المُلّا صَدرا.. أعظمُ فلاسفة الإسلام المُعاصرين

المُلّا صَدرا.. أعظمُ فلاسفة الإسلام المُعاصرين

المُلّا صَدرا.. أعظمُ فلاسفة الإسلام المُعاصرين


28/05/2026

ترجمة عبود الجابري

على الرغمِ من اعتبارِهِ أحدَ أعظمِ فلاسفةِ الفكرِ الإسلاميِّ الحديثِ، يبقى المُلّا صدرا الفارسيُّ مجهولًا نسبيًّا لدى جمهورِ القرّاءِ الغربيّين غيرِ المتخصّصين. صدرا الذي وُلِدَ عام 1571 في مدينةِ شيراز لعائلةٍ نبيلةٍ، خلالَ فترةٍ كانتْ فيها الفلسفةُ الفارسيّةُ متأثّرةً بمدرسةِ الإشراقِ التي أسّسَها السهرورديُّ، وبفلسفةِ الكلامِ التي طوّرَها ناصرُ الدينِ الطوسيّ، وتوفّي عام 1274. 

فعندَ سؤالِ أيِّ شخصٍ في أوروبا أو أمريكا الشماليّة عن اسم فيلسوفٍ معروفٍ، قد تتوجّهُ الإجاباتُ نحوَ أسماء مثل سقراط، أفلاطون، أرسطو، وربّما ديكارت، لايبنتز، كانط، ماركس، أو نيتشه. ومع ذلك، إذا طُرحَ السؤالُ ذاتُهُ عن اسمِ أحدِ الفلاسفةِ الإسلاميّين، فغالبًا ما يملأُ الصمتُ الأفقَ. وفي أفضلِ الأحوالِ، قد يستدعي المستمعُ اسمَ ابنِ سينا، المعروفِ في الغربِ باسمِهِ اللاتينيِّ "Avicenna" ، الذي يُعدُّ أبرزَ علماءِ العصرِ الذهبيِّ للإسلامِ الممتدِّ بين القرنِ الثامنِ والقرنِ الثالثَ عشرَ الميلاديِّ.

ومع ذلك، فإنّ هنالكَ عالمًا استثنائيًّا يُغلّفُ الغموضُ النسبيُّ الذي يحيطُ بهِ في الغربِ أهميّةً مركزيّةً، ليس فقط في سياقِ الفلسفةِ الإسلاميّةِ، بل في إطارِ تاريخِ الفكرِ العالميِّ. المُلّا صدرا، الذي يُعتبرُ بشكلٍ واسعٍ جوهرةَ الفكرِ الفلسفيِّ الإسلاميِّ الحديثِ، لم ينلْ بعدُ ما يستحقُّهُ من التعريفِ على الصعيدِ العالميِّ، خاصّةً بين جمهورِ القرّاءِ الغربيّينَ. يتميّزُ صدرا بغزارةٍ معرفيّةٍ تمتدُّ عبرَ مجموعةٍ متنوّعةٍ من المجالاتِ الفكريّةِ، بدءًا من الميتافيزيقا الأرسطيّةِ والفلسفةِ المشّائيّةِ اليونانيّةِ إلى الوجوديّةِ الأفلاطونيّةِ المُحدثةِ، والحكمةِ الإشراقيّةِ الفارسيّةِ، والتصوّفِ الإسلاميِّ، وتفسيرِ القرآنِ الكريمِ.

ويُعدُّ مؤلَّفُهُ الأشهرُ "الحكمةُ المتعاليةُ في الأسفارِ العقليّةِ الأربعةِ" عملًا فلسفيًّا شاملًا يتميّزُ بالجمعِ بين طيفٍ واسعٍ من العلومِ والتوجّهاتِ المعرفيّةِ المختلفةِ. وقد تركَ هذا الكتابُ بصمتَهُ البارزةَ على تطوّرِ الفلسفةِ الإسلاميّةِ، بالطريقةِ ذاتِها التي أثّرتْ بها أعمالٌ مثلُ "الخلاصةِ اللاهوتيّةِ" لتوما الأكوينيِّ (1225-1274)، و"نقدِ العقلِ الخالصِ" لإيمانويل كانط (1781؛ الطبعةُ الثانيةُ المعدّلةُ عامَ 1787) على الفكرِ الغربيِّ.

عملَ صدرا على ابتكارِ منهجٍ فلسفيٍّ فريدٍ يمزجُ بينَ الاستدلالِ العقليِّ والتأمّلِ النظريِّ في المفاهيمِ المجرّدةِ، بالإضافةِ إلى ما يُعرفُ في التراثِ الإسلاميِّ بـ "السلوكِ" الرُّوحيِّ، وهو مفهومٌ يعكسُ رحلةَ الفيلسوفِ الشخصيّةَ والباطنيّةَ نحوَ الحقيقةِ. أطلقَ صدرا على نظامِهِ الفلسفيِّ اسمَ "الحكمةِ المتعاليةِ"، التي يُعرّفُها البعضُ أيضًا بالفلسفةِ أو الثيوصوفيا المتعاليةِ.

تمثّلتْ مساهمتُهُ الأساسيّةُ في مجالِ الميتافيزيقا والأنطولوجيا في ترجيحِ أولويّةِ الوجودِ على الماهيّةِ، وهو تحوّلٌ جذريٌّ عن الفلسفاتِ السائدةِ سابقًا التي كانتْ تعطي الأسبقيّةَ للماهيّةِ. وقد بيّنَ صدرا هذه الرؤيةَ بشكلٍ عميقٍ في كتابِهِ "شواهدُ الربوبيّةِ"، الذي يُعدُّ خلاصةً لأفكارِهِ الأكثرِ أهميّةً، والتي وردتْ أيضًا في كتابِهِ "الأسفارِ". كتبَ قائلًا: "الوجودُ أحقُّ من أيِّ شيءٍ بالوجودِ، فمن خلالِهِ يحصلُ كلُّ كائنٍ على وجودِهِ، فالوجودُ هو الّذي يمنحُ الواقعيّةَ لكلِّ ما هو حقيقيٌّ".

وبناءً على هذه الرؤيةِ، طوّرَ صدرا مفهومَهُ المعروفَ بـ"تدرّجِ الوجودِ" أو "تشكيكِ الوجودِ"، الذي يعكسُ تسلسلًا هرميًّا للوجودِ ممتدًّا من الكمالِ المطلقِ لواجبِ الوجودِ إلى أدنى المراتبِ الوجوديّةِ. بهذه الطريقةِ، حاولَ صدرا حلَّ إشكاليّةِ الفلسفةِ القديمةِ المتعلّقةِ بعلاقةِ الوحدةِ بالتعدّدِ، مُشيرًا إلى أنّ الوجودَ في مجملِهِ واحدٌ، وهو ما يتناغمُ مع العقيدةِ الإسلاميّةِ للتوحيدِ أو وحدانيّةِ اللهِ، لكنّهُ في الوقتِ ذاتِهِ يتفاوتُ عبرَ مراتبَ ومستوياتٍ مختلفةٍ من الكمالِ والنقصِ.

لفهمِ مكانةِ صدرِ الدينِ الشيرازيِّ (المعروفِ بصدرا) في التاريخِ الفكريِّ، من الضروريِّ إدراكُ أنّ المفهومَ الغربيَّ للفلسفةِ بوصفِها ممارسةً علمانيّةً تسعى للمعرفةِ بعيدًا عن الوحيِ؛ يكادُ يكونُ غريبًا عن الفلسفةِ الإسلاميّةِ. فمثلًا، كانت الفلسفةُ "التحليليّةُ" تُعتبرُ لدى المفكّرينَ الفُرسِ مجرّدَ "نسجٍ" أو نوعًا من التمارينِ العقليّةِ، وليستْ وسيلةً للكشفِ عن حقائقَ تتعلّقُ بالتجربةِ والمعرفةِ والواقعِ.

