الغنوشي يلعب بآخر أوراقه.. فهل احترقت مراكب النهضة؟

الغنوشي يلعب بآخر أوراقه.. فهل احترقت مراكب النهضة؟


21/11/2021

بينما تمضي الأيام بعد القرارات الدستوريّة الاستثنائيّة للرئيس التونسي، قيس سعيّد، في الخامس والعشرين من تموز (يوليو) الماضي، تتفاقم الأزمة داخل حركة النهضة (فرع جماعة الإخوان في تونس)، وتتحكم في زعيمها التاريخي، راشد الغنوشي، الذي يواجه رؤى واتجاهات متعددة، تنحصر معظمها في ضرورة أن يغادر مقعد السلطة، وأن يعترف بأخطائه التي عمد إلى ممارستها، والمتمثلة في محاولاته لفرض فلسفة "التمكين" وتحقيق مصالح تنظيم الإخوان، الفئوية والمحدودة، وذلك على حساب أيّ مشروع وطني، خلال العقد الماضي.

اقرأ أيضاً: الغنوشي والخطاب "الإخواني" المخاتل

وبحسب مراقبين، فإنّ حركة النهضة التي انخرطت في العمل السياسي، وشاركت بالحكم، على مدار السنوات الأخيرة، لم يعد بمقدورها مواجهة الشعب التونسي بنفس الصيغة القديمة والتقليدية، والأمر ذاته ينطبق على الأشخاص الذين ارتبطوا بالحركة، واصطدمت ممارساتهم السياسية الانتهازية والبراغماتية بالمواطن، الذي بات ينوء تحت أعباء غير مسبوقة، اجتماعيّة ومعيشيّة وصحيّة، وتحديداً بعدما بلغت حالات العدوى والوفاة جراء تفشي فيروس كورونا المستجد درجاتها القصوى، فضلاً عن كون الرئيس التونسي، والتيارات السياسيّة الوازنة في الداخل التونسي، قد صرحت غير مرة بأنّه لا مجال نحو العودة إلى ما قبل قرارات 25 تموز (يوليو).

سيناريوهات "النهضة" ما بعد الغنوشي

الغنوشي الذي أعلن، منذ أيام قليلة، عن استعداده لتقديم استقالته من رئاسة مجلس النواب، في حال كان ذلك هو حل الأزمة السياسيّة، يدرك تماماً أنّ حيز نشاطه على المستوى الحركي داخل التنظيم، أو في الفضاء السياسي التونسي قد تلاشى، وبالتالي، ينبغي النظر إلى مثل تلك التصريحات باعتبارها رصيداً يسعى الغنوشي لاستخدامه لاحقاً، لا سيما مع المؤتمر العام القادم لحركته، والذي ينبغي أن يختار فيه المجتمعون الرئيس القادم، مع العلم أنّ اللائحة الرئيسيّة للحركة، تمنع الغنوشي من الترشح مرة جديدة.

واللافت أنّه بعدما التقى الغنوشي مجموعة من شباب الحركة؛ للإشادة بــ"بدفاعهم عن الديمقراطية والشرعية، وجهودهم الدؤوبة من أجل استعادة الوضع الديمقراطي في تونس"، بحسب تعبيره، تجمع أنصار الحركة، وكذا حزب "قلب تونس"، خارج أسوار البرلمان، في ساحة باردو، ورددوا شعارات وهتافات معادية للرئيس قيس سعيّد، كما حاولوا اقتحام مقر البرلمان، وعليه؛ اتهم الرئيس التونسي جهات لم يسمّها بمحاولة زرع الفتنة، مؤكداً على أنّ بلاده ستتصدى لكل محاولات ضربها من الداخل، قائلاً:  "ريح عاتية ستهب على من يحاولون ضرب الدولة ووحدتها"، وشدّد، خلال اتصال هاتفي مع الأمين العام لاتحاد الشغل، نور الدين الطبوبي، على ضرورة مواصلة "مسار 25 تموز (يوليو)؛ ليكون فعلاً فرصة تاريخية؛ للقطع مع عشريّة غلب عليها الفشل".

حركة النهضة التي انخرطت في العمل السياسي، وشاركت بالحكم، على مدار السنوات الأخيرة، لم يعد بمقدورها مواجهة الشعب التونسي بنفس الصيغة

وفي حديثه لـ"حفريات"، يرى القيادي في حركة النهضة، محمد القوماني، أنّ مستقبل راشد الغنوشي في قيادة حركة النهضة أضحى قاب قوسين أو أدنى، وتابع: "من المرجح أنّ الغنوشي سيغادر قيادة الحركة في المؤتمر القادم، كما أنّ القانون المنظم للحركة يحول بينه وبين الترشح لدورتين متتاليتين، فضلاً عن تأكيد الغنوشي أنّه سيلتزم بالقانون، ولذلك سيغادر رئاسة الحركة في إطار القانون"، بيد أنّ القوماني لفت إلى أنّ ذلك لا يمنع الغنوشي من مواصلة نشاطه الفكري والتنظيمي؛ باعتباره من القيادات التاريخية للتنظيم.

القوماني، الذي استقال مؤخراً من رئاسة لجنة إدارة الأزمة السياسيّة بحركة النهضة، أكّد أنّ خروج الغنوشي من قيادة الحركة هو في "مصلحة كافة الأطراف في تونس، وبالتالي، فإنّه من الضروري الالتزام بالقانون الأساسي للحركة، وألا يفكر في أمر الترشح، مجدداً، خلال المؤتمر القادم، وأن يصبح أيّ نشاط قادم له، من خارج الأطر القيادية لرئاسة الحركة".

اقرأ أيضاً: الباحثة التونسية بدرة قعلول لـ"حفريات": الغنوشي رجل مخابرات صنعته بريطانيا

وبسؤال القيادي بحركة النهضة عن محاولات تموضع الحركة في شكل جديد، يتماهى مع التطورات السياسيّة في تونس، أكد أنّ "حركة النهضة تحتاج يقيناً إلى تأسيس جديد ومغاير، لا سيما بعد تجربتها في السلطة، وكذا ما واجهته من أزمات متعاقبة في تجربة الحكم، وهي في الحقيقة لم تتأهل بالقدر الكافي لمثل هذه الاعمال والخبرات"، وأردف: "الحركة في نسختها التي عرفها الشعب التونسي، لم تعد صالحة، وهي تحتاج إلى فكر جديد، وأجيال جديدة".

أزمة داخلية وتنظيمية

أعلنت حركة النهضة، مؤخراً، عبر صفحتها الرسميّة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، عن قيام الغنوشي باجتماعين منفصلين؛ بدأ الأول مع الكتاب العاملين وأعضاء المكاتب المحلية للحركة بتونس الكبرى، وقد تم تخصيص اللقاء للاطلاع على مجريات الأوضاع داخل البلاد، وأعقب ذلك اللقاء اجتماع آخر مع عدد من شباب الحركة من مختلف الولايات.

حركة النهضة التي تواجه فشلها وإخفاقاتها السياسية، فضلاً عن نبذ الشارع التونسي لها، تدرك جيداً عمق أزمتها المركبة من الناحية التنظيمية الداخليّة، وكذا على المستوى الوطني والمجتمعي، وتحديداً حواضنها المباشرة؛ إذ تعي تماماً أنّ التناقضات بين أطراف وأجنحة الحركة وصلت حد الانفجار، ولذلك ترجح آراء الجهة المقابلة للغنوشي حتمية التماهي مع الأوضاع الجديدة في البلاد، وأن يخرج من الحركة إطار تنظيمي مختلف وجديد، يضع مسافة مع الأفكار والأهداف، التي تقوم على مرتكزات الحركة الإسلاميّة، التي تتبنى قيم "البيعة" و"الولاء والطاعة التامة".

محمد القوماني: خروج الغنوشي من قيادة الحركة هو في مصلحة كافة الأطراف في تونس، وبالتالي، فإنّه من الضروري الالتزام بالقانون الأساسي للحركة

ولذلك؛ يرى الأكاديمي التونسي الدكتور عبيد خليقي، أنّ هناك سيناريوهات عديدة تنتظر الغنوشي، في الفترة المقبلة، خاصّة مع اجتماعاته المنتظمة مع كيانات مختلفة داخل الحركة، ولقاءاته المتكررة مع عناصر مؤثرة داخل هياكلها القيادية مرة، وكذا شباب الحركة مرة أخرى، ما يشي بوجود صياغة لخطاب جديد للتعبئة والشحن؛ في معركة البقاء والعودة.

اقرأ أيضاً: استطلاع جديد: تراجع ثقة التونسيين في سعيد وانعدامها في الغنوشي

ويشير خليقي إلى أنّ المرشد سيلجأ إلى التخلي عن منصبة في قيادة الحركة؛ إذ إنّ أيّ محاولة متشددة لاستكمال المواجهة، ستكون لها خسائر جمّة، ويتابع لـ"حفريات: "إنّ ما أصاب راشد الغنوشي الجاثم على قيادة حركة النهضة من مرض الزعامة، هو نتيجة بقائه في مقعد السلطة، منذ أربعين سنة، يجعله لا يستطيع أن يفصل بين صفتي المرشد العقائدي التنظيمي، ورئيس حزب سياسي في دولة مدنية، ومن ثم، مضى الغنوشي بعد العام 2011، في اتجاه مشروع التمكين، ثم تخليد ذاته، بعدما بلغت طموحاته في تزعم المشهد السياسي درجاتها النهائية والقصوى، كما كان يسعى للثأر والانتقام من الماضي، الذي تعرض فيه للسجن والمنفى".

ويشدد الأكاديمي التونسي، على أنّ الغنوشي يرى تماثلاً تاماً بين الحركة وشخصه؛ حيث يعتقد بأنّ "مصلحة الحركة سياسياً أمر يرتبط بوجوده في القيادة والزعامة، وقد نجح الغنوشي في ممارسة تكتيك سياسي؛ يجعل حزبه متواجداً في الحكم، بصورة منفردة، من خلال تفتيت الأحزاب السياسية المعارضة والحليفة، غير أنّ  لحظة دخوله البرلمان، وترؤس السلطة التشريعية، جعلته بؤرة للتوتر والرفض الشعبي، الأمر الذي هيأ الأجواء لرئيس الجمهورية، كي يتحرك ضده ويخرجه من المشهد السياسي".

عبيد خليقي: ما أصاب راشد الغنوشي الجاثم على قيادة حركة النهضة من مرض الزعامة، هو نتيجة بقائه في مقعد السلطة

ويختتم: "زعيم حركة النهضة يدرك أنّه خرج من الباب الصغير؛ نتيجة قراءته الخاطئة لوزن الرئيس التونسي، فكانت القطيعة التي يصعب تجاوزها، حالياً، وبالتالي، يحاول أن يستجمع كل القوى التي تعارض سياسة الرئيس سعيّد، ويستثمر تباطؤ الأخير في رسم خريطة المستقبل، ولكنه يفشل، المرة تلو الأخرى، في المحافظة على وحدة الحركة وانسجامها، خاصة في ظل هروب العديد من القيادات الوازنة، وكذا القواعد الفاعلة والمؤثرة، مع الوضع في الاعتبار أنّ الغنوشي ذاته فقد الكثير من وزنه السياسي وتأثيره، ويعد بقاؤه في التنظيم لجهة امتلاكه أو بالأحرى تحكمه في مصادر التمويل، وبالتالي، نحن إزاء تنظيم جديد في المستقبل يبتلع القديم بميراثه".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية