المؤسسات الدينية من التأميم إلى التوظيف... تحولات المؤسسة الدينية في مصر (1952-1981)

المؤسسات الدينية من التأميم إلى التوظيف... تحولات المؤسسة الدينية في مصر (1952-1981)

المؤسسات الدينية من التأميم إلى التوظيف... تحولات المؤسسة الدينية في مصر (1952-1981)


24/03/2026

استكمالاً لما تناولناه في مقالنا السابق حول تحول الدين في الدولة الحديثة من كونه "مؤسسة حكم" كما كان في العصور الوسطى، إلى "قوة رمزية وإيديولوجية" تتفاوض مع الدولة على مساحات النفوذ والشرعية؛ فالدولة توظف هذه القوة لتعزيز شرعيتها، بينما يستثمرها الخصوم كأداة لحشد الجماهير ومواجهة السلطة. وبفعل هذا التجاذب تظل الإيديولوجية الدينية حاضرة في وعي الأفراد ولا وعيهم، ممّا يجعلها ساحة تنافس محمومة للسيطرة والهيمنة. لا ينصبّ اهتمامنا هنا على الدين كإيديولوجيا في حد ذاته، بل على "تموضعه المؤسسي"؛ بما يتضمنه من وجود مادي، وصلاحيات، ومصالح، ورجالٍ قائمين على شؤونه، وأدوات لإنتاج الخطاب الديني وترويجه. ولتفكيك هذا التحول نقوم باستقراء النموذج المصري عبر مرحلتين مفصليتين: الأولى فترة بناء التجربة الناصرية التي اتسمت بضبط المؤسسات الدينية وإخضاعها للبيروقراطية العسكرية ذات التوجه القومي؛ والثانية  التحولات التي طرأت على هذه المؤسسات في عصر السادات، حيث راوحت بين دورها كجهاز تابع ينفذ توجهات الدولة، وبين نزوعها الإيديولوجي نحو الهيمنة على المجتمع والدولة معاً.

عند استقراء التجربة التاريخية المصرية في بناء الدولة الحديثة ودور المؤسسة الدينية فيها، نجد أنّ جمال عبد الناصر اتخذ من الإيديولوجية القومية مرتكزاً ثابتاً، بينما وظف الإيديولوجية الدينية أداة مرحلية تبعاً لمقتضيات الصراع؛ ففي مواجهة التحديات الخارجية كان سلاح القومية والوطنية هو المتصدر، بينما جاء دور الدين في المرتبة الثانية، حيث استخدم عبد الناصر الإيديولوجيا الدينية لتعزيز مكانة مصر كقائد للعالم الإسلامي (الدائرة الإسلامية في فلسفة الثورة)، وواجه بها خصومه الإقليميين الذين استخدموا "الرابطة الإسلامية" لمواجهة المد القومي. أمّا في الصراعات الداخلية، فقد استدعى قيم العدالة الاجتماعية، مكرّساً، ضمنيّاً، نموذج "المستبد العادل". 

جمال عبد الناصر: "تأميم" الخطاب الديني، وتحجيم المؤسسة الدينية

اعتمد عبد الناصر استراتيجية تقوم على إخضاع المؤسسة الدينية للدولة ودمجها ضمن مشروعه القومي الشمولي. وفي ظل مواجهته للقوى الرأسمالية الداخلية والضغوط الدولية، تعاظم صعود الخطاب القومي/الاشتراكي على حساب الخطاب الديني التقليدي؛ الذي خضع بدوره لعملية "فرز" إيديولوجي، حيث تم دعم الطروحات التي تخدم التوجه الناصري، وتهميش أو قمع ما يعيق هيمنة الدولة. وبرز في هذا السياق مصطلح "الاشتراكية الإسلامية" كأداة لمواجهة التيارات الدينية المحافظة والحركات الإسلامية المنظمة.

هذا على صعيد الإيديولوجيا الدينية كمنظومة عقائدية، أمّا على الصعيد المؤسسي، فقد اتخذت الدولة الناصرية تدابير هيكلية لتحجيم نفوذ المؤسسة الدينية؛ بدءاً من إلغاء القضاء الشرعي، وصولاً إلى إصدار قانون تطوير الأزهر عام 1961. هذا القانون مثل نقطة تحول مفصلية، إذ نقل الأزهر من مؤسسة ذات استقلالية نسبية إلى جهاز إداري تابع للدولة. مكنت هذه التبعيةُ النظامَ الناصري من توظيف المنابر الدينية لتسويق مفاهيم مثل "الاشتراكية العربية"، مع إعادة صياغة جوهر الإسلام ليصبح دعوةً للعدالة الاجتماعية ومحاربة الإقطاع، بما يتسق مع أهداف السلطة آنذاك. خلال الستينيات لجأت الصحف، بإيعاز من الدولة، إلى نشر مقالات مطولة لعلماء الأزهر تحت عناوين مثل: الإسلام... دين الاشتراكية الأول، كذلك توسعت الصحافة في نشر آيات الزكاة وأحاديث التكافل الاجتماعي، جنباً إلى جنب مع أخبار بناء المصانع وتوزيع الأراضي على الفلاحين.  

بينما انهمك عبد الناصر في قمع التنظيمات السياسية الدينية المعارضة، وبالتحديد جماعة الإخوان المسلمين، حرص في المقابل على إبراز تدين الدولة الرسمي؛ عبر الهيمنة والتحكم الكلي في المؤسسات الدينية القائمة كالأزهر والأوقاف والإعلام الديني؛ ضماناً لعدم ترك الساحة الدينية شاغرة للمعارضة. وظل استدعاء الدين كإيديولوجيا مهيمنة ممارسة يدخرها ناصر للّحظات الاستثنائية والتحولات الراديكالية، وهذا لم يكن توظيفاً عقائدياً بقدر ما كان تعبئة مؤسسية قومية بعباءة دينية. ولعل اللحظة الأبرز في تاريخ ناصر الخطابي تجسدت أثناء عدوان 1956، حين تحولت المؤسسة الدينية إلى أداة للتجييش الشعبي. فمع بداية العدوان الثلاثي  لم يكتفِ عبد الناصر بمخاطبة الجماهير عبر أجهزة الإعلام، بل اعتلى منبر الجامع الأزهر ليعلن صرخته الشهيرة: "سنقاتل، ولن نُسلّم". كان اختيار الأزهر رسالة للعالم الإسلامي بأنّ المعركة تجاوزت حدود السياسة لتصبح "جهاداً" تخوضه الدولة بمؤسساتها الدينية وشعبها ضد استعمار يعتدي على قلب العروبة والإسلام. وفي تلك اللحظة تحولت المساجد إلى مراكز للمقاومة الشعبية، واصطبغ الخطاب القومي بنبرة جهادية ألهبت مشاعر الجماهير في مصر وخارجها.

في ذروة الصراع الإقليمي مع القوى التي سعت إلى تدشين "حلف إسلامي" لتقويض المد القومي، لجأ جمال عبد الناصر إلى المؤسسة الدينية كأداة دفاعية مضادة، حيث جيش علماء الأزهر لتكريس مفهوم "الاشتراكية العربية" باعتبارها التطبيق المعاصر لجوهر العدالة في الإسلام الباكر، وليست كفراً كما روّج خصومه، وهو التوجه الذي تعزز بتأميم المنبر الإعلامي عبر تأسيس "إذاعة القرآن الكريم" عام 1964، لتصبح أداة لترسيخ الدولة كحامية للحمى الديني ضد ما وصفه ناصر بـ "إسلام النخب" أو "الإسلام السياسي" المرتبط بالاستعمار. ومع اندلاع حرب اليمن، حيث واجه التدخل العسكري اتهامات بالاعتداء على "الإمامة" والشرعية الدينية، استدعى ناصر خطاباً تحررياً، تم ترويجه عبر المؤسسة الدينية، صوّر المعركة كنصرة للمستضعفين ضد "الكهنوت" والرجعية، موظفاً حججاً شرعية لدعم الثورة على الظلم.

أنور السادات: "الرئيس المؤمن" والتوازنات الجديدة

أمّا السادات، فقد نهج نهجاً مغايراً جذرياً، ساعياً لفك الارتباط مع الإرث الناصري واليساري عبر إحياء الفكر الديني في المجال العام، حيث حرص على تصدير صورة الحاكم "المؤمن" الذي يبدأ خطاباته بالبسملة، ويظهر بالجلباب في قريته "ميت أبو الكوم"؛ ليرسخ شرعية تقليدية محافظة تضاد الشرعية الثورية الناصرية. وفي إطار استراتيجيته المعروفة بالتديين الحداثي النفعي للمجتمع؛ سمح السادات في مطلع السبعينيات للجماعات الإسلامية باختراق المؤسسة التعليمية الأقوى، أي الجامعات المصرية بطلابها وأساتذتها والعاملين فيها، والمسؤولين عن النشاط فيها، لضرب نفوذ التيارات الناصرية واليسارية، وخلق توازن قوى يخدم استقراره السياسي. ولم يقف الأمر عند حدود الرموز والمؤسسات، بل توّج السادات هذا التوجه بـ "دسترة الهوية" في عام 1971، حين جعل مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وهي خطوة إيديولوجية كبرى هدفت إلى امتصاص الضغط الشعبي وتثبيت أركان حكمه، وتوفير الغطاء الشرعي اللازم لسياساته، ولا سيّما عند التحضير لتوقيع معاهدة السلام التي استدعت مظلة حماية دينية من المؤسسة الرسمية لتمريرها في مواجهة المعارضة.

طوال عصر السادات قامت بعض المؤسسات الدينية أو أجنحة بداخلها بدعم تيارات محافظة؛ لضبط التوازن ضد التيارات الليبرالية أو اليسارية التي كانت تؤرق نظام السادات وتهدد شرعيته. هذا الدعم، وإن كان تكتيكياً في البداية، كان يوفر بيئة حاضنة تنمو فيها بذور التشدد لاحقاً بعد أن تخرج تلك التيارات عن السيطرة. لذا لم تأتِ النتيجة كما أراد السادات؛ بل ظهرت الصراعات داخل المؤسسة الدينية نفسها، وبينها وبين حلفائها من التيارات الإسلامية المتشددة المتواجدة خارجها. فعندما تتماهى المؤسسة الدينية الرسمية مع السلطة السياسية بشكل كامل، يفقد جزء من الجمهور الثقة في استقلاليتها، وهنا تميل الكفة لصالح التيارات المتشددة كحركات احتجاجية، تسوق لنفسها بأنّها الصوت الحر للدين. لقد تحولت علاقة التفاهم والتحالف بين المؤسسة الدينية الرسمية وجماعة الإخوان المسلمين، وبقية التيارات الإسلامية المتشددة، إلى خلاف فقهي على من يمثل "الإسلام الصحيح" في مواجهة ما يسمّونه "دين الدولة" المؤسسي، ثم إلى صراع حاد على احتكار الفتوى للسيطرة على أدوات الإعلام الديني والهيمنة على وعي الجماهير المؤمنة.

انهار التحالف بين نظام السادات بمؤسساته الدينية وبين التيارات الإسلامية نتيجة لعدد من العوامل؛ أهمها "معاهدة السلام"، حيث اعتبرت التيارات المتشددة اعتراف السادات بإسرائيل "خروجاً على الملة" وتفريطاً في ثوابت الأمة، ممّا حوّل التحالف إلى عدائية إيديولوجية. كذلك كان الصراع على "الاحتكار الديني من العوامل الدافعة لانهيار التحالف؛ فقد شعرت جماعة الإخوان المسلمين وبقية الجماعات المتشددة، مثل تنظيم الجهاد والتكفير والهجرة، بأنّ المؤسسة الدينية الرسمية "مرتدة" أو "مداهنة للسلطة"، فبدأت بطرح نفسها كبديل أصيل، يمتلك الحق في التكفير والحكم، ممّا جعل الصراع صراعاً على أحقية تمثيل الدين. 

أدى التنافس المحموم على الهيمنة الدينية إلى ارتدادات كارثية عصفت بالدولة والمجتمع؛ فبمجرد أن فقدت المؤسسة الرسمية مركزيتها وقدرتها على احتواء الخطاب الشبابي، انفرط عقد المرجعية وظهرت "فوضى إفتائية" تزعمها متشددون وغير متخصصين. وسرعان ما انزلق هذا الصراع من أروقة الفكر إلى عسكرة فعلية للمجتمع، حيث تحول الشارع إلى ساحة مواجهات أمنية دامية بدأت باعتقالات أيلول/سبتمبر 1981 وانتهت بعمليات الاغتيال، ليحل الرصاص محل الحوار. وفي ظل هذا الاستقطاب الحاد بين خطاب يداهن السلطة، وآخر يتبنّى التشدد، انحسر التيار الوسطي الذي ميز التدين المصري تاريخياً، ممّا خلف فجوة عميقة في الوعي الجمعي. لقد كان رهان السادات على توظيف الدين كأداة سياسية بمنزلة الشرارة التي أدت إلى "تسييس المقدّس" و"تقديس السياسي"؛ وهو ما أفقد المؤسسات الدينية نفوذها الايديولوجيي، وحوّل الدين إلى ساحة صراع، أفضت في النهاية إلى انفجار عنيف هدد استقرار الدولة طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية