القرضاوي ينتقد سيد قطب: هل بدأت مناورات الإسلام السياسي الجديد؟

القرضاوي ينتقد سيد قطب: هل بدأت مناورات الإسلام السياسي الجديد؟

مشاهدة

05/01/2022

بعد أعوام طويلة، كان فيها يوسف القرضاوي المُلقّب بمفتي جماعة الإخوان، هو المدافع الأكبر عن أفكار مُنظّر العنف والتطرف، وأحد أعلام التنظيم سيد قطب، ظهر القرضاوي خلال الأشهر الماضية مهاجماً للفكر نفسه، واعتبره مخالفاً لمنهج أهل السنّة والجماعة، وبعيداً كلّ البعد عن صحيح الإسلام.

اقرأ أيضاً: "في ظلال القرآن" لسيد قطب: هل اختبأ التكفير خلف سحر البيان؟

والتحوّل أو التناقض في فكر القرضاوي تجاه المفاهيم الخاصة بسيد قطب ليس أمراً جديداً، فقد سبق أن تبنّى مهمة نقد الأفكار القطبية، التي كانت محلاً للجدل؛ بسبب كونها مرجعاً شرعياً لعنف وإرهاب الجماعة، واستمرت هذه المراجعات النقدية لمدة عقود، وترجمها القرضاوي في عدة كتابات، منها كتابه الشهير "الإخوان المسلمون في ميزان الحق"، لكنّ المراقبين اعتبروا موقف القرضاوي لا يخرج عن إطار "التقية" والنقد الذاتي لمعالجة أفكار قطب وتقديمها في قوالب جديدة.

مخالف للإسلام

أثار فيديو جديد عرضه العالم الأزهري، مستشار الرئيس المصري للشؤون الدينية، أسامة الأزهري خلال استضافته ببرنامج "الحق المبين" للقرضاوي حالة من الجدل، خاصة أنّ الداعية الإخواني ظهر في المقطع منتقداً لفكر قطب ومهاجماً له.

وقال القرضاوي: "إنه يخالف سيد قطب في أفكاره ومفاهيمه، التي تخالف نهج أهل السنّة والجماعة"، مضيفاً: "فيما انتهى إليه في مسيرته الفكرية من مفاهيم وأفكار أنّها ليست على نهج أهل السنّة والجماعة الذي ارتضته الأمّة وجمهور الأمّة المسلمة".

سبق للقرضاوي نقد الأفكار القطبية التي كانت محلاً للجدل؛ بسبب كونها مرجعاً شرعياً لعنف وإرهاب الجماعة

وفي تعليقه على الفيديو قال الأزهري: إنّ "الدكتور يوسف القرضاوي لم يعد يتجمل من أجل جماعة الإخوان، وينتقد أفكار سيد قطب".

وأضاف الأزهري: "القرضاوي في كتابه (القرية والكتاب... ملامح سيرة ومسيرة) اعترف بذلك، وكِبَر سنّ الدكتور القرضاوي أدى به إلى أنّه لم يعد يتجمّل، ولم يعد حتى يراعي الصياغة التي تقبل، ويبدو أنّ هناك صراعاً بين الأزهري الكامن بداخله والتنظيم الكامن بداخله"، وتابع التعليق قائلاً: "تكوّن هذا الفكر الثوري الرافض لكلّ من حوله وما حوله، والذي ينضح بتكفير المجتمع وتكفير الناس عامّة، وأقول: إنّ مشروع حسن البنا بذر فكرة التكفير التي تحوّلت إلى نظرية متكاملة على يد سيد قطب".

 الوجه الحقيقي للإرهاب

في العام 2011 عقب الثورات في المنطقة العربية ووصول الإخوان إلى الحكم في عدة دول، خرج القرضاوي كاشفاً عن وجهه الحقيقي، مدافعاً شرساً عن الفكر القطبي المتطرّف، فيما وصفه خبراء ومراقبون بأنّه انكشاف للوجه الحقيقي بالتزامن مع تحقق المشروع الإخواني الكبير، وربط البعض بين تحوّل موقف القرضاوي وخروج الأذرع المسلحة للإخوان إلى العلن بعد أن كانت سرّية، وذلك بالتزامن مع أحداث متسارعة خلال الأعوام التالية شهدت سقوط الإخوان وخروجهم من المشهد السياسي.

ومع عودة القرضاوي لمحاولة التبرّؤ من سيد قطب، وبث عدد من الفيديوهات التي يعبّر فيها عن اختلافه التام مع أفكاره ومعتقداته، خاصّة ما يتعلق بفكرة العنف، وأنّه بعيد تماماً عن نهج أهل السنّة والجماعة، ربط المراقبون بين التحوّل الجديد والاستراتيجية التي تروّج لها الإخوان كخطة عمل بديلة تستهدف التبرّؤ من كافة الأفكار القديمة، وخاصّة المتعلقة بنهج قطب التكفيري، والتي تبنّاها ويرعاها مجموعة لندن بقيادة إبراهيم منير، في إطار استراتيجية الإخوان للعودة إلى المشهد السياسي في الدول العربية.

دور ضمن استراتيجية إخوانية

وبحسب مصادر مطلعة، فإنّ تحرّك القرضاوي وتصريحاته في الوقت الراهن لا تعدو كونها دوراً ضمن الاستراتيجة الإخوانية التي تستهدف التبرّؤ من كافة الأفكار التي تُشرّع العنف، في حيلة لمخادعة الشعوب وغسل سمعة الجماعة المرتبطة بالإرهاب والمتورطة بعدد كبير من العمليات الإرهابية، سواء داخل مصر أو خارجها، على مدار الأعوام الماضية، وتحديداً منذ حزيران (يونيو) 2013، بحسب ما نشره موقع "سكاي نيوز".

مراقبون اعتبروا موقف القرضاوي ضمن إطار "التقية" والنقد الذاتي لمعالجة أفكار قطب وتقديمها في قوالب جديدة

وكانت "سكاي نيوز" قد نشرت معلومات كاملة عن الخطة الإخوانية للتبرّؤ من قطب بالاعتماد على رموز التنظيم من المفكرين والكتّاب، في محاولة جديدة لتحسين صورة الجماعة وإعادتها إلى المجتمع العربي، فيما يمكن تسميته بـ"الإيديولوجيا البديلة".

 مشروع الإسلام السياسي الجديد

من جانبه، يرى الباحث المصري المتخصّص بالإسلام السياسي والإرهاب أحمد سلطان أنّ "الانتقادات الراهنة من جانب بعض قيادات الإخوان لفكر سيد قطب يمكن فهمها في سياق مشروع "الإسلام السياسي الجديد"، الذي تروّج له الجماعة برعاية إبراهيم منير، لإعادة طرح الخطاب الإيديولوجي للجماعة، وهو موجّه بالتحديد للنظم الغربية الأوروبية والولايات المتحدة، للتأكيد على أنّ الجماعة لا تتبنّى أفكاراً انفصالية".

ويوضح سلطان، في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ "انتقادات الفكر القطبي تاريخية ومتجذرة داخل جماعة الإخوان، وكانت بدايتها في الستينيات، وقت الإعلان عنها ونشرها من جانب قطب قبل أن يتم إعدامه، وكانت تلقى رفضاً من بعض القطاعات داخل الإخوان، وأعلن بعض القيادات وقتها أنّ بها مغالاة في نهج التطرّف".

اقرأ أيضاً: نظرات في حقيقة الاستعلاء الإيماني عند سيد قطب

ويقول الباحث المصري: إنّ "الجماعة استفادت في هذه الفترة من الأفكار القطبية لمواجهة النظام الناصري في مصر، ولكن بعد سجن قيادات الجماعة في العام 1965 في قضية التنظيم الإرهابي الشهيرة، بدأت الخلافات حول المنهج القطبي تظهر للعلن، بين مجموعة القطبيين أبرزهم محمد قطب وعبد المجيد الشاذلي وأحمد عبد المجيد، وبين مجموعة من القيادات في الجماعة".

   أسامة الأزهري: كِبَر سنّ الدكتور القرضاوي أدى به إلى أنّه لم يعد يتجمل

ويشير سلطان إلى أنّ الخلاف حول فكر سيد قطب ظلّ قائماً على مدار الأعوام الماضية، وظلّت هناك تيارات معارضة له بشدة داخل التنظيم، لكن لم يكن مسموحاً لها الحديثُ علناً حول هذا الموضوع، خاصّة أنّ أزمة السقوط الذي تعرّضت له الجماعة بعد 2013 كانت بحاجة لتعزيز الأفكار الخاصة بالعنف، أو "الثورية"، كما وصفه قيادات الإخوان أنفسهم، وكانت أفكار سيد قطب تمثل مرجعاً مثالياً لتحركات الإخوان في هذه الفترة مع ظهور الأذرع المسلحة.

ويؤكد سلطان أنّ "الجماعة لم تنجح في مسألة توظيف العنف، وخسرت شعبيتها تماماً، وفقدت أيّ مكان لها في الشارع السياسي؛ لذلك اضطرّت للتوقّف عن استخدام تلك الأدوات، وبدأت تظهر الانتقادات لما كتبه قطب"، مؤكداً أنّها كلّها "خلافات ظاهرية، وما يزال قطب يمثل مرجعية مهمّة لجميع عناصر الإخوان، بما فيهم طرفا الصراع؛ مجموعة محمود حسين، وإبراهيم منير".

 أحمد سلطان: انتقادات قيادات إخوانية لفكر سيد قطب يمكن فهمها في سياق مشروع "الإسلام السياسي الجديد"

ويختم سلطان حديثه بالتأكيد على تلاشي أفكار ومناهج لقيادات تاريخية داخل الإخوان لصالح منهج سيد قطب المصبوغ بالتكفير والتطرّف، وفي الوقت ذاته يشير إلى انشغال القيادات الإخوانية بالصراع الراهن.

الصفحة الرئيسية