر غنى وأكثر مرونة وأكثر ابتكاراً".

غياب الثقة الأصيلة التي تحافظ على العلاقات وتعمّقها وترممها يحوّل علاقة الوالدين بأطفالهم إلى مجرد دور

إنّ جميع النظم التربوية والاجتماعية التي تُخرِج مسلسل القيم، ستقف حجر عثرة في وجه السلام، ما لم توسّع أفقها، فما يتم تصديره على أنّه الثقة، لم يسهم حتى الآن في خفض التوتر الحاصل بين الأفراد والمجتمعات، ولا بجعل علاقاتنا أكثر جدوى، وقد يؤدي الهدر المستمر لفرصة أن نثق ببعضنا إلى هدر الحياة نفسها، فجملة "انتظر وانظر" التي تشكل ثقتنا لن تكون أقل أثراً من لعنة ميدوزا، لهذا فإنّ الثقة الأصيلة هي الرهان الأخير على صلاحية وجودنا مع بعضنا البعض، وما علينا سوى أن ننظر أولاً بكل الاهتمام والحب إلى ما يجمعنا، وحينها لن ننتظر سدىً ما سيجعل الوجود مطمئناً.


الصفحة الرئيسية