العلمانية ليست ضد الحجاب

العلمانية ليست ضد الحجاب

مشاهدة

13/04/2021

قد يثير هذا العنوان الدهشة والاستهجان في أنظار كثير من العلمانيين والإسلاميين على حد سواء، على اعتبار أنّ هذا الأمر محسوم تماماً، وأنّ العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة هي ضد الحجاب بما أنّها تتموضع على الجهة المقابلة للدين، الذي يقوم الحجاب على أساسه!

وهذا المقال يسعى لإثبات خطأ هذا التصور، وليست الغاية منه هي تجميل صورة العلمانية في نظر المسلمين أو الإسلاميين، بل الغاية هي فقط تصحيح الصورة، وإظهار الموقف الحقيقي للعلمانية من الحجاب.

المتدين نفسه يستطيع أن يكون علمانياً ومن الممكن نشوء علمانية إسلامية

 لبيان ذلك، يجب أولاً توضيح ما هي العلمانية، ذلك أنّ تعريفها بوصفها "فصلاً بين الدين الدولة" لا يوضح ماهيتها بدقة، ولا يفهم منه بالضبط سببب هذا الفصل، الذي قد يعتقد أنه يعود إلى أنّ العلمانية هي عقيدة لادينية تسعى لأن تحل محل العقيدة الدينية فتبعدها عن الدولة.

والأمر في حقيقته ليس كذلك!

فوفقاً للمفكر الفرنسي الكبير جان بوبيرو، الذي يعتبر الاختصاصي الأول في مسألة العلمانية، كما أنّه الرئيس الشرفي للكلية التطبيقية للدراسات العليا، إحدى أكبر الجامعات الفرنسية: "العلمانية لا تعني الإلحاد قطعاً، فهناك علمانيون مؤمنون كثيرون. ولكن تعني فصل السياسة عن الدين أو عدم استخدام الدين لأغراض سياسية أو حتى انتهازية، كما أنّها تعني حيادية الدولة تجاه الأديان والعقائد، بمعنى أنّ الدولة العلمانية تحمي جميع العقائد الدينية وتسمح للمواطنين بممارسة شعائرهم بكل حرية شريطة ألا يعتدي أحد على أحد، أو ألا يفرض أحد دينه على أحد بالقوة".

اقرأ أيضاً: حجاب المرأة بين سلطة التدين ووصاية العلمانية

ويتابع: "فالدولة العلمانية الحديثة على عكس الدولة الثيوقراطية القديمة لا تمنع كل الأديان والمذاهب لصالح فرض دين واحد أو مذهب واحد على الجميع؛ وإنما هي تعترف بكل الأديان والمذاهب وتحترمها وتعاملها على قدم المساواة. ولكنها تفصل بين المجال العبادي الديني، والمجال الدنيوي السياسي؛ أي تفصل بين العبادات والمعاملات بحسب المصطلح الإسلامي الكلاسيكي. وعلى هذا النحو يستتب السلام الاجتماعي في الدولة وتخفّ العصبيات الطائفية والمذهبية حتى تزول تماماً. والسبب هو أنّ الدولة العلمانية تعامل جميع مواطنيها على قدم المساواة أياً ما تكن أصولهم الدينية أو المذهبية، فالدين لله والوطن للجميع، ولهذا السبب لا توجد توترات طائفية أو حروب مذهبية في الدول العلمانية المتقدمة كفرنسا، أو ألمانيا، أو إنجلترا، أو هولندا، إلخ"[[1]].

تقف العلمانية على مسافة متساوية من كل من المحجبة وغير المحجبة وتحترمهما كلتيهما بنفس القدر

كما يرى بوبيرو أنّ "الفهم العقلاني للدين يؤدي إلى العلمانية بالضرورة وعدم تدخل رجال الدين في السياسة بشكل يومي أو كثيف. والتراث العربي الإسلامي يحتوي على بذور العلمانية، أي العقلانية"، فـ "مؤلفات الفارابي أو ابن رشد مثلاً، وممارسة الاجتهاد الديني في الإسلام تعتبر ضرباً من ضروب العقلانية، أي العلمانية"، ويرى أيضاً أنّ العلمانية "تتخذ أشكالاً مختلفة من بلد إلى آخر ومن حضارة إلى أخرى؛ فهناك علمانيات متعددة لا علمانية واحدة"، وأنّ "العلمانية المنفتحة يمكن أن تتأقلم مع مختلف المجتمعات والتراثات الدينية، فهناك علمانية فرنسية، وعلمانية ألمانية، وعلمانية أميركية، وربما يوماً ما علمانية عربية أو إسلامية، وهي لن تكون معادية للدين الإسلامي أبداً"[[2]].

اقرأ أيضاً: الحجاب… جدل لا ينتهي في فرنسا

أما الدكتور السوري المعروف برهان غليون، أستاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون الفرنسية، فيقول بدوره: "العلمانية ليست عقيدة دينية جديدة تنزع إلى الحلول محل العقائد الأخرى أو التعويض عنها، وإنما هي قاعدة لإدارة التنافس بينها، وتنظيم طريقة التعبير عن اختلاف كل منها مع غيرها، بما فيها العقائد اللادينية"، كما يقول: "تقف العلمانية في مقدمة المعركة من أجل الحرية ومنها تستمد مشروعية وجودها، ولن يكون لها مستقبل في العالم العربي إلا بقدر ما تساهم في هذه المعركة وتعمل على الانتصار فيها"، ويضيف: "الواقع أن العلمانية لا تملك أي مضمون عقائدي، بحد ذاتها. ومن كانت هويته العلمانية فلا هوية له. إنها موقف من العقيدة والهوية. والذين يحولونها إلى عقيدة يخلطون بينها وبين الفلسفة اللادينية. فمن المفروض أن يستطيع المتدين أن يقول عن نفسه ويكون بالفعل علمانياً، وإلا فليس للعلمانية قيمة ولا مبرر على الإطلاق، فهي ممكنة فقط بانضمام المؤمنين لمبدئها، وليست ممكنة إطلاقاً بعزلهم أو استبعادهم"[[3]].

وكما نرى فثمة تقارب كبير بين ما يقوله كل من جان بوبيرو وبرهان غليون، وبناء على كلاميهما معاً يمكننا أن نسنتج أن:

- العلمانية ليست بحد ذاتها عقيدة بديلة تسعى للحلول محل العقيدة الدينية.

- المساواة بين كل الناس هي مسألة لا جدال فيها في العلمانية.

- الحرية هي قضية جوهرية أساسية كبرى في العلمانية.

- المتدين نفسه يستطيع أن يكون علمانياً، ومن الممكن نشوء علمانية إسلامية.

إضافة إلى ما تقدم تجدر الإشارة إلى  كلام جواهر لال نهرو أحد زعماء حركة الاستقلال في الهند، وأول رئيس وزراء لبلاده بعد الاستقلال، حيث يقول: "نتكلم عن علمانية الهند.. البعض يظن أنّ ذلك معارض للدين وهذا خطأ واضح.. ما تعنيه حقيقة تلك العلمانية هي أنّ الدولة تقدّر العقيدة الدينية للجميع بالتساوي وتمنحهم فرصاً متساوية في كل شيء..."[[4]].

اقرأ أيضاً: القانون الألماني.. هل يعارض حظر الحجاب؟!

إذاً، وبعد ما تقدم، يمكننا القول إنّ العلمانية تساوي بين كل المختلفين عقائدياً، وتمنحهم حقوقاً متساوية، وتعطي لهم الحرية في الاعتقاد والسلوك وتحترم أديانهم، وهذا ينطبق على كل من الحجاب والسفور، حيث تقف العلمانية على مسافة متساوية من كل من المحجبة وغير المحجبة، وتحترمهما كلتيهما بنفس القدر، ولا تميز بينهما على أساس الحجاب أو السفور، ولكنها تعتبرهما شأنين خاصين متساويين من شؤون النساء، ويدخلان في نطاق حرية المعتقد وحرية اللباس التي تضمنها وتحميها العلمانية، التي لا تنفصل قطعاً عن الديمقراطية وقبول الاختلاف واحترام التعدد والتنوع.

نجد علمانيين متطرفين يرفضون الحجاب ويقفون ضده وهؤلاء يمثلون أنفسهم لا كل العلمانيين

والخلاصة هي أنّ العلمانية ليست ضد الحجاب ولا ضد السفور، ولا هي مع الحجاب أو مع السفور، ولكنها مع حق وحرية المرأة في أن تختار ما تريد منهما، وهي تركز بشكل جوهري على احترام المرأة وخيار المرأة سواء تحجبت أو أسفرت، وهي كذلك تحترم أيضاً آراء الرجال في هذه القضية، بشرط ألا يفرض الرجال قطعاً آراءهم على النساء ويجبروهنّ عليها، وبشرط أن يحترم الرجال في ما بينهم اختلافاتهم في هذه القضية ويقبلونها ويتنافسون فيها بشكل سلمي، ودون أي عنف مادي أو معنوي.

بالطبع يمكن أن نجد علمانيين متطرفين يرفضون الحجاب ويقفون ضده، كما نجد إسلاميين متطرفين يرفضون السفور ولا يقبلون به، ويصرون كلياً على الحجاب حتى إن اقتضى الأمر فرضه فرضاً، وبالنسبة للعلمانيين الذين يفعلون ذلك، فهم يمثلون أنفسهم فقط ولا يمثلون كل العلمانيين أو العلمانية ككل، ونفس الكلام يمكن قوله عن المتطرفين الإسلاميين، ففي الأوساط الإسلامية نفسها نجد من هو ليس ضد السافرات، بل ونجد حتى من يعتبر الحجاب تقليداً إسلامياً وليس فريضة إسلامية، ولكن هذا الأمر لا يدخل في نطاق موضوعنا هذا، الذي كما سلف الذكر غايته هي توضيح حقيقة موقف العلمانية من الحجاب.

هوامش:

[1] - العلمانيات في العالم، صحيفة البيان

[2] - المرجع السابق

[3] - برهان غليون، ردا على وائل السواح من أجل علمانية إنسانية، جمعية الأوان

[4] - أقوال علمانية، موقع حكم

الصفحة الرئيسية