ويُشيرُ سيّد حسين نصر في كتابِهِ "الفلسفةُ الإسلاميّةُ من نشأتِها إلى يومِنا هذا" (2006)، إلى أنّ العلاقةَ بينَ الفلسفةِ والنبوّةِ لها جذورٌ تمتدُّ عميقًا في التاريخِ. ويربطُ نصرا بينَ النبوّةِ، بمعناها الذي يسعى لفهمِ مستوياتٍ أعمقَ من الواقعِ وليس فقط بمعنى الاستبصارِ أو الوحيِ الإلهيِّ، وبينَ نشأةِ الفلسفةِ اليونانيّةِ على يدِ مفكّرينَ كبارٍ مثلَ بارمنيدسَ وفيثاغورسَ. ووفقًا لهذا الرأيِ، فإنّ فكرةَ مركزيّةِ النبوّةِ لا تخصُّ الإسلامَ وحدَهُ، بل هي جزءٌ جوهريٌّ من التقاليدِ الرُّوحيّةِ الكبرى حولَ العالمِ؛ بدءًا من الهندوسيّةِ والأساطيرِ المصريّةِ القديمةِ وصولًا إلى البوذيّةِ، إضافةً إلى الدياناتِ الإبراهيميّةِ التي شكّلتِ الأساسَ للثقافةِ الفكريّةِ الغربيّةِ.

من المهمِّ أيضًا أن نضعَ أعمالَ صدرا ضمنَ سياقِ التفاعلاتِ التاريخيّةِ والثقافيّةِ التي نشأتْ بينَ الفكرَينِ الغربيِّ والشرقيِّ وأسهمتْ في تطوّرِ الفلسفةِ الإسلاميّةِ. فكتابُهُ "الأسفارُ الأربعةُ" يُعدُّ قمّةَ تقليدٍ يحاولُ المزجَ بينَ مختلفِ الاتّجاهاتِ الفكريّةِ. هذا النهجُ البنيويُّ اكتسبَ قوّةً إضافيّةً منذُ أن أسّسَ شهابُ الدينِ السهرورديُّ (1154-1191) مدرسةَ الإشراقِ، حيثُ سعى إلى الجمعِ بينَ العقلانيّةِ الفلسفيّةِ والمعرفةِ العرفانيّةِ والتصوّفِ والوحيِ والتفسيرِ ضمنَ إطارٍ ميتافيزيقيٍّ ووجوديٍّ متكاملٍ.

يُمثّلُ إنجازُ صدرا التوليفيُّ أحدَ معالمِ التفكيرِ الإسلاميِّ التي ينبغي أن تُفهمَ في سياقِ النقاشاتِ الفكريّةِ السابقةِ، وخاصّةً التعارض التقليديّ، الذي كانَ غالبًا حادًّا، بينَ مناصري علمِ الكلامِ ومؤيّدي الفلسفةِ. يُشيرُ مصطلحُ "علم الكلام"، الذي يُترجمُ عادةً إلى "علمِ اللاهوتِ"، إلى منظومةٍ فكريّةٍ تُركّزُ بشكلٍ رئيسيٍّ على المناقشاتِ العقائديّةِ والفقهيّةِ، بهدفِ الدفاعِ عن معتقداتِ الإسلامِ بالاعتمادِ على القرآنِ الكريمِ وسنّةِ النبيِّ محمّدٍ ﷺ. في المقابلِ، طمحَ علمُ الحكمةِ أو الفلسفةِ إلى التوفيقِ بينَ تعاليمِ الفلاسفةِ اليونانيّينَ كأفلاطونَ وأرسطو وبينَ العقيدةِ الإسلاميّةِ، عبرَ إدماجِ الأفكارِ اللاهوتيّةِ في إطارٍ فلسفيٍّ مستوحًى من الوحيِ الإسلاميِّ. وقد شكّلَ هذا التمايزُ بينَ المناهجِ الفكريّةِ أحدَ المحاورِ الأساسيّةِ للفلسفةِ الإسلاميّةِ في العصورِ الوسيطةِ.

