انتخابات إيران.. هل انتهى زمن الإصلاحيين في إيران؟

انتخابات إيران.. هل انتهى زمن الإصلاحيين في إيران؟

مشاهدة

26/02/2020

ترجمة: مدني قصري


شارك 42.57 بالمئة فقط، من الناخبين الإيرانيين، بمن فيهم 26.2 بالمئة في طهران، في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي جرت يوم الجمعة 21 شباط (فبراير) 2020، ورغم أنّ نسبة المشاركة منخفضة تاريخياً، إلا أنّ هذه أقل نسبة منذ ثورة 1979، حيث تَوّجَت هذه الانتخابات، المرشحين المحافظين والمحافظين المتطرفين فقط، في حين تمّ استبعاد جزء كبير من الإصلاحيين والمعتدلين (بما في ذلك 90 نائباً منتهية ولايتهم مسبقاً)، من قبل مجلس حراس الدستور، الذي اعتبر ترشيحاتهم غير متوافقة من قبل الهيئة القوية - غير المنتخبة - في أيدي المحافظين.

اقرأ أيضاً: الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة
يُحلّل الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في فريق "المعرفة النووية" في معهد سيري للعلوم السياسية Ceri-Sciences Po؛ كليمانت تيرم Clément Therme، والذي يعد أحد أفضل خبراء إيران في فرنسا، ونشر كتاب "إيران وخصومها، بين الأمة والثورة" مؤخراً، في هذه المقابلة، التي أجرتها معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية، نتائج الانتخابات التشريعية الإيرانية، ويتناول آثارها على إيران والمنطقة. 
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين

هل كان إعلان فوز الائتلاف المحافظ في الانتخابات التشريعية الإيرانية مفاجئاً؟
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين، الأمر الذي يُذكرنا بما حدث خلال انتخابات 2004، حيث انخفض معدل المشاركة إلى 50 بالمئة في ذلك الوقت، إلّا أنّ نسبة المشاركة كانت أقل هذه المرة، حيث وصلت إلى 40 بالمئة فقط، لكن ما يثير الدهشة، هو أنّ النظام يعترف بسخط المواطنين الشديد، مع العلم أنّ المرشد الأعلى؛ آية الله خامنئي، قد دعا السكان إلى التصويت كواجب ديني ووطني، ومن الواضح أنّ هذا فشل شخصي للزعيم الأعلى، الذي شارك شخصياً في التعبئة.
كيف نُفسّر معدل المشاركة المنخفض؟
انخفاض معدل المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يمثل جزءاً من أزمة الثقة بين النظام والمواطنين، والتي تطوّرت وتفاقمت، بعد تحطّم طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، في 8 كانون الثاني (يناير) الماضي، بالإضافة إلى تأخر السلطات في نشر المعلومات المتعلقة بانتشار فيروس كورونا في إيران.

اقرأ أيضاً: هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟
هناك بالفعل أزمة مصداقية اليوم، فيما يتعلق بإيمان المواطنين بكلمة الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق، اعتبر السكان، أنّ المشاركة في الانتخابات وسيلة لإعطاء شرعية للنظام، لذلك رفض غالبيةُ المواطنين الإيرانيين هذه الانتخابات، خاصة في طهران، حيث وصلت نسبة المشاركة رسمياً إلى 25٪ فقط، علماً بأنّ السلطات رفضت نشر معدل المشاركة الدقيق.

