المنشق عن الإخوان خميس الجارحي: مشكلة الجماعة مع الشعوب لا الأنظمة

المنشق عن الإخوان خميس الجارحي: مشكلة الجماعة مع الشعوب لا الأنظمة

مشاهدة

27/09/2021

أجرى الحوار: ماهر فرغلي

التحق خميس الجارحي منذ صغره بالجماعة، كانت كل الظروف المحيطة به تدفعه دفعاً لهذا الاتجاه، إلا أنّ أحداث ثورة 25 يناير 2011، ثم ذلك الخلل الكبير الذي اتضح له في صدقية التنظيم وتعهداته، ثم تحالفه مع جماعات العنف كان دافعاً له لكي يعيد التفكير من جديد، بل ويتحول لواحد من أشد مناهضيهم في مدينته الإسكندرية.

في حواره مع "حفريات" يكشف الجارحي عن ظروف التحاقه ثم أسباب انشقاقه عن الجماعة، لافتاً إلى أنّ "تنكر الإخوان لشعارهم "مشاركة لا مغالبة" واستيلاءهم على كل المناصب والتوسع في الأخونة أفقدهم كل الحلفاء".

بدأت في المرحلة الثانوية حضور دروس وجدي غنيم "كِشك الإسكندرية" كما كان يُطلق عليه

ورأى الإخواني السابق أنّ "خطة (رد الاعتداء) التي وضعها سيد قطب في الستينيات التي تشمل تفجير أبراج الكهرباء والمؤسسات والمرافق العامة هي نفس الخطة التي نفذها الإخوان بعد فض اعتصام رابعة"، مؤكداً أنّ ما حدث في مصر من جرائم للإخوان كان له أثره في خسارتهم في تونس ثم في المغرب؛ "لا مستقبل للجماعة في مصر بعد افتضاح ممارستها للعنف، أصبحت أزمتها ليست مع الأنظمة كما كان في السابق بل مع الشعب".

وهنا نص الحوار:

مرحلة الافتتان والشك

كيف التحقت بتنظيم الإخوان المسلمين؟

تأثرت بالجماعة منذ الصغر ففيهم الجيران الذين يهتمون بربط الصغار بمساجد الحي وعمل دورات كرة القدم وتنس الطاولة وسباقات الضاحية، وبدأت في المرحلة الثانوية حضور دروس وجدي غنيم "كِشك الإسكندرية" كما كان يطلق عليه.. في هذا الوقت بدأت الجماعة معي الدعوة الفردية ولاحظت اهتمامهم بي، ودعيت لحضور أسرة من أسر الجماعة، لكنني واظبت لفترة قليلة، ثم تركت الأسرة نظراً لأنني أكره السرية، وكذلك كنت منشغلاً بالدراسة وممارسة كرة القدم والعمل في الصيف، ولذلك قرّرت عدم الانضمام لتنظيم الجماعة مع إيماني بأفكارها، وظللت مقرباً من الجماعة محباً لها معبراً عنها فوق المنابر وبين الناس، حتى ظن الناس أنني أحد قياداتها رغم أنّني لم أتعد درجة المحب.

لكنك مررت بكل المحاضن التربوية داخل الجماعة، ترى إلى أين وصلت بها؟

لقد كنت شبلاً من أشبال الجماعة في صغري، ثم بعد ذلك وفي المرحلة الثانوية كنت من شباب الجماعة أحضر لقاءات الشباب والفاعليات المختلفة الخاصة بتلك المرحلة ثم رشحتني الجماعة في انتخابات اتحادات الطلاب بالجامعة، وكذلك وكلت لي الجماعة مسؤولية تربية الأشبال في أحد مساجد الحي.

هل تغيرت شخصيتُك في البداية حين التحقت بالإخوان؟

شخصيتي ربما كان التغيير فيها تدريجياً، أو أستطيع القول إنّ معرفتي بالإخوان منذ الصغر جعلني أكثر التزاماً دينياً وأخلاقياً، أضف إلى ذلك أنني مارست الدعوة فكنت خطيباً منذ التاسعة عشرة من عمري أصعد منابر مساجد مختلفة سواء أكانت تابعة للجماعة أو ليست تابعة لها، وكل ذلك ساهم في تكوين شخصية تعمل حساباً لكون الناس ينظرون إليك كقدوة سواء طلابي في المدرسة أو من يستمعون إليّ كإمام وخطيب.

