القمة الأمريكية الروسية: على ترامب أن يختار بين دور السياسي أو المهرج

صورة سعود الشرفات
باحث أردني متخصص في قضايا العولمة والإرهاب
13666
عدد القراءات

2018-07-04

أعلن البيت الأبيض عقد أول قمة رسمية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، في 16 الجاري، في العاصمة الفنلندية هلسنكي، التي سبق أن احتضنت كثيراً من اللقاءات في فترة الحرب الباردة، لتدشّن أول "قمة رسمية" تجمع الزعيمين "وجهاً لوجه"، بحسب الإعلان الرسمي للبيت الأبيض.

مكاسب ترامب

يبدو أنّ أجواء القمة ليست مريحة بالنسبة إلى ترامب؛ لذلك هو يسعى وراء ودّ بوتين، ومن هنا فإنّ ترامب المستفيد الأول من القمة؛ لأنه الأكثر حاجة إليها في ظلّ كثير من المصاعب والمعوقات التي ما تزال تواجهه، خاصة على الصعيد الداخلي، وتأرجح نسب تأييد سياسته في الداخل الأمريكي؛ لذلك فإنّ الأضواء الإعلامية ستكون مسلطةً على ترامب أكثر من بوتين، وهو أمر يعشقه ترامب سيكولوجياً، باعتباره شخصية نرجسية تحبّ الأضواء والشهرة والتقاط الصور، وتكره النقد والإهمال.

يبدو بوتين أكثر استرخاء وهو يجهز نفسه للخروج من المشهد السياسي في روسيا بعد أربع فترات رئاسية متتالية

في المقابل؛ يبدو بوتين أكثر استرخاء وهدوءاً، وهو يجهز نفسه للخروج من المشهد السياسي في روسيا، بعد أربع فترات رئاسية متتالية، ربما، بعد 2024. خاصة بعد أن حقق عديد الانتصارات المعنوية والحقيقية، وأصبح لاعباً دولياً رئيساً، سيما في الشرق الأوسط، في الملفين السوري والإيراني.

وتأتي هذه القمة وسط أجواء سياسية داخلية متوترة ومشحونة ضد ترامب، من أهم ملامحها الآتي:

- اتهام ترامب بالتنسيق والاتصال بالكرملين خلال حملته الانتخابية، التي ما تزال تخضع لتحقيقات عنيدة ومستمرة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالية.

-  الانقسام الحاد في المجتمع الأمريكي حول سياسة ترامب في النصف الأول من رئاسته؛ حيث تشير الاستطلاعات الأمريكية إلى أنّ شعبية (نسبة الذين يؤيدون سياسته) الرئيس منذ بداية فترة رئاسته حتى الآن، تتراوح بين 40% إلى 48%، وبحسب "استطلاع مونكي الأسبوعي" الأمريكي، الذي جرى بين 21-27 حزيران (يونيو) الماضي، بلغت شعبية الرئيس 44%.

اقرأ أيضاً: قمة ترامب - بوتين.. حوار بدل المواجهة

- التنافس الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين في الانتخابات النصفية المقبلة، التي ستجري في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، والتي يمكن أن تغير شكل أمريكا خلال الفترة المقبلة؛ لأنها تطال كثيراً من المواقع والمناصب (435 نائباً، و100 من الشيوخ، و30من حكام الولايات، وغيرهم من الموظفين).

- هجوم ترامب العنيف على الديمقراطيين، واتهامهم بعرقلة سياسته الداخلية، خاصة في ملف الهجرة، ودعوته للناخبين للخروج بقوة في الانتخابات النصفية لطرد الديمقراطيين من مكاتبهم.

مؤشرات اقتصادية:الاقتصاد الأمريكي في فترة ترامب ينطلق محلقاً كالطائرة النفاثة

الاقتصاد الطائرة النفاثة لسياسة ترامب

يلاحظ أنّ ترامب يتعرض لنقد عنيف، لا بل لهجوم واسع في وسائل الإعلام الأمريكية، وصناعة السينما والترفيه، في هوليود مثلاً (قام الممثل الأمريكي الشهير روبرت دي نيرو بشتمه بألفاظ مشينة خلال أحد مهرجانات توزيع الجوائز الفنية)؛ حيث يوصف ترامب بالنرجسية وحب الذات والظهور والاستعراض والتهريج، باعتباره رجل استعراضات تاريخياً، إضافة إلى وصفه بالجهل في أمر السياسة والدبلوماسية والتاريخ، وهي بالمناسبة اتهامات سبق أن تعرض لها جورج بوش الابن.

اقرأ أيضاً: قمة ترامب – كيم.. هل هي نهاية متأخرة للحرب الباردة؟

ومؤخراً، اتهمته وسائل الإعلام الأمريكية، التي أصبح معظمها يناصبه العداء، بالتحريض على الصحافة الحرة والصحفيين، خاصة بعد قيام شخص (لا تفاصيل عنه) بإطلاق النار، وقتل 5 صحفيين وجرح 2، الخميس 28 حزيران (يونيو) 2018، من صحيفة (كابتيل غازيت)، التي تعدّ من أقدم الصحف في أمريكا؛ حيث يعود إنشاؤها إلى العام 1727، في مدينة أنابوليس – ولاية ميرلاند.

