"العثمانلي" يحن لآخر مستعمراته

"العثمانلي" يحن لآخر مستعمراته

مشاهدة

11/12/2019

محمد طعيمة

اعتبر كثيرون أن ما وصفه البرلمان الليبي بـ”اتفاق الخيانة”، الذي وقعه فايز السراج.. كواجهة، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 27 نوفمبر الماضي، خرج للنور في إطار صراع غاز شرق البحر المتوسط أولا، ونكاية في المحور العربي، الداعم لاستعادة مؤسسات ليبيا مهامّها الوطنية ثانيا. كلاهما صحيح، لكن يبقى الأهم.. الحنين التركي التاريخي لآخر البلدان العربية مُغادرة لتبيعة “الخلافة” في اسطنبول، ضمن توهّمات العثمانية الجديدة.

استبق أردوغان الاتفاقية بمذكرة سلّمها للأمم المتحدة، في 13 نوفمبر، عن حق تركيا في حدود بحرية وفق خارطة سماها “الوطن الأزرق”، تتجاهل وجودا مادّيا لجزر يونانية تفصل بين مياه طرفي الاتفاقية، منها روديس ودوديكانيسيا.. وكريت! للوطن الأزرق جذوره العاطفية، التي تترجمها أنقرة جيوسياسيا، فهو يعني “المياه الزرقاء” الممتدة بين الكتلة البشرية الأكبر التي احتل أسلافها الأناضول قبل 800 عام وبين كتلة بشرية، مهما كانت ضآلتها.. “الكراغلة”، زرعها جدوده في “ليبناتو”، خاصة مصراتة، قبل 450 عاما، تماما كما فعلوا في قبرص.

بعد شهور من احتلاله مصر، استقبل سليم الأول في القاهرة وفدا من القراصنة الأتراك يدعونه لضم الجزائر التي سيطر عليها أحدهم، خير الدين بربروس، إلى عرشه بحجة حمايتها من الإسبان، متجاهلين عرضا من أمير تونس الحفصي، الذي طالما ساعدهم وآواهم في موانئه مقابل خُمس الغنائم، بالحماية مقابل التبعية له. لم تلتفت الأستانة لأهمية “ما بين” مصر وشمال أفريقيا. “ليبانتو” قليلة السكان والعمران، وقتها، وانشغلت بملاحقة الحفصيين، وحين فشلت مرات اتجهت لجارتها الشرقية عام 1551، لتكمل سيطرتها على شاطئي المتوسط الجنوبي والشرقي.. عدا مراكش. محوّلة طرابلس الغرب إلى مركز لشبكة القرصنة البحرية العثمانية، سواء في مرحلة الاحتلال الأولى أو الثانية، فبينهما فترة قطعها أحد متمرّديها، أحمد القره مانلي، بين 17011 – 1835، مستغلا ثورة شعبية على فوضى غرقت فيها ليبانتو منذ قصفتها مدفعية أول سفينة تركية عام 1551 ضمن أسطول يقوده سنان باشا، الذي سيصبح أول “باي/والي” عثماني يحكم “إيالة طرابلس” التي شملت معها برقة والمناطق الداخلية. وبعدها نجحت محاولتها في احتلال تونس سنة 1574.

محدودية عمران وسكان ليبانتو شجعت الأستانة على آلية تعامل معها مختلفة عن باقي البلدان العربية المحتلة عثمانيا، وهو استعمار المنطقة الأهم فيها.. الغرب، لا احتلالها فقط. توافد عليها آلاف من الإنكشارية والقراصنة مستوطنين لها.. ارتبط أغلبهم بزوجات محليات. بالتوازي، أعاد العثمانيون تخطيط البلاد لتعزيز قرصنتهم في البحر المتوسط. تطورت مناطق مثل بنغازي، ونصبت الحاميات العسكرية في طرابلس ومرزق، وربطتا بمدينة سيرين القديمة بأطلالها التي تتوسط بنغازي وطبرق شرقا.

من اختلاط المستوطنين القراصنة والإنكشارية بالقبائل العربية والأمازيغية، عبر أجيال، ولدت مجموعة عرقية متمايزة اجتماعيا عرفت بـ”الكراغلة”، من “كول + أوغلي” أي أبناء الجنود وفق الترجمة الحرفية، في حين وصفتهم القبائل العربية بـ”أبناء العبيد”. وربما مقابل دونية الدلالة الأكثر رواجا، تباهى أولادها بالأصول التركية، وهم موزّعون على 13 قبيلة: بليبلو، الرملة، المقاصبة، عباد، الشواهدة، الزوابي، الجهانات، يدر، الضرارطة، رأس علي، الدرادفة، الفراطسة وقرارة وظلت لعقود محافظة على عاداتها الثقافية والاجتماعية الآتية بها من الأناضول.

