أسامة عثمان: واجهت الدولة طمعاً في نعيم الفرقة الناجية من النار(2)

مصر والسلفية

أسامة عثمان: واجهت الدولة طمعاً في نعيم الفرقة الناجية من النار(2)

مشاهدة

08/04/2018

يستعرض السلفي المصري السابق أسامة عثمان، في الحلقة الثانية من حواره مع "حفريات"، رحلته الفكرية مع أعضاء الجماعة، باعتباره أحد الفاعلين في لجنة الدعوة، وقد قرأ جميع كتبها والأبحاث التي نشروها في أثناء مواجهاتهم مع الدولة، وبين الجناحين؛ العسكري والدعوي، لا يزال الشاب المصري يبحث عن طوق نجاته، راجياً أن يكون ضمن الفرقة الناجية من النار.

وكانت الحلقة الأولى من الحوار مع أسامة عثمان، آخر أمراء الجماعة الإسلامية في حي المطرية وعين شمس، استعادت بدايات اللقاء مع الجماعة الإسلامية، وكيف كان تصعيد الصدام المسلح مع الدولة أحد أكبر عوامل الجذب للشاب ذي السادسة عشرة عاماً، للانضمام لصفوف دعوتهم.

مكتبة الدعوة

بين رفوف كتب وأبحاث الجماعة الإسلامية، تشكلت حوافز بدايات الانضمام إلى رحلة لم يكن أسامة عثمان يدرك مآلاتها: "في أجواء الصدام مع الدولة كان انضمامي للجماعة الإسلامية، بهذه الطاقة الفوارة بداخلي كالبركان، والهادرة كالطوفان، فعكفت على قراءة الكتب التي أحضرها لي أخي أو أصدقائي الجدد في الجماعة الإسلامية، وكان منها، كما ذكرت، كتاب عن وجوب إعفاء اللحية، وكتاب عن قضية الحاكمية لأحد قيادات الجماعة الإسلامية، بعنوان "حكم المستبدل لشرائع الدين"، وهي دراسة يثبت فيها كفر الحاكم الذي يستبدل ولو شريعة وحيدة من شرائع الإسلام بغيرها من الشرائع الوضعية البشرية، ويعدّ بذلك كافراً كفراً أكبر يخرجه من الملة، ما يمهد الطريق للخروج عليه ولو بالسلاح، وذلك ردّاً على بعض الجماعات السلفية التي كانت تدّعي أنّ الحاكم الذي لا يحكم بالشرع، يعدّ كافراً كفراً أصغر لا يخرج من الإسلام؛ بل يعدّ فعله كبيرة من الكبائر التي لا يكفَّر مرتكبها، فجاء هذا الكتاب ليفرّق بين الحاكم التارك للشرع، فيعدّه مكرَهاً أو جاهلاً، وبذلك لا يكفّره. والحاكم المستبدل الشرع بآخر غيره، فهذا كافر كفراً أكبرَ يخرجه من الإسلام، ممّا يبيح، بل يفرض، الخروج عليه، ولو بالسلاح".

سيد قطب وأبو الأعلى المودودي

المودودي وقطب

من الكتب التي قرأتها في بداياتي مع الجماعة الإسلامية، وشكّلت تفكيري ووجداني، كتاب "المصطلحات الأربعة" لأبي الأعلى المودودي، مفجّر قضية الحاكمية في العصر الحديث، التي تلقفها منه سيد قطب فيما بعد، وبنى عليها فكره، وهذه المصطلحات الأربعة التي يناقشها الكتاب ويبين معانيها المختلفة هي: "الله – الرب – الدين – العبادة"، وهو "مقدمة لازمة لأيّ فرد لتهيئة فكره وعقله لقبول قضية الحاكمية".

ومن الكتب أيضاً: كتاب "تطهير الجنان والأركان من درن الشرك والكفران"، وهو كتاب للرد على الصوفية، وبيان ما عليه معتقدهم من الشرك، ويشكّل فكر الفرد الجديد على كره الأضرحة؛ لأنّها شرك، والرغبة في إزالتها وتدميرها، كما فعل الرسول في فتح مكة، عندما حطّم الأصنام، وكما فعل محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية.

في المعتقل، أدركت الجماعة أخطاء الماضي القريب، وخلف جدرانه بدأت في سطر بحوثها التي تتناول كلّ طارئ يواجهها

ومن الكتب المهمة كذلك، عند كثير من جماعات الإسلام السياسي، كتاب السيرة الأشهر في العصر الحديث "الرحيق المختوم" فلقد عشت مع هذا الكتاب بكلّ وجداني وأنا أتابع مراحل نشأة الرسول، ومرحلة تكوينه، وبعثته، وما لاقاه مع العصبة المؤمنة من عذابات وآلام، وبعد ذلك هجرته إلى المدينة وبداية الكفاح المسلح، وكيف استرخص الصحابة أرواحهم في سبيل نشر الدين الإسلامي.

هذا الكتاب تستخدمه جماعات الإسلام السياسي، سواء الجماعة الإسلامية أو جماعة الإخوان المسلمين، أو غيرها، لتشكيل أفرادها فكرياً وروحياً ووجدانياً على أنّهم هم العصبة المؤمنة في العصر الحديث، التي تعدّ امتداداً للعصبة المؤمنة الأولى، التي تحملت الصعب مع الرسول حتى تمّ لها التمكين، وهو نفس ما سيحدث مع العصبة المؤمنة الحديثة، التي سوف تبتلى بالتعذيب والاعتقال والشدائد، وسوف يتم لها التمكين في الأرض، كما مكّن الله للعصبة المؤمنة الأولى في الأرض، التي صدقت في صبرها، وتحملت ما لاقته بنفس راضية.

ميثاق العمل الإسلامي

في المعتقل، أدركت الجماعة أخطاء الماضي القريب، وخلف جدرانه بدأت في سطر بحوثها التي تتناول كلّ طارئ يواجهها، مثل وضع إستراتيجية العمل الجديد، وإصدار بحوث تعالج مسائل التكفير، والولاء والبراء، والمواجهة مع الدولة، والامتناع عن تطبيق شرع الله، وكانت لأسامة عثمان رحلته الخاصة مع تلك البحوث، التي يتذكرها قائلاً: "وإلى جوار هذه الكتب العامة، كنت أدرس أبحاث الجماعة، مثل: كتيب صغير اسمه "من نحن وماذا نريد"، وكتاب "ميثاق العمل الإسلامي"، وكذلك كتاب "كلمة حق"، الذي سعى من خلاله الشيخ عمر عبد الرحمن لإثبات كفر السادات.

وكذلك درست بحث "العذر بالجهل"، وهو بحث يناقش فيه قضية كانت مثار جدل شديد داخل التيار الإسلامي عامة، خاصة بين الجماعة الإسلامية من جهة، وجماعة الجهاد الإسلامي وتيار القطبيين من جهة أخرى.

شهد أبناء جماعات الإسلام السياسي صراعات فكرية، في محاولة كلّ جماعة أن تثبت أنّها الفرقة الناجية

وفكرة هذا البحث تركز على أنّ المسلم الذي يرتكب الشرك وهو جاهل، وهو يظنّ أنّه بذلك يتقرب إلى الله، ويتعبد إليه لا يحكم بكفره، حتى يبين له العلماء خطأه. على العكس من جماعة الجهاد، وتيار القطبيين، الذين يحكمون بكفره؛ لأنهم يعدّونه معرِضاً عن تعلم الدين، ويتحمّل هذا الجهل، لأنّه لا يشغله أمر الدين أصلاً، فهو بذلك كافر ولا يعذر بجهله.

ومن الأبحاث المهمة التي درستها كذلك، بحث خطير بعنوان "حكم قتال الطائفة الممتنعة عن تطبيق الشريعة الإسلامية"، وهو بحث تقوم فكرته على إباحة دماء جنود الحاكم الكافر، الذي لا يحكم بشرع الله؛ لأنّه إذا جاء معترض على الجماعة وقال: لماذا تقتلون الجنود مع أنكم تعذرونهم بجهلهم ولا تكفرونهم؟ فتكون الإجابة في هذا البحث، الذي يثبت فيه جواز قتل الجنود، وإن كانوا جهلاء لمجرد حمايتهم للحاكم الكافر، وأمرهم إلى الله في الآخرة، ويستند هذا البحث إلى فتوى لابن تيمية تقول: (أيّما طائفة ذات شوكة ومنعة امتنعت عن تطبيق شريعة من شرائع الإسلام فإنها تقاتل على الامتناع، وإن أقرّت بوجوب ما امتنعت عنه)، يعني لا يشترط كفرها كي تقاتل، بل مجرد الامتناع تقاتل عليه حتى تلتزم بتطبيق الشرع".

التأسيس الثاني للجماعة الإسلامية

بعد خروج الصف الثاني من قيادات الجماعة الإسلامية من السجون، عملوا على تدشين التأسيس الثاني للجماعة، بداية من عام 1984، وكان من أهم أهداف ذلك التأسيس، اختراق محافظتي القاهرة والجيزة، باعتبارهما مركز الحكم في مصر، ومن أبرز تلك الأحياء التي سيطرت عليها الجماعة، حي المطرية وعين شمس، وهي الأحياء نفسها التي خرج منها منفذو عمليات الاغتيال الأشهر في تاريخ مصر المعاصر، مثل: اغتيال رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب، والمفكر فرج فودة، ومحاولة اغتيال الروائي نجيب محفوظ. وعن تلك الذكريات يحكي أسامة عثمان: "أهم المناطق التي سيطرت عليها الجماعة في القاهرة والجيزة: منطقة إمبابة، ومنطقة عين شمس الشرقية، نشأت دعوة الجماعة الإسلامية في منطقة عين شمس الشرقية، تقريباً عام 1986، بعد خروج من حكم عليهم بثلاثة إلى خمسة أعوام في قضية اغتيال السادات، وخلال عامين فقط، كانت الجماعة الإسلامية منتشرة بطريقة كبيرة في المنطقة، فقد كان كثير من الناس يرون فيها الصوت الجريء في معارضة النظام، وشعبنا بطبيعته يمجّد من يقف في وجه الظالم، حتى ولو كان خارجاً على القانون، كما مجّد الحسّ الشعبي من شخصية أدهم الشرقاوي، مع أنّه قاطع طريق وقاتل، وذلك لأنّه كان يثأر لهم من السلطة الغاشمة، وبما كانت تقوم به من محاربة البلطجية في المنطقة ورد حقوق الناس، وذلك بسبب غياب دور الدولة في الحفاظ على أرواح الناس، فأصبحوا هم الدولة الحقيقية على الأرض، ما كان سبباً في توجيه النظام ضربة لهم، خاصة بعدما توحشت الجماعة، وأحسّت بقوتها، وتعرض كثير من أفرادها للناس يتحكمون فيهم، ويطبقون ما تعلموه من تغيير المنكر بالقوة".

المفكر الراحل فرج فودة

الفرقة الناجية من النار

يسترسل أسامة عثمان في سرد ذكريات العمل تحت لواء الجماعة الإسلامية، متوقفاً أمام الصراعات الفكرية التي شهدها أبناء جماعات الإسلام السياسي، في محاولة كلّ جماعة أن تثبت أنّها الفرقة الناجية.

يقول أسامة: "خلال عامي 1991 و1992، كانت الصراعات الفكرية بيننا وبين الجماعات الأخرى في التيار الإسلامي قد بلغت أشدّها، فكانت لنا صراعات مع مجموعات القطبيين، حول قضية "العذر بالجهل"، التي كانت ناقشتها الجماعة الإسلامية في أحد أبحاثها، كما ذكرت من قبل، وكنّا نشدد النكير عليهم في هذا الموضوع، ونتهمهم أنهم يتشابهون بذلك مع الخوارج والمعتزلة.

كانت هناك صراعات أخرى مع جماعة الإخوان حول كثير من القضايا أهمها قضية حرمة دخول المجالس النيابية

وكانت هناك صراعات أخرى مع جماعة الإخوان المسلمين، حول كثير من القضايا، أهمها: قضية "حرمة دخول المجالس النيابية"، فقد كان الإخوان لا يرون بأساً من دخول مجلس الشعب، وأنّه أحد الوسائل في الدعوة، في حين أننا كنا نرى ذلك من الكفر؛ لأنّ هذه المجالس تشرّع القوانين من دون الله، ولأنّ الديمقراطية كفر؛ لأنّها تقوم على مبدأ السيادة للشعب، في حين أنّ السيادة لا بدّ من أن تكون لله، مصداقاً للآية (إِنْ اَلْحُكْمُ إِلَّا للهِ)، لذلك أصدرت الجماعة بحثاً يناقش هذه القضية، اسمه "أإله مع الله؟"، تثبت فيه حرمة دخول هذه المجالس، وأنّها قائمة على الشرك بالله في التشريع.

رئيس مجلس الشعب الأسبق رفعت المحجوب

ومن الصراعات الفكرية التي كانت على أشدّها بين الجماعة الإسلامية من جهة، وبين الجماعات الأخرى على اختلافها، قضية "تغيير المنكر بالقوة"، فقد كانت الجماعة الإسلامية ترى جواز تغيير المنكر باليد لأيّ شخص، طالما امتلك القوة، وأصدر عبد الآخر حماد، أحد القيادات العلمية في الجماعة، بحثاً بعنوان: "جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية" يثبت فيه صحة هذا الرأي، ولطالما استنكرنا على الجماعات الإسلامية الأخرى تركهم لهذه الفريضة، وأنّهم جبناء اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة.

كنا في الجماعة الإسلامية نتفاخر على الجماعات الأخرى، بأننا جماعة أخذت الدين بشموله، فنحن جماعة تهتم بالعلم على منهج أهل السنة والجماعة، وتهتم بالدعوة، وتهتم بتغيير المنكرات في المجتمع، وتهتم بالإعداد للجهاد، في حين أنّ الجماعات الأخرى لم تأخذ الدين بهذا الشمول، فمنهم من اهتم بالدعوة فقط، ومنهم من اهتم بالعلم الشرعي فقط، ومنهم من اهتم بالعمل السياسي فقط، وكنا نعيّرهم بالآية: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)".

(يتبع حلقة ثالثة وأخيرة)

الصفحة الرئيسية