
ترجمة محمد الدخاخني
بعد الزيارة الناجحة التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع مؤخراً إلى واشنطن، تساءل كثير من اللبنانيين عن دلالاتها بالنسبة إلى بلدهم. ولعلهم تذكروا ما قاله المبعوث الأمريكي توم باراك في تموز (يوليو) الماضي، متحدثاً عن اللبنانيين: "أعتقد بصدق أنّهم سيقولون: العالم سيتجاهلنا. لماذا؟ إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والآن سوريا تتجلَّى بسرعة كبيرة لدرجة أنّه إذا لم يتحرك لبنان، فسيصبح من بلاد الشام مرة أخرى".
هناك (3) توجهات رئيسة للتعامل مع بلاد الشام اليوم: توجه الولايات المتحدة وإسرائيل، وتوجه دول الخليج العربي، وتوجه إيران. وبينما سعت سوريا إلى أن تكون جزءاً من التوجهين الأوّلين، ورفضت التوجه الثالث رفضاً قاطعاً، فإنّ لبنان المنقسم عالق في منطقة قاتمة بين التوجهات الثلاثة، ويخاطر بدفع ثمن باهظ لعدم استقراره.
في غضون ذلك، انضمَّ الشرع رسمياً في واشنطن إلى التحالف المناهض لتنظيم (داعش)، معززاً بذلك مكانته في مكافحة الإرهاب لدى الأمريكيين. وقد أفادت التقارير أنّه تعهَّد أيضاً بمحاربة حزب الله وحماس والحرس الثوري الإسلامي الإيراني. وفي هذه الأثناء، يُتهم لبنان بالفشل في نزع سلاح حزب الله، الذي تعتبره الولايات المتحدة منظمة إرهابية. وفي مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) زار بيروت وفدٌ من وزارة الخزانة الأمريكية، برفقة سيباستيان غوركا، المدير الأول لمكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، للبحث في سبل قطع مصادر تمويل حزب الله.
يتعرَّض لبنان لضغوط من جميع الأطراف في المنطقة، وقدراته على إرضاء أيٍّ منها محدودة. ومن ثمَّ يتطلب الأمر مقاربة جديدة؛ على اللبنانيين التحرّك بشكل عاجل على جبهات متعددة، بينما يجب على دول المنطقة أن تتذكّر أنّه ما لم يستقر لبنان، فقد يصبح بؤرة خطرة محتملة للتنافسات الإقليمية.
تكمن المشكلة التي يواجهها لبنان في الانقسامات العميقة الموجودة داخل مجتمعه. فبينما تتفق معظم الطوائف على أنّ الدولة وحدها هي التي يجب أن تمتلك السلاح، يعارض حزب الله ذلك لأنّ إيران ترفض مثل هذه النتيجة. وبالنسبة إلى طهران، سيشكّل نزع سلاح الحزب خسارةً لورقة إقليمية قَيِّمة، بعد الهزيمة الإيرانية في سوريا.
وممّا زاد الأمور تعقيداً أنّ الحكومة الإسلاموية في دمشق، التي يعتبرها الكثير من الشيعة في لبنان معادية، قد عزَّزت موقف حزب الله وحلفائه الرافض لنزع السلاح. إذْ يخشى هؤلاء أن تستخدم دول خارجية سوريا للضغط على الطائفة، على سبيل المثال من خلال شنّ غارات على المناطق الشيعية في لبنان.
لعنة المجتمعات المنقسمة هي أنّها غالباً ما تُمزِّقها الصراعات الإقليمية والدولية. ومن الأمثلة على ذلك أوكرانيا، فقد حذَّر الراحل هنري كيسنجر من أنّه إذا حاول أيّ طرف فرض انتصار أحد الجانبين في أوكرانيا -الغرب الذي يغلب عليه الكاثوليك الناطقون بالأوكرانية، أو الشرق الذي يغلب عليه الروس الأرثوذكس- فإنّ النتيجة "ستؤدي في النهاية إلى حرب أهلية أو تفكك". ولبنان ليس استثناءً.
وأشار كيسنجر إلى أنّ المطلوب هو تسوية بين الجانبين في أوكرانيا. وحاجج قائلاً: "الاختبار ليس الرضا المطلق، بل عدم الرضا المتوازن". وينطبق الأمر نفسه على لبنان. فحزب الله ضعيف عسكرياً ومعزول للغاية، ولا يستطيع إحياء هيمنته التي اعتاد أن يمارسها على البلاد. لكنّ لبنان لن يتقدم إن لم يجد حلاً وسطاً مع الحزب.
مع وضع هذا في الاعتبار، يمكن للقادة اللبنانيين ودول المنطقة بذل المزيد من الجهود لعزل لبنان عن التوترات الإقليمية. والحلّ ليس في الاستمرار في فكرة نزع سلاح حزب الله بالقوة، والتي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام في لبنان. ولن يتحقق هذا الحلّ بالتأكيد من خلال تكليف سوريا بمسؤولية لبنان، كما ألمح باراك.
يجب أن يكون الهدف الأول هو وضع لبنان في حالة حياد فعلي، وعزله قدر الإمكان عن الصراعات الإقليمية. ويجب أن تكون الخطوة الرئيسة في هذا الاتجاه هي ضمان انسحاب إسرائيل من الجنوب، مع الموافقة على ترتيبات أمنية على طول الحدود تُنهي هجمات حزب الله عبر الحدود بشكل دائم. ومن الجدير بالذكر أنّه في المرة الأخيرة التي تراجع فيها لبنان عن اتفاقية الانسحاب مع إسرائيل، في آذار (مارس) 1984، احتلّ الإسرائيليون لبنان لمدة (16) عاماً إضافية.
ينبغي ألّا يتكرر هذا. ولذلك، فإنّ الجدل اللبناني اليوم حول ما إذا كان يجب على العسكريين أو المدنيين التفاوض مع إسرائيل يُعَدُّ جدلاً عقيماً تماماً. يمكن للبنان البقاء على رفضه لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، لكن عليه تشكيل فريق عسكري مدني لمناقشة الترتيبات الأمنية، كما فعل عام 1949.
ومن المحاور الأساسية في هذا الصدد إعادة إعمار المناطق اللبنانية التي دمّرتها إسرائيل. وتُعتبر دول الخليج محورية في هذا المسعى. ومع ذلك، فإنّها لن تُقدّم أيّ أموال طالما أنّ جماعات الضغط المالية في لبنان تُبقي البلاد رهينة لمصالحها من خلال عرقلة الإصلاح. وهنا، يتعين على الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام بذل جهود أكبر. ومن دون إحراز تقدّم، من غير المرجح أن تُقدّم دول الخليج المساعدة للبنان.
كما أنّ إعادة إحياء الاقتصاد وإعادة بناء المدن والقرى من شأنهما أن يُسهما في تقويض قبضة حزب الله المالية على الطائفة الشيعية. وفي الوقت نفسه، على لبنان أن يبدأ حواراً مع الأحزاب الشيعية الرئيسة لمناقشة الإصلاحات السياسية التي تُحسِّن تمثيل الطائفة الشيعية في الدولة، وتُظهر أنّ نزع السلاح لا يُهدد بالضرورة النفوذ العام للطائفة الشيعية.
المحور الثالث، الذي ستلعب فيه كل من السعودية وتركيا دوراً قيادياً، هو تسريع المصالحة اللبنانية السورية، التي لم تتقدَّم إلا ببطء. ولن يُطمئن هذا المجتمع الشيعي - الذي يخشى الانتقام السوري لدور حزب الله في الصراع السوري - إلّا بعد أن يُحسِّن البلدان علاقاتهما ويُكملا ترسيم الحدود، ويُسوّيا القضايا العالقة، مثل المعتقلين السوريين في لبنان.
يمكن معالجة هذه الأمور حتى قبل نزع سلاح حزب الله. قد لا يكون هذا بالأمر الهيِّن، لكن على كلٍّ من عون وسلام التركيز على ما يُمكن تحقيقه اليوم. وإذا قاوم حزب الله، فليُرحِّب الرجلان بمواجهة سياسية تُسهم في توضيح الغموض المُضرّ بلبنان.
المصدر: مايكل يونغ، ذي ناشيونال، 19 تشرين الثاني) نوفمبر) 2025

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)