نفس المسمى، الكراغلة، ستجده في تونس والجزائر، لكن فئاته لا تتمتع بنفس التأثير فيهما. لا توجد إحصائيات موثوقة لعددهم في لبيبا، أول تقدير لهم كان عام 1935 بـ35 ألفا، مثّلوا 5 بالمئة من سكان البلاد، غالبيتهم الساحقة في مصراتة (30 ألفا). بعد ثورة/انقلاب معمر القذافي التي تزامنت مع رحلة علاجية للمَلك إدريس في تركيا، وجد الكراغلة ثقافتهم وامتيازاتهم مهددة بالخطاب العروبي للحكم الجديد، وفق تقرير بعنوان “جذور التواجد التركي في ليبيا” نشره موقع “مفاتيح الشرق الأوسط، فشكّلوا جمعيات لتوثيق علاقات تجمّعاتهم ومساعدة الآتين الجدد منهم. فرغم توتر علاقة القذافي بأنقرة، ضاعف نشاطه الاقتصادي معها، ضمن تناقضاته! ويرصد “مفاتيح الشرق” قفز عدد العمالة التركية الجديدة من 664 عاملا، بين 1961 و1973، إلى 48457 عاملاً بين عامَي 1974 و1980، وإلى 106735 عاملاً من 1981 إلى 1985، استقرّوا بكثافة حول طرابلس ومصراتة، وعزّزوا التأثير التاريخي العثماني، وينشطون في مشاريع البناء التي منحها القذافي لشركاتهم التركية بمليارات الدولارات.

لم يقتصر التعزيز العثماني على الغرب، ففي درنة مثلا عرفت إحدى ضواحيها بـ”لميس التركية”، نسبة إلى الممثلة الشهيرة ولأن الشركة التي بنت الضاحية تركية. هكذا كانت الأرض مجهزة، بعد سقوط القذافي، لاستعادة ناعمة لآخر مستعمرات العثمانلي، ساهمت سفن حفيده أردوغان في الحملة الأطلسية، واستقبلت مستشفياته أكثر من 20 ألف “جريح ثورة”، و6 آلاف مرافق لهم عام 2012، حسب تصريح للسفير الليبي في أنقرة وقتها، عبدالرازق مختار. ونشطت المخابرات التركية، بواجهة قطرية، في تربيط خيوط سيناريو العثمنة/الأسلمة، مشكّلة كتلة سياسية “ميليشياوية” مركزها مصراتة، فبها المركز الرئيسي لحزب العدالة والبناء، الذراع السياسية للإخوان بقيادة التركي الأصل محمد صوان، وليس بالعاصمة، وكذا معظم مؤسساتهم بما فيها جهاز مخابرت الجماعة الخاص ومعسكراتها المسلحة، ومنها انطلقت أذرع الأخطبوط للتنسيق مع معاقل الجماعات المتطرفة خارجها، وفق سلسلة تقارير لعبدالستار حتيتة في الشرق الأوسط، في نوفمبر 2014.

مع خسارة الإخوان للبرلمان عام 2014، وللحكومة بالتبعية، ظهرت أنقرة سافرة بلا قناع قطري. يكشف موقع “أل-مونيتور” الأميركي، 29 أغسطس 2019، عمّا سمّاه “حصان طروادة أردوغان في ليبيا”، وهو رابطة “كراغلة ليبيا” التي تشكلت عام 2015 في “إزمير” التركية والهدف وفق منشور التأسيس “إحياء الإرث العثماني في شمال أفريقيا”.. و”تغيير المناهج الدراسية التي تدين العهد العثماني”.. وتضمنيها مقررا لدراسة اللغة التركية. لمحرّر التقرير، المحلل التركي فهيم تاشتكين، قال أحد أعضائها إنهم ينشطون في مصراتة وطرابلس، وأصابعها تمتد لطرابلس وبنغازي والزاوية ودرنة.. إلخ. وأن الدولة التركية حريصة على توطيد صلاتها بهم. يقلل تاشتكين من حجم تقديرهم لتعدادهم.. 1.4 مليون نسمة، أي ما بين 20 و25 بالمئة من سكان ليبيا، وأنهم يشكلون 75 بالمئة من سكان مصراتة، وهي نسبة رآها “مبالغاً فيها بشدة”.

أيا كان العدد، فإن حصة الكراغلة السياسية في غرب ليبيا وبحكومة الوفاق تهدر بديهيات اتفاق الصخيرات. يتقدمها حاكمها الفعلي ووزير داخليتها فتحي باشا آغا، الذي ينفي أصله التركي! وكذلك الواجهة فايز مصطفى فوزي مصطفى محمد آغا، الذي تباهى والده في كتابه “ذكريات وخواطر”، بشجرة نسب جده إلى قرية “مانيسيا” بضواحي إزمير. وفي القائمة كثر، منهم علي الصلابي، الذراع اليمنى ليوسف القرضاوي. وإخوته “الصلابية” إسماعيل، منسق ميليشيات مصراتة، وأسامة، المنظر الإخواني، وعبدالرؤوف كارا، قائد “قوة الردع الخاصة” المسيطرة على مطار معيتيقة، وغيرهم من الأسماء التي تتشارك في الانتماء العثماني الإخواني، وجلهم من مصراتة، وقد فشلت أجندتهم في حكم ليبيا واختراق جيشها، رغم اغتيال إسماعيل الصلابي لرئيس الأركان عبدالفتاح يونس، 28 يوليو 2011، لكنها عطلت استعادة مؤسسات الدولة، ممهدة لـ”الوطن الأزرق”، ولغزو عسكري تركي يحن لآخر مستعمرات العثامنلي، بنفس حجة قبرص.. حماية الأقلية ذات الأصول التركية، وهو ما تعهد به أردوغان صراحة، الاثنين الماضي، فالكراغلة/الإخوان جهّزوا الأرض له.

عن "العرب" اللندنية


الصفحة الرئيسية