في البداياتِ الأولى لهذا التفاعلِ الفكريِّ، سعى فلاسفةٌ مسلمونَ، مثل الكنديِّ (801-873م) والفارابيِّ (870-951م)، إلى ملاءمةِ وتطويرِ المفاهيمِ الفلسفيّةِ اليونانيّةِ ضمنَ سياقٍ يتناغمُ مع تعاليمِ القرآنِ الكريمِ. ومع ذلك، أطلقَ محمّدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ (767-820م) دعوةً صريحةً في كتابِهِ الشهيرِ "الرسالةِ"، مؤكّدًا أنّ الفلسفةَ الإسلاميّةَ ينبغي أن تعتمدَ حصريًّا على الأصولِ الإسلاميّةِ، التي تتجسّدُ في مصادرِ المعرفةِ الثلاثةِ: القرآنِ والسنّةِ والحديثِ النبويِّ، بما أنّها تمثّلُ الأساسَ المشروعَ الوحيدَ للمعرفةِ. هذا التأكيدُ على النزعةِ الأصوليّةِ أدّى إلى تقليصِ مساحةِ الفلسفةِ والحكمةِ في الخطابِ الإسلاميِّ، سواءٌ كانتْ تنزعُ إلى التأمّلِ العقليِّ أو تسعى إلى استقصاءِ القضايا الرُّوحيّةِ، إذ نُظرَ إليها باعتبارِها قائمةً على أسسٍ غيرِ إسلاميّةٍ.

شهدَ النقاشُ بينَ علمِ الكلامِ والفلسفةِ الإسلاميّةِ، الذي تطوّرَ عبرَ القرونِ، تحوّلاتٍ عميقةً استجابةً للتغيّراتِ السياسيّةِ والفكريّةِ المتعاقبةِ، ممّا جعلهُ يتّخذُ أشكالًا تتراوحُ بينَ التنافسِ الشديدِ والتقاربِ الفكريِّ. وبفعلِ الضرورةِ الفكريّةِ، أصبحَ أتباعُ كلٍّ من المدرستينِ على درايةٍ معمّقةٍ بآراءِ المدرسةِ الأخرى، وهو ما نتجَ عنهُ نشوءُ العديدِ من الأعمالِ الفكريّةِ التي تمزجُ بينَ التوجّهَينِ. ومع ذلك، فإنّ هذا الانقسامَ يتجسّدُ بأوضحِ صورِهِ في الحوارِ الأشهرِ ضمنَ نطاقِ الفلسفةِ الإسلاميّةِ. ففي هذا السياقِ  قامَ أبو حامد الغزاليّ (1058-1126) بشنِّ هجومٍ نقديٍّ على الميتافيزيقا الفلسفيّةِ، وتحديدًا على أعمالِ ابنِ سينا والفارابيِّ، من خلالِ كتابِهِ "تهافتِ الفلاسفةِ"، حيثُ أكّدَ على أولويّةِ الإيمانِ على العقلِ.

في المقابلِ، جاءَ ردُّ ابنِ رشدٍ (1126-1198)، الفيلسوفِ الأندلسيِّ الموسوعيِّ المعروفِ في الفكرِ الغربيِّ باسمِ "الشارحِ الأكبرِ لأرسطو"، من خلالِ كتابِهِ "تهافتُ التهافتِ"، الذي يُعدُّ تعقيبًا ساخرًا ومتعمّقًا على انتقاداتِ الغزاليِّ. تضمّنَ كتابُ ابنِ رشدٍ دفاعًا محكمًا عن أهميّةِ الفلسفةِ الأرسطيّةِ وعنِ المنهجِ العقليِّ المستقلِّ، داعيًا إلى التوفيقِ بينَ فلسفةِ أرسطو وتعاليمِ الإسلامِ. هذا الجهدُ التوفيقيُّ لابنِ رشدٍ تركَ أثرًا عميقًا في الفكرِ الغربيِّ المسيحيِّ في العصورِ الوسطى، حيثُ ألهمَ محاولاتٍ لاحقةً لجمعِ الميتافيزيقا الأرسطيّةِ والفلسفةِ الطبيعيّةِ مع المفاهيمِ الدينيّةِ المسيحيّةِ.

لكنّ مسيرةَ صدرا لم تكنْ دائمًا سهلةً؛ فبعدَ عودتِهِ إلى شيرازَ، افتقدَ إلى الدعمِ والرعايةِ اللازمَينِ، ممّا دفعَهُ إلى الانعزالِ في قريةِ كاهك قربَ مدينةِ قمٍّ المقدّسةِ. خلالَ فترةِ العزلةِ التي دامتْ خمسَ سنواتٍ، انشغلَ بالتأمّلِ العميقِ والبحثِ عن فهمٍ أعمقَ للواقعِ. وخلالَ هذه الفترةِ وضعَ اللبناتِ الأولى لكتابِهِ "الأسفارِ"، الذي يُعدُّ من أبرزِ أعمالِهِ. بعدَ خلوتهِ استأنفَ صدرا أسفارَهُ مع الحفاظِ على تواصلِهِ مع أستاذِهِ مير داماد. وعلى الرغمِ من أنّهُ رفضَ وجهةَ نظرِ مير داماد بشأنِ أولويّةِ الجواهرِ على العرضِ، قامَ بتدريسِ مجموعةٍ بارزةٍ من الطلّابِ الذين أصبحوا لاحقًا رموزًا في الفلسفةِ والشعرِ، مثلَ المُلّا محسنِ الفيضِ الكاشانيِّ (1598-1679) وعبدِ الرزّاقِ اللاهيجيِّ (توفّي نحوَ 1662). وفي عامِ 1630 عادَ صدرا إلى شيراز واستقرَّ فيها، حيثُ بدأَ التدريسَ في مدرسةِ خان. اكتسبَ شهرةً واسعةً كمفكّرٍ وفيلسوفٍ ومربٍّ عظيمٍ. تُوفّي أثناءَ رحلةِ حجِّهِ السابعةِ إلى مكّةَ المكرّمةِ، ودُفنَ في البصرةِ.

تكمنُ عبقريّةُ صدرا في الجمعِ بينَ الدقّةِ العقائديّةِ لعلمِ الكلامِ والرؤى التأمّليّةِ والصوفيّةِ للإشراقِ والحكمةِ الباطنيّةِ والإعجازيّةِ للمعرفةِ (العرفانِ)، والجمعِ بينَ عقلانيّةِ التقاليدِ الأرسطيّةِ المشّائيّةِ واستكشافِ الأفلاطونيّةِ المُحدثةِ للحقائقِ العليا الخفيّةِ. ومع ذلك ظلَّ صدرا على خلافٍ مع ممارسي علمِ الكلامِ (المتكلّمينَ) طوالَ مسيرتِهِ. فقد انتقدَهم، على سبيلِ المثالِ، في كتابِهِ "الأصولِ الثلاثةِ" لارتدائِهِم "ثيابَ الخداعِ والنفاقِ وعباءةَ الخداعِ". وأكّدَ صدرا أنّ "سبيلَ الوصولِ إلى اليقينِ في البحثِ عن الحقائقِ الدينيّةِ والمعاني الباطنيّةِ لتعاليمِ النبيِّ... ليسَ من خلالِ مناقشاتِ علمِ الكلامِ والمناظراتِ". بدلًا من ذلك، جادلَ صدرا بأنّ الحقيقةَ يجبُ السعيُ إليها "عن طريقِ اكتسابِ المعرفةِ الباطنيّةِ والحدسيّةِ" و"نبذِ الأمورِ الدنيويّةِ والدنيئةِ". لم يكنْ هذا الزهدُ مصادفةً، بل كانَ يشكّلُ جزءًا أساسيًّا من "فلسفةِ صدرا المتعاليةِ"، بما يتوافقُ مع تركيزِ الشيعةِ على الباطنيِّ بدلًا من الظاهريِّ.

يرى المُلّا صدرا أنّ النقاشاتِ في مجالِ علمِ الكلامِ والفقهِ، التي تُغذّى بالرغبةِ في تحقيقِ الشهرةِ والمكانةِ الاجتماعيّةِ أو استغلالِ الناسِ بغيةَ السيطرةِ عليهم، تحملُ طابعًا ظاهريًّا يتّسمُ بالماديّةِ والدنيويّةِ. ومن هذا المنطلقِ يعتبرُ الزهدَ المفتاحَ الحقيقيَّ لنيلِ الحقيقةِ، حيثُ إنّ التخلّي عن ملذّاتِ الدنيا، بما فيها السلطةُ والشهرةُ، يُعتبرُ شرطًا أساسيًّا للتأمّلِ الرُّوحيِّ والميتافيزيقيِّ الخالصِ الذي يقودُ إلى المعرفةِ الباطنيّةِ. الفيلسوفُ، وفقَ رؤيةِ صدرا، لا يمكنُهُ أن يسلكَ طريقًا روحيًّا وهو مثقلٌ بقيودِ العالمِ المادّيِّ وشهواتِهِ.

وعلى الرغمِ من ذلك، تشيرُ مؤرّخةُ الفلسفةِ الإسلاميّةِ سيسيل بونمارياج إلى أنّ الإلهاماتِ الصافيةِ لم تكنْ غايةَ صدرا النهائيّةَ. وينقلُ عن صدرا في "الشواهدِ الربوبيّةِ" تشبيهُهُ السالكَ الرُّوحيَّ بالغوّاصِ الذي يستخرجُ اللآلئَ من قاعِ بحرِ الحكمةِ، ليجلبَها إلى شاطئِ البرهانِ. بذلكَ، فإنّ أهمَّ ما يميّزُ فلسفةَ صدرا هو التأكيدُ على الجمعِ بينَ العقلِ والوحيِ، الفكرِ والإلهامِ، والحكمةِ والرُّوحانيّةِ في البحثِ عن الحقيقةِ.

يصعبُ تجاهلُ عمقِ تأثيرِ فلسفةِ المُلّا صدرا على الفكرِ الإسلاميِّ، فقد أشارَ العالمُ سيّد حسين نصر إلى أنّ الزخمَ الذي كانَ يتمتّعُ بهِ علمُ الكلامِ تراجعَ في بلادِ فارسَ مع النهضةِ الفلسفيّةِ التي انطلقتْ بفضلِ مدرسةِ المُلّا صدرا. ويؤكّدُ نصر أنّ صدرا يمثّلُ، بلا منازعٍ، أعظمَ فلاسفةِ الإسلامِ في الحقبةِ المتأخّرةِ، بل ربّما أبرزَهم جميعًا فيما يخصُّ الميتافيزيقا.

إنّ إسهاماتِ المُلّا صدرا تُعدُّ واحدةً من العلاماتِ البارزةِ في تاريخِ الفلسفةِ الإسلاميّةِ والفكرِ العالميِّ. ورغمَ أنّ الاهتمامَ بفكرِهِ بدأَ يتزايدُ تدريجيًّا في الغربِ، إلّا أنّ منتجَهُ الفكريَّ يستحقُّ مزيدًا من البحثِ والتقديرِ من الجمهورِ خارجَ الإطارِ الجغرافيِّ والثقافيِّ للعالمِ الإسلاميِّ.

المصدر: جوش ماكلوغلين، صحفي وباحث في برنامج وولفسون بجامعة لندن.

engelsbergideas.com

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية