
لم يكن تراجع جماعة الإخوان المسلمين في مراكز ثقلها التقليدية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نهاية لحضورها الإقليمي، بقدر ما مثّل إعادة تموضع استراتيجية. فبعد أكثر من عقد على صدمة ما بعد 2013 في مصر، وتوالي الضربات الأمنية والسياسية في عدد من الدول العربية والأوروبية، بدأت الجماعة تدريجياً في نقل بؤرة نشاطها خارج المجال العربي المباشر، مستفيدة من هشاشة بعض الدول، واتساع المساحات الرمادية بين العمل الديني والاجتماعي والسياسي في القارة الأفريقية.
في عام 2025 أشارت تقارير بحثية وتحليلات مراكز دراسات أمنية وأكاديمية إلى أنّ أفريقيا لم تعد مجرد ساحة هامشية في تفكير الجماعة، بل تحولت إلى مجال حيوي لإعادة إنتاج النفوذ، عبر أدوات أقلّ صدامية وأكثر مرونة: التعليم، والعمل الخيري، والشبكات الدعوية، وبناء النخب المحلية، بعيداً عن نموذج الحزب السياسي المباشر الذي أثبت فشله أو كلفته العالية في مناطق أخرى.
من التنظيم السياسي إلى الشبكة الاجتماعية
أحد أهم التحولات التي رصدتها دراسات حديثة هو تخلي الإخوان، مرحلياً على الأقل، عن الشكل التنظيمي الصلب في أفريقيا. فبدلاً من إنشاء فروع رسمية تحمل اسم الجماعة أو واجهات حزبية واضحة، جرى الاعتماد على شبكات لا مركزية من الجمعيات، والمراكز التعليمية، والمنظمات الدينية التي تتبنّى خطاباً إصلاحياً عامّاً، يتقاطع فكرياً مع أدبيات الإخوان دون إعلان انتماء تنظيمي صريح.
هذا النموذج، الذي وُصف في بعض الدراسات بأنّه "إخوان بلا لافتة"، يسمح للجماعة بتفادي الصدام المباشر مع السلطات، ويمنحها في الوقت نفسه قدرة عالية على التغلغل الاجتماعي طويل الأمد. ففي دول مثل السودان، وكينيا، ونيجيريا، وإثيوبيا، وأجزاء من الساحل الأفريقي، تتقاطع هذه الشبكات مع قضايا التعليم الديني، ومحو الأميّة، والخدمات الصحية، وهي قطاعات تعاني تقليدياً من ضعف الدولة أو غيابها.
أفريقيا ساحة بديلة بعد الانسداد الإقليمي
يأتي هذا التوسع في سياق انسداد سياسي شبه كامل تواجهه الجماعة في عدد من الدول العربية، مقابل تضييق متزايد في أوروبا، خصوصاً بعد صدور تقارير حكومية في فرنسا ودول أخرى تربط بين جماعات الإسلام السياسي وشبكات التأثير المجتمعي العابر للحدود.
في المقابل، توفر أفريقيا بيئة مختلفة: دول ذات بنى مؤسسية أضعف، ومساحات واسعة للعمل الأهلي والدعوي، وحساسية أقلّ تجاه مفاهيم "الإسلام السياسي"، مقارنة بالسياق العربي، واحتياجات اجتماعية واقتصادية حقيقية يمكن استثمارها لبناء شرعية مجتمعية، وتشير تحليلات مراكز بحثية إلى أنّ الجماعة لا تسعى في هذه المرحلة للوصول إلى السلطة، بقدر ما تعمل على الحفاظ على الفكرة واستدامة الشبكة، انتظاراً لتحولات مستقبلية في الإقليم أو النظام الدولي.
التعليم والدعوة: الاستثمار طويل الأجل
اللافت في النشاط الإخواني في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة هو التركيز المكثف على التعليم، عبر مدارس دينية، ومعاهد شرعية، وبرامج تدريب أئمة ودعاة، ومنح دراسية خارجية.
هذا المسار ليس جديداً في أدبيات الجماعة، لكنّه يكتسب أهمية مضاعفة في السياق الأفريقي، حيث يشكّل التعليم أحد أهم أبواب التأثير في النخب المستقبلية.
في إثيوبيا على سبيل المثال تشير دراسات أكاديمية إلى وجود حركات إسلامية تأثرت فكرياً بأدبيات الإخوان، مع إعادة تكييفها محلياً بما يتناسب مع الواقع الإثيوبي، دون نقل النموذج التنظيمي بحذافيره. ويظهر هنا ما يمكن تسميته بـ "التأثير الفكري غير المباشر"، الذي لا يعتمد على البيعة أو الانتماء التنظيمي، بل على تشابه المرجعيات والرؤية العامة لدور الدين في المجتمع.
العمل الخيري كغطاء اجتماعي
إلى جانب التعليم، يشكّل العمل الخيري أحد أهم أدوات الحضور الإخواني غير المعلن في أفريقيا. فالجمعيات التي تعمل في مجالات الإغاثة، ودعم اللاجئين، والرعاية الصحية، غالباً ما تملأ فراغاً حقيقياً تتركه الدولة، وهو ما يمنحها قبولاً شعبياً يصعب الطعن فيه.
غير أنّ تقارير أمنية وبحثية تُحذّر من أنّ هذا النشاط، رغم أهميته الإنسانية الظاهرية، قد يتحول إلى رافعة نفوذ إيديولوجي، خصوصاً حين يقترن بخطاب تعبوي أو بانتقاء المستفيدين ضمن دوائر اجتماعية بعينها، أو حين يُستخدم لبناء شبكات ولاء محلية.
ردود فعل أفريقية متباينة
لا تتعامل الدول الأفريقية مع هذا النشاط بدرجة واحدة من الحذر. فبينما تراقب بعض الحكومات هذه التحركات دون صدام مباشر، بدأت دول أخرى في إعادة تقييم وجود جماعات الإسلام السياسي على أراضيها.
في هذا السياق برزت في 2025 نقاشات رسمية وإعلامية في دول مثل كينيا حول تصنيف جماعة الإخوان أو تقييد نشاط المنظمات المرتبطة بها فكرياً، في ظل مخاوف من تحوّل العمل الدعوي إلى مدخل للتسييس أو التطرف.
هذه التباينات تعكس غياب مقاربة أفريقية موحّدة تجاه الإسلام السياسي، وتترك لكل دولة هامشاً واسعاً للتعامل وفق حساباتها الأمنية والسياسية الخاصة.
بين البراغماتية والبقاء
ما تكشفه قراءة نشاط الإخوان في أفريقيا خلال 2025 هو أنّ الجماعة تمرّ بمرحلة بقاء تكتيكي أكثر منها مرحلة تمدد هجومي. فالأولوية لم تعد رفع الشعارات أو خوض الانتخابات، بل الحفاظ على البنية الشبكية، ونقل الفكرة عبر قنوات اجتماعية ناعمة، تقلّ فيها كلفة المواجهة وتزداد فرص الاستمرارية.
هذا التحول لا يعني تخلي الجماعة عن مشروعها الإيديولوجي، بل يعكس قدرتها التاريخية على التكيف مع السياقات المتغيرة، وهي سمة رافقتها منذ نشأتها.
خاتمة
عموماً، لا يمكن فهم حضور جماعة الإخوان في أفريقيا من خلال منطق "التمدد التنظيمي" التقليدي، بل عبر مقاربة أكثر تعقيداً ترى في القارة مساحة لإعادة إنتاج النفوذ بأدوات منخفضة الكلفة السياسية.
وبينما يظل هذا الحضور أقلّ صخباً من تجارب سابقة في العالم العربي، فإنّه يطرح أسئلة حقيقية حول مستقبل الإسلام السياسي في أفريقيا، وحدود التداخل بين الدعوي والاجتماعي والسياسي، وقدرة الدول الأفريقية على إدارة هذا الملف دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة أو فراغات جديدة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

