الكلفة البريطانية الباهظة لسياسة التراخي مع قوى الإسلام السياسي

الكلفة البريطانية الباهظة لسياسة التراخي مع قوى الإسلام السياسي

مشاهدة

28/06/2020

مثل الحادث الإرهابي الذي وقع في مدينة رينيدغ البريطانية، في العشرين من الشهر الجاري، وتسبب في سقوط ثلاثة قتلى ومثلهم من الجرحى، منصة جديدة تجمعت عليها عدة أحداث ومواقف إشكالية، وسياسات وشخصيات متباينة، تتصل بموقف المملكة المتحدة أو بالأحرى مقارباتها السياسية "البراغماتية" فيما يخص جماعات الإسلام السياسي، الأمر الذي يحتاج إلى فض ملابساته وتفاصيله الملتبسة، وبالقدر ذاته، وضعه في إطار المراجعة والمسائلة، لفهم وتحديد تلك الارتباطات الملغزة والملغمة، خاصة، وأن الشاب الليبي الذي تم توقيفه، والمشتبه في تورطه بحادث الطعن داخل أحد المتنزهات بجنوب لندن، خيري سعد الله، أزاحت التقارير الأمنية البريطانية جانباً من شخصيته المتشددة، بحسب الصحف البريطانية، وذلك منذ تم رصدت محاولاته السفر لسوريا لـ"أسباب متطرفة".

ذئاب أوروبا المنفردة

لذا صعد من جديد على خلفية تلك الأحداث الإرهابية دور بريطانيا السياسي، وكذا، موقفها "المتردد" على المستوى الأمني والقانوني والسياسي والاجتماعي تجاه العناصر الإسلامية الراديكالية، بخاصة الليبية، مؤخراً؛ إذ وفرت للعديد منهم، أفراداً وجماعات، الملاذات الآمنة كما احتضنت نشاطاتهم الدينية والثقافية والإعلامية، بل واستخدمت بعضهم في أدوار وظيفية محددة لخدمة مصالحها الخارجية؛ حيث كشفت صحيفة الغارديان البريطانية أنّ جهاز المخابرات الداخلي في لندن "إم آي 5"، قد قام بتحقيق داخلي، في العام 2017، أوضح من خلاله أنّ لديه سياسة تسمح لليبيين في بريطانيا بالسفر للقتال في ليبيا، ومن ثم، العودة لاحقاً، بما في ذلك الذين كانوا تحت المراقبة والإقامة الجبرية بلندن، على خلفية إجراءات قانونية بحقهم تتعلق بمكافحة الإرهاب.

صعد من جديد على خلفية تلك الأحداث الإرهابية دور بريطانيا السياسي، وكذا، موقفها "المتردد" تجاه العناصر الإسلامية الراديكالية

وأوضحت الصحيفة البريطانية، بـأنّ لجنة المخابرات والأمن في البرلمان البريطاني، أعلنت، في العام 2018، أن جهاز الأمن ذاته، تصرف "ببطء شديد"، حسب وصفها، أثناء تعامله مع عائلة العبيدي، المعروفة بصلاتها بحكومة الوفاق الليبية، المدعومة من تركيا، وقد حصلت العائلة الليبية على حق لجوء سياسي في بريطانيا، تسعينات القرن الماضي، بعد أن انشق الأب من عمله في جهاز الأمن الليبي، أثناء حكم معمر القذافي، بينما انخرط في صفوف الجماعة الليبية المقاتلة، التابعة لتنظيم القاعدة، بقيادة عبد الحكيم بلحاج.

المملكة المتحدة وممالك الإرهاب

 وتورط اثنان من أبناء العبيدي (سلمان وهاشم) في الهجوم الإرهابي الذي وقع، قبل ثلاثة أعوام، في مدينة مانشتسر، حيث قام الأول بتفجر إحدى القاعات التي كانت تضم حفلاً موسيقياً، لمغنية البوب الأمريكية، أريانا غراندي، وقضى 22 شخصاً، من بينهم سبعة أطفال، ونحو مائة جريح، كما اتهم القضاء البريطاني الابن الثاني بالمشاركة والتخطيط والإعداد للهجوم الإرهابي.

تعقبت صحيفة "التلغراف" البريطانية سيرة العبيدي، وكذا، أبنائه، حيث ذكرت أنّ منفذ الهجوم، سلمان العبيدي، في العقد الثاني من عمر، ولد في مدينة مانشستر، العام 1994، وهو الثاني من بين أربعة أبناء لمهاجرين ليبيين وصلا إلى المملكة المتحدة، بعد الفرار من نظام معمر القذافي، على خلفية انشقاق الأب من عمله كضابط في الجهاز الأمني الليبي، ومن ثم، انخراطه في صفوف التنظيم المرتبط بالقاعدة.

اقرأ أيضاً: كيف يستغل الإخوان ومتشددون ليبيون ديمقراطية بريطانيا؟

وتلفت الصحيفة البريطانية، إلى أنّ الشاب العشريني الذي تورط في الهجوم الإرهابي كان يتردد على مسجد ديديسبري، الذي كان يقدم فيه والده، المعروف بصلاته الفكرية والتنظيمية بالقاعدة، نشاطاً دعوياً متشدداً؛ إذ عرف عن الأخير ارتباطه الوثيق، بعد العام 2011، بالصادق الغرياني، المقيم في تركيا، ومفتي طرابلس في تلك الفترة؛ حيث يعد أحد أبرز المدرجين على قوائم الإرهاب لدى الدول العربية الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، بعد أن تعددت فتاواه التكفيرية والدموية لجهة قتل المدنيين، واقتحام المدن الليبية غير الداعمة لحكومة الوفاق والميلشيات التابعة لها.

تحالف الإرهابيين الجدد

وبالتبعية، فإنّ ثمة صلات قوية، من ناحية أخرى، جمعت بين سلمان العبيدي وسهيل الغرياني، مؤسس قناة "التناصح"، التي تبث برامجها من أنقرة، وتحصل على تمويلها من الدوحة، بينما وضعتها الدول العربية الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب على قائمة الكيانات الإرهابية، فضلاً عن مجلس النواب الليبي، حيث تعد المنصة الإعلامية أحد الأجنحة الأيدولوجية التي تلعب أدواراً دعائية لصالح جماعات الإسلام السياسي، ومن بينها جماعة الإخوان الإرهابية، بينما تمنح الغطاء الشرعي لنشاط الميليشيات المسلحة في ليبيا.

اقرأ أيضاً: هجوم ريدينغ يكشف تغلغل التشدد في بريطانيا

اعترفت الحكومة البريطانية في مناسبات عدة؛ أبرزها الحادث الإرهابي الذي تورط فيه سلمان العبيدي، بارتباطها بعناصر على صلة بالجماعات الجهادية، وأنها سمحت لهم بالعودة إلى المملكة المتحدة بعد المشاركة في القتال المسلح بليبيا، وهو ما عرف بسياسة "الباب المفتوح" لدى أجهزة الأمن البريطانية، فيما يخص تعاطيها مع جماعات الإسلام السياسي.

اقرأ أيضاً: "الطعنة الأخيرة" لبريطانيا من متشددي ليبيا... هل تعيد لندن حساباتها بدعم "الوفاق"؟

وتشير صحيفة "الاندبندنت" البريطانية، إلى أنّ رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، الذي تصادف فترة رئاسته للحكومة مع اندلاع الأحداث في ليبيا، قد تورط في تقديم الدعم إلى التنظيمات المسلحة التي ساهمت في إسقاط القذافي، ومن بينها تنظيمات جهادية وإسلامية متشددة، حيث تم السماح للعديد من المهاجرين الليبيين ببريطانيا للسفر والمشاركة في الحرب الأهلية بليبيا.

ما مصالح لندن مع الإسلام السياسي؟

وهناك أعضاء في الجمعية الإسلامية الليبية للقتال، المرتبطة بتنظيم القاعدة، كانوا على صلة بمسؤولين في الحكومة البريطانية، للتنسيق بخصوص سفر بعض العناصر المتطرفة للقتال في ليبيا، بحسب ما يشير أليستر جيمس، العضو البرلماني المنتمي لحزب المحافظين؛ إذ كشف عن وجود اتصال بين الحكومة البريطانية، من جهة، وعناصر إرهابية تقيم في لندن، من جهة أخرى، وذلك منذ حصلت على حق اللجوء السياسي، في تسعينات القرن الماضي، ويرجح ارتباطها السابق بتنظيم القاعدة.

اتهم الجيش الوطني الليبي، في 2019، المملكة المتحدة بتقديمها الدعم إلى الميلشيات المسلحة، فضلاً عن الاستعانة بقوى الإسلام السياسي

وكان أبو أنس الليبي الذي اعتقلته القوات الأميركية الخاصة، في عملية تم الإعلان عنها، في تشرين الأول (أكتوبر) العام 2013، في العاصمة الليبية طرابلس، أحد أبرز قيادات تنظيم القاعدة، ممن تواجدوا في فترة مبكرة بالتسعينات في لندن، ضمن آخرين وصلوا في الفترة ذاتها، كما أنه تورط في قضايا عنف وإرهاب عديدة، من بينها، تفجير سفارتي الولايات المتحدة، شرق أفريقيا، في العام 1998، حيث ظل على قائمة المطلوبين ضمن لائحة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي.

تعكس قاعدة بيانات الإرهاب العالمية حجم المخاطر التي فرضتها السياسة البريطانية تجاه الجماعات الإسلامية الراديكالية، وتكاليفها الباهظة فيما يخص أوضاعها الأمنية والاجتماعية والسياسية، وذلك في ظل مستوى العمليات الإرهابية التي جرى تنفيذها، في فترات متفاوتة، حيث تعرض نحو 126 شخصاً للقتل في حوادث إرهابية، بين عامي 2000 و 2017، في المملكة المتحدة، كما تعرضت لندن، في العام الأخير، وفي غضون ثلاثة أشهر، لنحو أربع هجمات إرهابية.

ومن جانبه، اتهم الجيش الوطني الليبي، في العام 2019، المملكة المتحدة بتقديمها الدعم إلى الميلشيات المسلحة، فضلاً عن الاستعانة بقوى الإسلام السياسي، رغم انقلاب الإخوان والأطراف الداعمة لهم على نتائج الانتخابات، في العام 2014، والانخراط في حرب "فجر ليبيا"، بيد أنّ ثمة من يرى وجود أهداف غير معلنة لبريطانيا، والتي تستعين بالجماعات الراديكالية الإسلامية، بغرض توظفها لحساب مصالحها في شمال أفريقيا لمواجهة نفوذ الاتحاد الأوروبي بعد خروجها منه.


الصفحة الرئيسية