العراق: عودة الاغتيالات تشعل الاحتجاجات ضد التغول الإيراني وأدواته.. ما مصير الانتخابات؟

العراق: عودة الاغتيالات تشعل الاحتجاجات ضد التغول الإيراني وأدواته.. ما مصير الانتخابات؟

مشاهدة

10/05/2021

لم تمر 24 ساعة على اغتيال إيهاب الوزني، أبرز ناشطي الحراك الاحتجاجي في محافظة كربلاء (120 كم جنوب العاصمة بغداد) حتى قام مسلحون مجهولون بمحاولة اغتيال أخرى طالت الصحفي أحمد حسن في مدينة الديوانية التي تبعد عن العاصمة (180 كم جنوباً).

أضرم محتجون النيران بملحقاتٍ تابعة لمبنى القنصلية الإيرانية بمحافظة كربلاء وقطع محتجو محافظة ذي قار الطرق والجسور وسط المحافظة

عودة مسلسل الاغتيالات أدى إلى تفاقم الوضع الأمني والسياسي في العراق بعد ركود جماهيري عام، وترقب حذر لموسم الانتخابات التشريعية المقبلة في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الجاري. إذ شهدت مدن عراقية عقب الاغتيال الأول احتجاجات عارمة منتقدة ضعف الأداء الحكومي تجاه سلطة الميليشيات، وعدم الوصول إلى قتلة ناشطي الحراك التشريني التي وعدت الحكومة بالكشف عنهم في أوقات سابقة.

وأضرم محتجون نيراناً بملحقاتٍ تابعة لمبنى القنصلية الإيرانية في محافظة كربلاء، فيما قطع محتجو محافظة ذي قار (360 كم جنوب بغداد) الطرق والجسور وسط المحافظة.

رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في مواجهة ضغط الشارع المحلي وضعف قدرة الدولة على كبح المليشيات

هذا وأعلنت قوى سياسية مقاطعتها للانتخابات القادمة، جراء سيطرة قوى اللادولة على الدولة، وعدم قدرة الأخيرة على حصر السلاح المنفلت ومنع تكرار عمليات اغتيال الناشطين.  

جريمة بعد منتصف الليل

لدى عودتهِ من العاصمة بغداد إلى منزلهِ بقضاء الشامية بمحافظة الديوانية، في الساعة الثانية من صباح اليوم، تلقى الصحافي أحمد حسن وهو يتأهب للنزول من سيارتهِ رشقة رصاصات أطلقها مسلح مجهول كان ينتظرهُ قرب المنزل، بحسب شهود عيان.

 الكاظمي يتوعد بالكشف عن قتلة الناشطين مجدداً .. ومراقبون: أجهزتنا الأمنية بدأت تخسر رصيدها الشعبي

وأضافوا أن "سيارةً كانت تنتظر منفذ العملية على بعد عدة أمتار، وأقلتهُ مسرعةً بعد تنفيذها"، مؤكدين أنّ "المغدور في حالة حرجة نتيجة اختراق إحدى الرصاصات لرأسه، مما استدعى نقله بسرعة عاجلة إلى مستشفى الجملة العصبية في بغداد".

النائب الليبرالي فائق الشيخ علي من أشد المعارضين لتيار الإسلام السياسي يعلن مقاطعته الانتخابات المقبلة
وعلى إثر ذلك، أعلنت مديرية الأمن الوطني في المحافظة، الاستنفار الأمني الكامل، بحثاً عن الجناة، علماً أنّ الضحية لم يعرف عنهُ نشاط سياسي سوى أنهُ يعمل مراسلاً في قناة الفرات الفضائية التابعة لتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم (أبرز الزعامات الشيعية الداعمة لحكومة مصطفى الكاظمي)، وناقلاً لواقع مدينتهِ على مستوى الاحتجاج السياسي أو الخدمي وغيرها من الأحداث التي هي من عمل الصحافة بشكلٍ عام.

القنصلية الإيرانية في دائرة الانتقام الكربلائي
وتأتي محاولة اغتيال الصحفي أحمد حسن، بعد 24 ساعة على اغتيال الناشط الكربلائي إيهاب الوزني، قرب داره وسط المحافظة. ويعد الناشط المغدور من الشخصيات البارزة في الاحتجاجات التشرينية بمدينته، ويُعرفُ عنهُ بممارسة النشاط السياسي منذ احتجاجات 25 شباط (فبراير) 2011 ضد حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

أعلنت قوى سياسية مقاطعتها للانتخابات القادمة جراء سيطرة قوى اللادولة على الدولة وعدم قدرة الأخيرة على حصر السلاح المنفلت

وعنهُ يقول الصحافي رافد البصيصي، إنه "لم يكن ناشطاً مدنياً كما يُروج، إنما هو ثوري ثائر على الباطل"، مضيفاً لـ"حفريات" أنه "مشارك منذ أكثر من عشر سنوات، في ساحات التظاهر الكربلائية، أي منذ العام 2011"، واصفاً إياه بـ"الشجاع وغير متردد، حيث تم اعتقاله وضربه أمام أعيننا أكثر من مرة".

اقرأ أيضاً: تركيا تواصل محاولاتها لزيادة قواعدها العسكرية داخل العراق... ما القصة؟

ويتابع: "كنا في السنوات السابقة عندما نغطي التظاهرات في كربلاء، لا نقبل بتقرير صحفي دون أن يتضمن صوتاً أو صورةً للوزني"، لافتاً إلى أنّ "القتلة اختاروا شعلة من النشاط المعارض للنظام البائس الحاكم، برغم هذا لا أعتقد أنهم أفلحوا، فقد صنعوا قادة جدداً بعمليتهم الشنيعة".

الناشط المغدور إيهاب الوزني

وما أن انتهت مراسم دفن الوزني في مقبرة وداي السلام بمدينة النجف المجاورة، حتى عادَ رفاق القتيل وعدد من ناشطي الحراك الكربلائي للتظاهر أمام القنصلية الإيرانية، لتضرمَ النار في بعض المحلقات التابعة لها على الرغم من الطوق الأمني حولها.  وتعد هذه العملية الثانية من نوعها، إذ تم حرق القنصلية في ذروة الاحتجاج التشريني في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، كما تكررت أيضاً في محافظتي النجف والبصرة، وهي إشارة إلى رعاية إيران لمنفذي عمليات الاغتيال بحق الناشطين العراقيّين.  

محللون: أجهزتنا الأمنية بدأت تخسر رصيدها الشعبي

إلى ذلك، انتقد محللون سياسيون، دعوات الحكومة المتكررة إلى تشكيل لجان تحقيقية للكشف عن قتلة الناشطين، دون التوصل إلى نتائج حقيقية لاحقاً، مؤكدين أنّ القوات الأمنية "بدأت تخسر رصيدها الشعبي" الذي جنتهُ بعد الانتصار على تنظيم داعش في نهاية العام 2017.

محللون: القوات الأمنية بدأت تخسر رصيدها الشعبي الذي جنتهُ بعد الانتصار على داعش في نهاية العام 2017


ووجه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، أجهزة وزارة الداخلية بسرعة الكشف عن قتلة الناشط المدني إيهاب الوزني. وقال "واهم من يتصور أنهم سيفلتون من قبضة العدالة، سنلاحق القتلة ونقتص من كل مجرم سوّلت له نفسه العبث بالأمن العام". لكن هذه الوعود قوبلت برد فعل شعبي غاضب نتيجة فشل اللجان التحقيقية السابقة في التوصل لقتلة الناشطين السابقين.

متظاهرون كربلائيون يشعلون النيران أمام حائط الصد للقنصلية الإيرانية في المدينة مساء أمس الأحد

وعن هذا الإخفاق، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة كربلاء، الدكتور خالد العرداوي، أنّ "الحكومة وضعت حلولاً للأزمة المالية فقط، ونسيت أنّها جاءت أيضاً لوضع حلول ناجعة لأزمة أمنية واجتماعية عميقة وخطيرة تهدد أمن البلاد ومستقبلها"، مضيفاً لـ"حفريات" أنه "قد تكون إجراءاتها المالية مفهومة أحياناً ومبررة في أحيان أخرى رغم المبالغة فيها، ولكن نسيانها لحلول الأزمة الأمنية والاجتماعية لا يمكن تبريره".

اقرأ أيضاً: ما رأي الشارع العراقي بنتائج لجنة التحقيق بحادثة مستشفى ابن الخطيب؟

ويؤكد العرداوي أنّ "أجهزتنا الأمنية والعسكرية أخذت تخسر رصيدها الشعبي الذي كسبتهُ بعد هزيمة التنظيمات الإرهابية أواخر العام ٢٠١٧، بل بدأت تفقد قدرتها على المبادرة والتأثير أمام تمدد خطير وكارثي لعصابات الجريمة غير المنظمة والتنظيمات المسلحة والقوى الاجتماعية الخارجة على السلطة".  

قوى سياسية تعلن مقاطعتها الانتخابات  

من جانبٍ آخر، أعلنت عدة قوى سياسية علمانية تقليدية وأخرى خرجت من رحم الاحتجاجات التشرينية، مقاطعتها للانتخابات التشريعية المقبلة المزمع إجراؤها في 1 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الجاري. مشككين في نتائج الانتخابات سلفاً في ظل غياب الدولة وانتشار السلاح المنفلت والاستمرار في قتلة المعارضين.  

وعود رئيس الوزراء قوبلت برد فعل شعبي غاضب نتيجة فشل اللجان التحقيقية السابقة بالتوصل لقتلة الناشطين السابقين



وقال بيان لحزب البيت الوطني العراقي، أحد قوى تشرين في محافظة ذي قار، إنّ "اغتيال رمز من رموز الاحتجاج في محافظة كربلاء وهو الشهيد إيهاب الوزني، ما هو إلا مصداق على استمرار الإرهاب الممنهج لرموز وقادة وشباب تشرين"، متسائلاً "كيف لحكومة تتماهى مع قوى السلاح ويمر أمام أنظارها أن توفر مناخاً انتخابياً آمناً لقادة حراك سياسي منهم القتيل والمغيب والمشرّد بسبب التهديد والاغتيال".

متظاهر في مدينة كربلاء يحمل العلم العراقي أمام النيران المشتعلة عند بوابة القنصلية الإيرانية في المدينة

أما النائب الليبرالي فائق الشيخ علي، فقد كتبَ تغريدةً وضحَ فيها موقفهُ من الانتخابات "بعد اغتيال الشهيد إيهاب الوزني، أعلن انسحابي من الانتخابات النيابية، وأدعو القوى المدنية وثوار تشرين إلى الانسحاب أيضاً والتهيؤ لإكمال الثورة في الشهور القادمة ضد إيران ومليشياتها القذرة"، وأكد أنّه "لا خيار أمامنا غير الإطاحة بنظام القتلة المجرمين".

بعيد اغتيال الناشط الكربلائي إيهاب الوزني مسلحون يحاولون اغتيال مراسل صحفي في مدينة الديوانية

 

وبالتزامن مع هذه الدعوات السياسية المقاطعة للانتخابات، أصدرَ الحزب الشيوعي العراقي بياناً قال فيهِ إنّه لن يشارك في الانتخابات "ما لم يكشفوا قتلة إيهاب الوزني في كربلاء ومن يقف وراءهم ويحاسبوهم"، ثم تلتها بيانات لـ15 حزباً سياسياً مدنياً أكدوا فيها المقاطعة الانتخابية.

توقعات بتصاعد العنف قبيل الانتخابات

حاجة الشعب العراقي إلى السلطة القوية لتفرض حضورها على المشهد العام برمتهِ يراها البعض مفقودة لدى السلطة الحالية التي توصف بـ"الهشة". ولربما تعقيدات النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية يقلل من بسطِ نفوذ رئيس السلطة التنفيذية بالمجمل العام. وهذا ما ينعكسُ على الأداء الحكومي سلبياً.

وعن ذلك، يعلق الدكتور خالد العرداوي: "إنّ المجتمع لا يحترم إلا القوي، ولا يهابُ الا الجبار، ويسخرُ ويستهزئ بالضعيف، بل لا يحترمهُ ولا يقيم لهُ وزناً، لذا أظهرت الحكومة نفسها بمظهر العاجز والخائف، المسلوب الإرادة والقرار".

قوى تشرينية واخرى علمانية تعلن المقاطعة الانتخابية القادمة وتؤكد مواصلة الحراك الاحتجاجي

 وأضاف: "ستتحمل الحكومة ورئيسها مصطفى الكاظمي وزر ترددها وخوفها"، مشيراً إلى أنّ "الانتخابات القادمة ليست انتخابات عراقية فقط، بل ينظر لها على أنّها انتخابات إقليمية ودولية، إذ ستُجرى في ظروف بالغة الهشاشة، مع وجود حكومة فاقدة للقدر على السيطرة، وقوى متنافسة خارج سيطرتها ومستعدة لكل شيء في سبيل بقائها في السلطة"، مرجحاً أنّ "يتطور الأمر من اغتيال الناشطين الصغار الى قتل رأس أو رؤوس كبيرة لخلط الأوراق أكثر وفرض خيار البقاء بقوة السلاح، وعندها سنكون إزاء سيناريو وخيم العواقب ونهاياته مجهولة".

الصفحة الرئيسية