ما الذي سيتغير حال انتقال البرلمان إلى الحضن المحافظ؟
لن يكون هناك الكثير من النقاش والجدل السياسي، حيث تمّ استبعاد أكثر النواب انتقاداً للنظام (الشخصيات المحافظة والإصلاحية المعتدلة)، لذلك سيكون البرلمان برلماناً مُخلِصاً جداً لآية الله خامنئي، الذي سيسعى إلى تعزيز خياراته الإستراتيجية؛ فالمحافظون المرتبطون بالدولة العميقة وبقوات الأمن، هم المفضَّلون دائماً من قبل نظام الجمهورية الإسلامية، وسوف يعتمدون على جهاز الأمن، ويعززون عملاء النظام، لتقديم وحدة وهمية سطحية، في مواجهة الضغوط القصوى من قبل الولايات المتحدة، كما سيساعد هذا الوضع في قمع قوى المجتمع المدني؛ كالحركات الاجتماعية للطلاب والمثقفين والنساء والأقليات العرقية، وسيكون الشعب أمام سلطة معزولة، ولكنها أكثر توحداً وتماسكاً، تتسامح أقل فأقل مع النقد في داخلها، في رأيي؛ سينصبّ النقاش من الآن فصاعداً على مستوى الشدة في النزعة المحافظة، وعلى درجة التوفيق بين غالبية المواطنين، الذين ما زالوا في حالة عدم ثقة تجاه النظام.
هل تلعب هذه الانتخابات دوراً في تعيين المرشد الأعلى القادم؟
لقد أتاحت هذه الانتخابات، في مرحلة أولى، إقصاء المرشحين المحتمَلين، فكان هذا حال الناطق السابق باسم البرلمان؛ علي لاريجاني، على سبيل المثال، فمن خلال المؤسسات غير المنتخبة، سيما مجلس حراس الدستور، الذي يقوم بالفرز على مستوى المرشحين، قام المرشد الأعلى بتطهير النظام، من خلال تقوية الفصائل التي يدعمها شخصياً، والتي يتمنى أن تلعب دوراً رئيسياً في الأعوام القليلة المقبلة في إيران، بعد اختفائه، وتتألف هذه المجموعة من؛ ابنه مجتبى خامنئي، وإبراهيم الريسي رئيس السلطة القضائية، الذي هُزِم خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران، وحسين الطيبو المسؤول عن الاستخبارات "حماة الثورة الإيرانية"، وشقيقه مهدي، بالإضافة إلى القائد الجديد لقوة القدس، خليفة قاسم سليماني؛ اسماعيل قاني، ويُمثّل هؤلاء مجموعة من الشخصيات التي ستكون حاسمة في تعيين المرشد القادم، فهم يرغبون في السيطرة على البرلمان، حتى تكون لديهم مجموعة من النواب، تعكس نظرتهم وتغذي خُطبهم.

هل تشير هذه الانتخابات التشريعية إلى نهاية الإصلاحيين في إيران، والتي يعتبرها جزء من الإيرانيين اليوم "خداعاً" في الجمهورية الإسلامية؟
نعم، على أي حال إن لم تكن هذه هي النهاية، فمن الواضح على المستوى المؤسسي، أنّ عجز المعتدلين عن الإصلاح، وتجاوز الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، أي تطبيع العلاقات مع الأخيرة، قد كلفهم الكثير، ونحن لا نرى كيف يمكن لغالبية السكان، الذين صوتوا للإصلاحيين، على اعتبار أنّهم "الأقل سوءاً"، أن يستثمروا الآن رأس المال الاجتماعي، في هذه المجموعة السياسية المهمشة تماماً، والتي أصبحت محصورة أيضاً، بسبب تناقضاتها؛ بين الولاء التام للنظام (لقد دعوا السكان للتصويت في الانتخابات التشريعية، كما أصرّ الرئيس السابق محمد خاتمي شخصياً، رغم استبعاده من وسائل الإعلام في البلاد، على وضع ورقة تصويته في صندوق الاقتراع)، وبين خطاب متعارض وغير مطابق تماماً لولائهم لنظام الجمهورية الإسلامية.
هل يمكن أن نعزو، جزئياً، عودة البرلمان الإيراني للحضن المحافظ إلى سياسة دونالد ترامب المتمثلة في الضغط الأقصى؟
نعم، بالطبع، هناك بُعدُ ردِّ الفعل وتأثيره، فلا شكّ أنّ انتخاب ترامب يُقوّي أكثر المحافظين تشدداً في إيران؛ حيث إنّ الخلاف داخل البلاد، إلى جانب الضغط القوي الذي تمارسه الولايات المتحدة في الخارج، يدفع المرشد الأعلى إلى إعادة الاستثمار في أعظم مؤيديه، وليس في القاعدة الاجتماعية للنظام، لذلك نشهد الآن في إيران مرحلة من الانطواء على الذات، مع رغبة في الاعتماد أكثر فأكثر على جهاز الأمن، الذي يسيطر عليه المحافظون، لكن هذا الخطاب "عن العدو الأمريكي"، لا يلقَى في الوقت الحالي لدى المجتمع الإيراني نفسَ الصدى القوي، كما كان الحال في الأعوام الأولى من الثورة؛ لأنّ ما يريده معظم الإيرانيين اليوم؛ هو حكومة ذات كفاءة، قادرة على حل مشاكل البلاد، والتركيز على التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

هل يمكن أن يكون الرد الأمني، الذي ينادي به أكثر المحافظين تشدداً، كافياً لثني الإيرانيين عن التظاهر مرة أخرى؟
لقد انتقلت الجمهورية الإسلامية في إيران من أزمة شرعية النظام عام 2009، مع الحركة الخضراء، إلى أزمة السلطة من عام 2017 إلى عام 2019، مع ثورة الطبقات الشعبية، وصولاً إلى أزمة المصداقية اليوم، وتطرح هذه الأزمة الأخيرة المرتبطة بالسخط الشعبي الواسع، مشكلة حساسة وخطيرة أمام الجمهورية الإسلامية، ومن الواضح أنّ الاستجابة الأمنية ليست كافية، إذ يجب على السلطة أيضاً؛ ضمان الحد الأدنى من التنمية الاقتصادية والرفاه للسكان، خاصة للطبقات العاملة، حيث يتمثل التحدي الذي يواجه الجمهورية الإسلامية في تمكين المحرومين، الذين يمثلون جوهر الشرعية الثورية للنظام، ويطمحون لرؤية تحسن ملموس في ظروف معيشتهم، على المدى القصير أو المتوسط،، فإن لم يتحقق ذلك، فسوف تستمر دورة القمع / المظاهرات؛ لأنّ حل مشاكل البلاد الاقتصادية لا يكمن في انتخاب رئيس محافظ عام 2021، فليس لدى المحافظين أي حل يقدمونه في مستوى قوتهم المؤسسية.
ألا تستطيع إيران تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والصين؟
في الواقع، يقترح المحافظون زيادة الاعتماد على الصين وروسيا، عن طريق زيادة عزل البلاد عن بقية العالم، هذا ما يسمونه الاكتفاء الذاتي  "khodkafaei"، وهو ما كانت تفعله إيران منذ عهد أحمدي نجاد، منتصف العقد الأول من القرن العشرين، لكنّ التقارب مع الصين وروسيا لا يمكن أن يضمن هذه التنمية الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بالطاقة، التي تدفع الاقتصاد الإيراني، ويجب أن يكون هناك حد أدنى من التعاون مع النظام المعولم الذي تهيمن عليه المعايير الأمريكية.

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وفي قطاعي النفط والغاز الرئيسيين، تحتاج إيران إلى أفضل التقنيات، التي لا تملكها سوى الشركات الغربية واليابانية، وقد رأينا مؤخراً أنّ الصين لم تكن قادرة على استبدال شركة "Total" في المرحلة 11 من حقل غاز الشمال أو حقل فارس الجنوبي South Pars، لذلك هناك خيار وجودي حقيقي يجب القيام به، بين تقوية النظام وارتقاء إيران كقوة إقليمية محترمة، مع تنمية اقتصادية كبيرة، لكنّ البلاد ستواجه عندئذ مشكلة التوافق مع الأيديولوجيا الثورية لآية الله الخميني.

هل يمكن أن نقارن المظاهرات في إيران بالمرحلة الحالية، باحتجاجات العراق ولبنان، خاصة وأنّ النظام الإيراني، الذي دان المتظاهرون هيمنته عليهم، يبدو مستعصياً على الحل؟
أصبحت الجمهورية الإسلامية اليوم قوة رجعية مضادة للثورة، وهي مفارقة؛ لأنّ  تنظيم القمع ودعمه في العراق ولبنان، يتم باسم أيديولوجيا خمينية ثورية، من خلال شبكة من الأمن والنفوذ الأيديولوجي والاقتصادي، تمتدُّ من إيران إلى لبنان؛ مع حزب الله وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، لذلك نشهد سخرية تاريخية حقيقية على وضع الجمهورية الإسلامية المتعارض مع الحركات الديمقراطية في الشرق الأوسط، منذ خريف عام 2019.
هل تُهدّد هذه الثورات الجمهورية الإسلامية على المدى القصير؟
تُشكّل هذه الثورات تهديداً للنفوذ الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط، الذي اتضح أنه محدود، وذلك لأنّ إيران تستفيد أيضاً من الأخطاء الأمريكية في المنطقة، لقد رأينا هذا مع قيام الولايات المتحدة بالقضاء على الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي عزّز عداء العراقيين لأمريكا، ففي داخل إيران، هذا بالطبع تهديد لشرعية الجمهورية الإسلامية، التي تضاف إلى أزمة سلطة النظام والمخاوف إزاء المصداقية، في رأيي؛ هذا النظام غير مُهدّد على المدى القصير، لكنه مهدد بضعف كبير على المدى الطويل، يمكن ضمان بقاء النظام السياسي من خلال تقوية جهاز الأمن، والاعتماد بشكل أكبر على الركيزة القمعية، ولكن كلما قمع النظام شعبه أكثر، كلما أثار الرفض وخطر المعارضة، لقد أصبحت الثورة الإسلامية بشكل متزايد عاملاً من عوامل الانقسام داخل المجتمع الوطني الإيراني، داخل حدود البلاد وخارجها.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lepoint.fr/monde/en-iran-une-crise-de-confiance-entre-regime-et-population-24-02-2020-2364172_24.php


الصفحة الرئيسية