ظللت مقرباً من الجماعة ومعبراً عنها فوق المنابر وبين الناس حتى ظنوا أنني أحد قياداتها

ولم أشعر يوماً بالعزلة الشعورية التي ربما يشعر بها أعضاء الجماعة الذين لا علاقات اجتماعية لهم إلا في إطار الجماعة.. كما أنّه وبعد فقدان الإخوان للسلطة كنت قد قررت تركهم قبلها، بل وأصبحت فترة رئاسة مرسي من معارضيهم، فلم أشعر بالعزلة الشعورية التي شعر بها أعضاء الجماعة بعدما شاهدوا بأعينهم ثورة الناس عليهم وبعدما قرروا ألا يستمعوا إلا لإعلام الجماعة والابتعاد عن سحرة فرعون كما وصف المرشد الإعلام المعارض لجماعته.

هل ارتقيتَ في التنظيم فأصبحت عضواً عاملاً، أو عضواً بمجلس الشورى؟

لم أرتقِ في الجماعة إلى درجة العضو العامل، وكان هذا قراري الذي اتخذته.. حتى عندما طُلب مني الانضمام للتنظيم وإعطاء البيعة بعد ثورة يناير رفضت، وقررت أن أدور من حول الجماعة لأشاهدها من الخارج دون أن أكون متعصباً لها، وهذا ما جعلني أرى معايبها وبالتالي الابتعاد عنها.

قصة الانشقاق

ما هي قصة انشقاقك عن الجماعة؟

بدأ الأمر تدريجياً، فقبل الثورة استمعت إلى شهادة الأستاذ فريد عبدالخالق وهو من الرعيل الأول للإخوان.. فإذا بي أفاجأ به يجيب عن سؤال أحدهم أنّ حادث المنشية ليس مسرحية، ويعترف أنّ الإخوان حاولوا فعلاً قتل عبدالناصر العام 1954، وعندما سأله عن إعدام سيد قطب اعترف الأستاذ فريد بأنه أُعدم لأنه شكّل تنظيماً مسلحاً، ويقول إنه حذّره هو والمرشد حسن الهضيبي من تكوين هذا التنظيم.

لم أشعر يوماً بالعزلة الشعورية التي ربما يشعر بها أعضاء الجماعة الذين لا علاقات اجتماعية لهم

من هنا بدأت الشكوك؛ لأن الجماعة تكذب على أتباعها حتى بلغت أكاذيبهم الآفاق، وبعد الثورة حضرت معسكراً للإخوان في مدينة مطروح عاينت فيه تغير وانتكاس أخلاق شباب الجماعة، بل حاضرنا أحد قيادات الإخوان عن الربانية في الإسلام ولما سأله أحد الأخوة هل الربانية لا تتحقق إلا في الإخوان؟ فكانت إجابته نعم! وكانت إجابته صادمة بالنسبة لي ورأيت فيها استعلاء وتزكية للجماعة على غيرها والله سبحانه يقول (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) أضف إلى ذلك قول النائب الإخواني صبحي صالح: اللهم أمتني على الإخوان، فقلت كيف يساوي بين فهم حسن البنا للإسلام وهو فهم ربما يتطرق إليه الخطأ، كيف يساويه بالمنهج الإلهي المعصوم من الخطأ، ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وقرار الإخوان بالترشح للرئاسة فرأيت ذلك مخالفة للعهد وقررت أن أترك الجماعة وأكون معارضاً لها.

خيار الاصطفاف مع الوطن

لماذا لم تختَر السير في طريق وسطي ما بين الإخوان وغيرهم كحزب مصر القوية لـ"أبو الفتوح"؟

فكرت بعد تركي للجماعة في الانضمام لحزب مصر القوية، ولكن حال دون ذلك تتابع الأحداث السياسية بل وما تعرضت له البلاد من أخطار نتيجة الصراع بين الإخوان وداعميهم من جماعات العنف ضد الدولة.. والتفجيرات التي كانت تتم ضد مؤسسات الدولة الأمنية.. رأيت وقتها ضرورة الاصطفاف مع الدولة، ولم أرَ للمعارضة في هذا الوقت أي معنى، بل رأيت المعارضة في هذا الوقت خيانة للوطن واصطفافاً مع جماعات التطرف والإرهاب ضد الدولة ومؤسساتها، كما أنني قرأت وقتها أحاديث لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأنّ المسلم له أن يكون ناصحاً للحاكم لا معارضاً له، فقررت عدم الانضمام إلى أي جماعة.

هل هناك ميزات يفقدها الناقد للجماعة؟

الناقد للجماعة يفقد كثيراً من المميزات بقدر مدى ارتباطه اجتماعياً واقتصادياً بها، خاصة وأنّ لديها شركاتها ومشروعاتها التي يعمل بها الكثير من أفرادها.. أما في حالتي فكان التأثير اجتماعياً فتوترت علاقاتي الاجتماعية بعض الشيء، وتعرضت لكثير من الضغوط حتى أترك وأبتعد عن نقد الجماعة، لكن الأمر أصبح عندي دَيناً لا بد من بيانه للناس، والفكر الذي ظللت لسنوات أدعو الناس إليه أظنه الحق لا بد ألا أسكت عن نقده وقد علمت بطلانه، وإذا كان في ذلك فقدان لكثير من الأصحاب والإخوان فيكفيني أنني كسبت نفسي، فالخطر كل الخطر هو أن تخسر نفسك لتكسب الآخرين.

تحولات الجماعة

كنت شاهداً على الجماعة وتحولاتها عقب العام 2011، صف لنا هذه الفترة؟

الإخوان بعد يناير غير الإخوان قبلها، فقبل يناير كانت الجماعة تريد استمرار التواجد والانتشار؛ ولذلك كانت تشارك في انتخابات البرلمان حتى ولو علمت بتزويرها المسبق كما حدث في انتخابات برلمان 2010 الذي قاطعتها قوى المعارضة وصمّم الإخوان على خوضها؛ فقد كانت الاستراتيجية تقوم على ضمان التواجد على الساحة وزيادة انتشار الجماعة بين الجماهير، وإرسال الرسائل للغرب من أنّه يمكن الاعتماد عليها كفصيل سياسي يؤمن بالديمقراطية بعيدا عن العنف..

رفضت الانضمام للتنظيم وإعطاء البيعة بعد ثورة يناير وقررت أن أدور من حول الجماعة لأشاهدها من الخارج

أما بعد يناير فقد وجدت الجماعة نفسها أقوى الفصائل السياسية خاصة مع تشرذم قوى المعارضة فتحولت المشاركة لضمان التواجد والانتشار إلى السيطرة على مفاصل الدولة المصرية بكل الوسائل مشروعة أو غير مشروعة، فسيطرت على البرلمان ومجلس الشورى، ثم كان الفوز بانتخابات الرئاسة والتوسع في مشروع الأخونة، وأعلنت الجماعة ما لم يكن معلناً ثقةً منها في استمرارها في الحكم لفترات طويلة.

هل كنت تتوقع السقوط للجماعة، ثم ما جرى في اعتصام رابعة؟

توقعت سقوط الجماعة منذ أن قامت بترشيح مرشح للرئاسة، وقلت لأفرادها وكوادرها: إن مشاكل وأزمات البلاد تحتاج وقتاً طويلاً لحلها ولن يصبر الشعب على الإخوان، وكنت أرى أن نقض الإخوان لعهدهم بعدم تقديمهم لمرشح رئاسي ينذر بمصائب ستحل على التنظيم، وهو ما حدث بعد ذلك، فقد زادت الأزمات على الناس في حياتهم اليومية (انقطاع كهرباء متواصل - أزمة وقود وبوتاجاز- أزمة رغيف الخبز) وغيرها.

بدأت شكوكي تتزايد لأنّ قيادات الجماعة تكذب على أتباعها حتى بلغت أكاذيبهم الآفاق

أما سياسياً فمع تنكر الإخوان لشعارهم "مشاركة لا مغالبة" واستيلائهم على كل المناصب والتوسع في الأخونة فقد فقدوا كل الحلفاء وأصبح طوق النجاة لهم التحالف مع جماعات العنف كالجماعة الإسلامية والجهاد وقامت بعد ذلك ثورة 30 يونيو، وزاد يقيني في السقوط عندما شاهدت اعتصام رابعة والخطاب التصادمي التكفيري لكل المخالفين، فرأيت أنني أمام خطاب وممارسات الخوارج الأوائل، وكنت على يقين من أنّ الجماعة تتاجر بدماء أبنائها ومؤيديها لصناعة مظلومية يطلبون بها تدخل العالم ولا سيما الأمريكان.

تكرار الأخطار

هل ترى أنّ الجماعة يمكن أن تراجع أفكارها؟

لو راجعت الجماعة يوماً ما أفكارها لما وقعت في نفس الأخطاء مرات عديدة، فأخطاء الجماعة وممارساتها في الخمسينيات والستينيات هي نفس أخطائها بعد ثورة يناير؛ وخطة (رد الاعتداء) التي وضعها سيد قطب في الستينيات التي تشمل تفجير أبراج الكهرباء والمؤسسات والمرافق العامة هي نفس الخطة التي نفذها الإخوان بعد فض اعتصام رابعة.. ربما هناك مراجعات فردية ولكنها لا أثر لها في أفكار الجماعة ومؤسساتها، وإن كان المرشد عمر التلمساني قد أعاد الجماعة مرة ثانية إلى السلمية طيلة عهد السادات ومبارك، إلا أنّها كانت مرحلة ولم تلبث الجماعة أن عادت إلى أفكارها الأولى التي وضع بذرتها البنا واسترعاها سيد قطب.

كيف ترى مستقبل الجماعة؟

أعتقد أنّه لا مستقبل لها في مصر بعد افتضاح ممارستها للعنف، أصبحت أزمتها ليست مع الأنظمة كما كان في السابق بل مع الشعب، فلن ينسى المصريون أنّهم لم يكونوا آمنين في شوارعهم بعدما أصبح مشهد التفجيرات من المشاهد التي المألوفة يومياً، ولن ينسى الشعب شهداءه من أبنائه في الجيش والشرطة على يد اللجان النوعية للجماعة (حسم، ألوية الثورة، العقاب الثوري) أو المتحالفين مع الجماعة كـ(خُذّال بيت المقدس) الذين يدعون نصرته، بل إنّ ما حدث في مصر من جرائم للإخوان كان له أثره في خسارتهم في تونس ثم في المغرب.. ليس معنى هذا أنهم لن يعودوا ثانية؛ ولكن الأمر يحتاج لسنوات طويلة، وهو مرهون بمدى قوة الدولة أو ضعفها.

التعامل مع الخوارج الجدد

هل ترى أنّ المشكلة الإخوانية لها حل عن طريق الطابع الديني والأزهر، على سبيل المثال؟

المشكلة في أساسها دينية وكل هذه الفرق كالإخوان وغيرهم كان لهم بذور في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، منذ أن قال ذو الخويصرة للنبي "اعدِل"، ولما همّ بالانصراف قال النبي لأصحابه: يخرج من ضئضئ هذا أناس تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم... إلى آخر الحديث، وقد عادوا الظهور أيام علي كرم الله وجهه ومن صفاتهم تكفير المسلمين بالكبيرة ومنابزة حكام المسلمين بالكلمة والسيف، والاستعلاء على المسلمين وكلها صفات توافرت في فرق اليوم، ولذلك وجب على العلماء أن يبينوا ذلك للناس، وقد وصفهم بالخوارج العلامة أحمد شاكر وكذلك شيخ الأزهر مصطفى المراغي وغيره من علماء الأزهر، وأرى أنّ هناك جهوداً فردية مشكورة من بعض علماء الأزهر ولكني أتمنى أن تكون الجهود مؤسسية؛ فالأزهر بمكانته بين المسلمين يستطيع أن ينقذ الأمة كلها من أفكار هذه الفرق الضالة، وكم أتمنى أن ينتج الأزهر فيلماً وثائقياً عن الخوارج منذ عهد النبي إلى يومنا هذا.

كيف تنظر بعيون إخواني سابق إلى الأعضاء المنشقين؟

الأعضاء المنشقون عن الإخوان يتفاوتون في أسباب هذا القرار؛ فمنهم من فعل ذلك لأسباب تنظيمية ولكنه ما يزال مؤمناً بأفكار الجماعة، ومنهم أيضاً من انشق لأخطاء ارتكبتها الجماعة سياسياً في المرحلة الأخيرة بعد ثورة يناير، وقليل هم المنشقون الذين رأوا ضلال الفكرة وأنها نفس أفكار الخوارج الأولين فخرج يبين للناس ولم يصمت تبرئة للذمة أمام الله، ولعلهم يرجعون لإنقاذ أجيال قادمة من الانخراط في مثل هذه الفرق حتى، وإن تعرض لمحاولات الاغتيال المعنوي والسب أو التشكيك وسوء الظن فهي ضريبة النجاة التي تستحق الصبر على كل هذا الإيذاء، وهناك الكثير من أفراد الجماعة مخدوعون فيها ويحتاجون لكل صوت أو قلم يبين لهم ضلال الفكرة وابتعادها عن منهج الإسلام.



الصفحة الرئيسية