لكن، في المقابل؛ فإنّ الجانب الإيجابي في صورة ترامب، أنّ الاقتصاد الأمريكي الآن في قمة قوته؛ فالمؤشرات الاقتصادية تشير إلى أنّ الاقتصاد الأمريكي في فترة ترامب ينطلق محلقاً كالطائرة النفاثة، اعتماداً على مؤشرات نسبة البطالة 3,8%، التي انخفضت بشكل لم يسبق له مثيل منذ قرابة عقدين من الزمن، خلال فترة فقاعة (الدوت-كوم) والاستثمار في التكنولوجيا، وثقة المستهلكين عالية، ونسبة مرتفعة في الأجور، بحسب إحصائيات مديرية العمل الأمريكية، لشهر حزيران (يونيو) 2018 الماضي، إضافة إلى ارتفاع مؤشرات الأسهم، ناسداك وداوجونز.

قمة سياسية أم استعراضية؟

يعتقد بعض المحللين الأمريكيين، أنّ ترامب "جاهل وساذج" دبلوماسياً؛ والمهم بالنسبة إليه هو عقد القمة، وليس معنياً بالنتائج، وأنّ المهم لديه المصافحة والتقاط الصور وكسب الشعبية وحجم التغطية الإعلامية، مثلما فعل خلال اجتماعه بالرئيس الكوري الشمالي في سنغافورة مؤخراً.

إنّ من أهم أهداف ترامب من عقد القمة، الابتعاد بإدارته قدر الإمكان عن دائرة الشكوك المزعجة في ضلوع الكرملين في الانتخابات الأمريكية؛ لذلك غردّ مثلاً عن أنّ الروس استمروا بتأكيد عدم ضلوعهم في الانتخابات الأمريكية، ورغم ذلك استمر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي بنفي تصريحات الروس، وهذا أمر يثير غضب وانزعاج ترامب؛ لذلك يبدو أنه يريد التخلص منه بأية طريقة.

ويبدو ترامب متحمساً لتوثيق العلاقة ببوتين، رغم عدم رضا الحلفاء في "حلف الناتو" الذين استمر ترامب بمهاجمتهم ونقدهم، واتهام "حلف الناتو" بأنه يسعى "لسرقة أمريكا"، كما أنه مُكلف لأمريكا ويؤثر سلباً عليها، كما هي اتفاقية "النافتا" (اتفاقية التجارة الحرة بين أمريكا وكندا والمكسيك).

ستيفن ولت: قمة ترامب مع بوتين ممكن أن تتحول دبلوماسياً إلى ما يوازي اصطدام 29 سيارة معاً

ومن المهم الإشارة هنا، إلى أنّ قمة "حلف الناتو" ستعقد في مقرّ الحلف في بروكسل، خلال 11و12 تموز (يوليو) الجاري؛ أي قبل موعد قمة هلسنكي بأسبوع، وهذا يعني أنّ ترامب يستطيع أن يتصرف كرجل سياسة، ويستفيد من توحيد الصف في الحلف المعارض لروسيا بشدة في الحلف، الذي يمثل 29 دولة، وحوالي بليون شخص في العالم، ويذهب لمقابلة بوتين (رجلا- لرجل) وهو مزوّد بموقف موحد وقوي بدعم من الحلفاء في الناتو في مختلف الملفات ذات الاهتمام المشترك: (نزع الأسلحة، تعزيز العلاقات عبر الأطلسي، والعدالة في تحمل الأعباء،  والملف النووي  الإيراني، السوري، والحرب على الإرهاب، والأمن السيبراني والمعلومات، ...إلخ)، بدلاً من استمرار مهاجمة الحلف وإضعافه، خاصة وسط مخاوف كبيرة من قيام ترامب بالمطالبة بوقف التدريبات العسكرية للحلف مع دول أوروبا الشرقية، كما فعل بعد اجتماع القمة بالزعيم الكوري كيم جونغ أون في سنغافورة، حزيران (يونيو) 2018م، حينما أعلن وقف التدريبات العسكرية الأمريكية مع اليابان وكوريا الجنوبية، وعدم التوقيع على البيان الختامي للقمة، كما سبق أن فعل بعد اجتماع قمة الدول السبع في كندا، في حزيران (يونيو) الماضي.

اقرأ أيضاً: قمة ترامب وكيم: كوريا الشمالية تنزع أسلحتها النووية.. فماذا عن إيران؟

وكما قال ستيفن ولت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد، في مقالة نشرت له في 2 تموز (يوليو) 2018، في مجلة "الفورين بوليسي" الشهيرة: إن "قمة ترامب مع بوتين ممكن أن تتحول دبلوماسياً إلى ما يوازي اصطدام 29 سيارة معاً"، ربما في إشارة إلى عدد دول حلف الناتو (29)، وهنا، كما يضيف ولت، "هناك أمل في أن يمارس ترامب دور رجل السياسة المحترف بدلاً من الاستمرار بلعب دور المهرج".

اقرأ المزيد...

الوسوم: