الوهْم الإخواني: حين يتحوَّل الفشل إلى عقيدة

الوهْم الإخواني: حين يتحوَّل الفشل إلى عقيدة

الوهْم الإخواني: حين يتحوَّل الفشل إلى عقيدة


15/10/2025

ثروت الخرباوي

منذ نشأة جماعة الإخوان عام 1928 وهى تعيش فى عالم موازٍ تُعيد فيه صياغة الوقائع وفق منطقها الخاص.

لم تعرف الجماعة الاعتراف بالهزيمة يوماً، بل تبتكر دائماً سردية بديلة تُحوِّل من خلالها الفشل إلى انتصار، والانكسار إلى ابتلاء ربانى.

فعندما حُلّت الجماعة عام 1948، بعد تورطها فى الاغتيالات، قالت إنه «ابتلاء يمهد للتمكين»،

وعندما صدمهم «عبدالناصر» بعد الثورة، اعتبروا أن «الله يختبرهم ليُطهِّر الصف».

وحين سقط حكم «مرسى» فى 2013، أقسموا أن «الشرعية ستعود»، رغم أن الواقع كان يقول إن الجماعة لفظها الشارع المصرى كله.

إنه تاريخ من الإنكار، تُقدم فيه الجماعة نفسها دائماً كضحية مقدسة، حتى وإن كانت هى الجلاد.

كل هزيمة تُفسَّر بأنها امتحان إلهى، وكل إخفاق هو «تمحيص» لا «سقوط»، لأن الاعتراف بالخطأ عندهم يعنى سقوط العقيدة نفسها.

من الناحية النفسية، يعيش الإخوان داخل ما يسميه علماء النفس بـ«آلية التعويض العقائدى».

حين يفشل الفرد أو الجماعة فى الواقع، يلجأ العقل الباطن إلى خلق وهْم معنوى يمنحه إحساساً زائفاً بالقوة.

هم لا يتحملون فكرة أن مشروعهم قد أخطأ، فيحولون الواقع إلى «ابتلاء» والآخرين إلى «خونة» أو كفار وأهل جاهلية، لأنهم لا يفصلون بين الفكرة التى يحملونها وبين الدين نفسه، فهم لا يتصورون أن مشروعهم يمكن أن يُخطئ؛ إذ يرون أن رؤيتهم ليست اجتهاداً بشرياً قابلاً للخطأ، بل هى مراد الله ذاته كما فهموه واحتكروه.

ومن ثمّ، فإن الاعتراف بخطأ المشروع عندهم يعنى ضمناً الاعتراف بأن الإسلام، الذى يزعمون تمثيله، قد فشل، وهذا ما لا يستطيع وعيهم الجمعى احتماله.

ولذلك يختارون دائماً طريق الإنكار العقائدى: فإذا سقطوا قالوا «ابتلانا الله»، وإذا انفض الناس عنهم قالوا: «ارتد الناس عن الحق»، لأنهم لا يرون أنفسهم جماعة من البشر، بل الفرقة الناجية التى لا تخطئ لأنها فى ظنهم تمثل الله فى الأرض.

ولذلك فهم لا يملكون مرونة الفكر، لأنهم سجناء فى يقين مقدس لا يقبل المراجعة، ولا يحتمل الشك. إنهم، ببساطة، لا يؤمنون بأنهم يمكن أن يخطئوا، لأنهم يرون أن الله لا يُخطئ، وقد جعلوا أنفسهم مرآته على الأرض.

هذا يُشبه حالة الاضطراب النرجسى الجمعى، حيث يرى المرء أن الحقيقة لا يمكن أن تُخالفه، فإذا خالفته فهى زائفة بالضرورة.

لهذا لا يعترفون بأن السقوط فى 2013 كان نتيجة فشل سياسى وإدارى، بل «مؤامرة كونية على الإسلام».

إنهم يعيشون فى نظام نفسى مغلق، يرفض النقد الذاتى، ويُقدس الفكرة لدرجة أن الواقع نفسه يصبح تابعاً لها لا حَكماً عليها.

واجتماعياً، لم ينصهر «الإخوان» يوماً فى البنية الوطنية المصرية، فهم جماعة مغلقة ذات خطاب فوقى يرى المجتمع لا مجرد فاسد يحتاج إلى إصلاح، بل يراه جاهلياً منحرفاً عن «الإسلام الحق» كما يتصورونه.

فى نظرهم، الناس وإن صلوا وصاموا وشهدوا أن لا إله إلا الله، فإنهم يعيشون -حسب منطق الجماعة- فى جاهلية جديدة، لأنهم لم يدخلوا تحت رايتهم ولم يخضعوا لمنهجهم.

هكذا يتحول المجتمع كله، فى وعيهم، إلى ميدان دعوة من جهة، وساحة صراع من جهة أخرى.

إنهم لا يتعاملون مع المصريين كمواطنين متدينين بطبيعتهم، بل كمادة بشرية تحتاج إلى «أسلمة» وفق القالب الإخوانى؛ ومن ثم لا يمكنهم الاندماج فى الوطن، لأنهم يعتبرون أنفسهم الطليعة المؤمنة فى بحر من الضلال.

هذا المنطلق العقائدى المشوه يجعلهم يسيرون عكس المسار الوطنى الحقيقى، فحين يقف الشعب فى صف إنجاز وطنى -مثل الجلاء أو تأميم القناة أو بناء السد العالى أو حرب أكتوبر- يرون ذلك انحرافاً عن «الطريق الإلهى»، لأنهم لم يكونوا هم صُنّاعه.

فكل مجد لم يخرج من عباءتهم يُعتبر عندهم «نكبة»، وكل إنجاز لم يُوقع باسمهم هو «رِدّة عن الإسلام».

بهذا المعنى، هم لا يعيشون داخل الأمة بل فوقها، يراقبونها بنظرة الواعظ، لا بنظرة الشريك فى المصير.

إنهم يعيشون بعقلية «الفرقة الناجية» التى تعتبر نفسها المعيار الوحيد للحق، وما سواها باطل، حتى لو كان نصراً وطنياً.

أما فى التحليل الدينى، فالإخوان مارسوا أسوأ أشكال التأويل النفعى للنصوص.

كلما خسروا قالوا: «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ».

وكلما أخفقوا قالوا: «إن الله يبتلينا».

لكنهم لا يتوقفون لحظة ليسألوا أنفسهم: هل فشلنا لأننا خالفنا سنن الله فى العمل والإخلاص والعقل؟

لقد جعلوا من القدر ستاراً للهزيمة، ومن «التمحيص» ذريعة لعدم المراجعة، بينما الدين فى جوهره يدعو إلى المسئولية والمحاسبة والاعتراف بالخطأ.

الإيمان الحق لا يصنع الوهْم، بل يُنير البصيرة.

أما إيمانهم فمبنى على اليقين المتعصب لا على البحث عن الحق، ولهذا تحول الدين عندهم إلى أداة سياسية لتجميل الفشل وإدامة الخداع.

وعبر تاريخهم كله لم يمتلك «الإخوان» مشروعاً سياسياً، ولا قاعدة اجتماعية حقيقية، لكنهم ما زالوا يعيشون فى فقاعة الوهْم التى نسجها عقل جماعى مأزوم.

هم كمن خسر كل شىء، ومع ذلك يصر على أن النصر قادم لأن «الله وعد بذلك»، مع أنهم خالفوا كل سنن النصر التى وضعها الله.

إن أخطر ما فى هذا الوهْم أنه يمنحهم طمأنينة كاذبة، ويمنعهم من أى تصالح مع الواقع أو مع الوطن، وحين تتحوّل الأكاذيب إلى عقيدة، يصبح العلاج صعباً إلا بالوعى الجمعى، وبخطاب دينى وعقلى يعيد العقل المصرى إلى توازنه الطبيعى:

عقل يؤمن بالله، لكن لا يتوكل على الوهْم.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية