
ربى عياش
أشد ما أوقع البشر في المآسي عبر التاريخ لم يكن اختلافهم بحد ذاته، وإنما اقتناعهم بأن هذا الاختلاف يجب أن يختفي. تبدلت الأعلام، وتعاقبت الإمبراطوريات، وتغيرت أسماء الآلهة والأيديولوجيات والأنظمة، لكن فكرة واحدة ظلت تعود بأشكال مختلفة: إذا أصبح الجميع مثلنا، فسيسود السلام.
أسمي هذه الفكرة “الطوباوية الأحادية”. وربما لا يكون المصطلح متداولًا، لكن أقصد به اختصار نمط من التفكير حكم التاريخ الإنساني طويلًا وكان سببًا في الويلات المستمرة. جوهره بسيط: إذا أزلنا المختلف، سيولد العالم المثالي.
يتبدل تعريف “الآخر” من عصر إلى آخر؛ فقد يكون دينًا، أو عرقًا، أو لغة، أو طبقة اجتماعية، أو ثقافة، أو حتى حدودًا سياسية. أما الفكرة التي تقف خلف ذلك فتكاد تبقى ثابتة: التخلص من المختلف باعتباره الطريق إلى الاستقرار.
غير أن التاريخ يقدم نتيجة معاكسة تمامًا. فالمشاريع التي وعدت بعالم موحد انتهت، بينما بقيت آثارها. سقطت الإمبراطوريات، وخمدت الثورات، وتبدلت الأنظمة، وأعيد رسم الحدود، لكن الكراهية التي زرعتها استمرت، وكأنها أطول عمرًا من أصحابها. لذلك فإن ما نعيشه اليوم هو تراكم لفواتير الماضي.
فالطفل الذي يولد في غزة، أو جنوب لبنان، أو السودان، أو أوكرانيا، أو العراق، أو سوريا، لا يبدأ حياته من نقطة محايدة، بل يدخل العالم محاطًا بإرث من الحروب والذكريات والهويات الجريحة، وهو إرث لم يكن له أي دور في صنعه. وما يدفعه العالم في عام 2026 ليس ثمن حرب واحدة، وإنما حصيلة قرون من محاولات فرض نموذج واحد على الجميع.
هذه النزعة لم ترتبط بحضارة أو دين أو أيديولوجيا بعينها. فقد حلم الرومان بعالم روماني، وسعت بعض مراحل التاريخ الكنسي إلى احتكار الحقيقة، ورأت بعض الدول التي رفعت راية الخلافة أنها التعبير الوحيد عن الشرعية، بينما حمل الاستعمار الأوروبي رسالته “التمدينية”. وجعلت النازية النقاء العرقي غايتها، وسعت الستالينية والماوية إلى إعادة تشكيل الإنسان وفق نموذج واحد. وفي العقود الأخيرة ظهرت الفكرة ذاتها بصور مختلفة؛ فتنظيم داعش لم يعترف بحق المختلف في الوجود أصلًا، والثورة الإيرانية تجاوزت حدودها الوطنية حين تبنت مشروع تصدير الثورة باعتباره نموذجًا ينبغي أن يمتد إلى الخارج، وبعض تيارات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة رأت أن نشر النموذج الليبرالي الأمريكي يمكن أن يتم بالقوة العسكرية.
وفي الحالة الإسرائيلية، يظهر هذا المنطق بوضوح في بعض توجهات اليمين الإسرائيلي المعاصر، ولا سيما التيارات التي تتبنى فكرة “إسرائيل الكبرى”، وترى أن أمن الدولة أو هويتها يتحققان عبر إضعاف الخصوم، وتقليص حقوق الفلسطينيين، وفرض وقائع جديدة بالقوة. وقد امتد هذا المنطق إلى سياسات عسكرية تجاوزت حدود فلسطين لتشمل ساحات مثل لبنان وسوريا، كما ينعكس في المواجهة المستمرة مع إيران، وفي الخطاب الذي يصور قوى إقليمية أخرى بوصفها تهديدًا وجوديًا يجب احتواؤه أو إضعافه. وقد يحقق هذا النهج مكاسب مرحلية، لكنه يحمل في داخله المفارقة نفسها التي عرفها التاريخ مرارًا؛ فالقوة تستطيع فرض واقع مؤقت، لكنها نادرًا ما تنجح في إنهاء الصراع من جذوره. إذ إن إقصاء الآخر أو محاولة إخضاعه بالكامل لم يكن يومًا طريقًا إلى سلام مستدام، بل كان غالبًا بداية لدورة جديدة من العنف يدفع ثمنها الجميع. والمنطق ذاته يمكن أن يظهر في مشاريع قومية أو دينية أو ثورية معاصرة عندما تفترض أن السلام مرهون بزوال المختلف.
ورغم اختلاف الشعارات، فإن البنية الفكرية تكاد تكون واحدة؛ إذ يقوم الجميع على الاعتقاد بأن المدينة الفاضلة لا يمكن الوصول إليها إلا عبر تقليص التنوع أو القضاء عليه. لكن الواقع يسير في اتجاه مختلف.
فالكون قائم على التعدد لا على التطابق. الليل لا يمنع النهار من المجيء، والنور لا يطرد الظلام إلى الأبد، والبحر لا يشبه الصحراء، ومع ذلك تستقيم الحياة من اجتماع هذه الأضداد. الكون ليس مثاليًا، وليس لوحة طوباوية خالية من الصراع، بل يملك قدرة مدهشة على إنتاج التوازن من قلب الاختلاف. فالوجود نفسه قائم على فكرة الأضداد، والإنسان ليس استثناءً من هذا القانون الكوني؛ يحمل في داخله القدرة على الرحمة كما يحمل القدرة على القسوة، ويملك قابلية البناء والهدم في آن واحد. لذلك يبدو الاختلاف جزءًا أصيلًا من الطبيعة البشرية، لا خللًا فيها.
ومن هذا الإدراك نشأت السياسة بوصفها فنًا لإدارة الاختلاف، لا وسيلة لإزالته. وعندما ظهرت مفاهيم مثل الحرية، وسيادة القانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، كان المقصد منها وضع قواعد تمنع الانزلاق إلى عنف شامل. ولهذا لا تقوم الديمقراطية على الإجماع الدائم، وإنما على الاعتراف بأن المختلف سيظل موجودًا، وأن حقه في الوجود والتعبير لا يسقط بسبب الخلاف معه.
ولهذا أيضًا، تبدأ معظم الحروب عندما يقرر طرف ما أن اختلاف خصمه يسلبه حقه في الوجود. عندها يتجاوز النزاع حدوده السياسية ويتحول إلى صراع وجودي، ليصبح الشعار الضمني: “إما أنا أو لا أحد”. وقد يكون هذا المنطق قابلًا للاستمرار، ولو لفترة محدودة، في عالم الإمبراطوريات القديمة حيث كانت المجتمعات أكثر انعزالًا والحروب أقل اتساعًا. أما في عالم اليوم، المتشابك اقتصاديًا وتقنيًا ونوويا وإعلاميًا، فقد أصبحت الطوباوية الأحادية وصفة لانتحار جماعي. فكل محاولة لإلغاء الآخر تنعكس على الجميع، وكل حرب تترك ندوبًا تمتد لعقود، وربما لأجيال، وتتجاوز حدودها الجغرافية بكثير.
ومع ذلك، فإن قبول الآخر لا يعني قبول كل شيء. فالتسامح لا يمكن أن يكون مفتوحًا بلا حدود. هناك اختلافات تثري المجتمعات، كالاختلافات السياسية والفكرية والدينية والثقافية التي تحترم الحقوق الأساسية. وهناك اختلافات تهدم أساس التعايش، حين تقوم على الدعوة إلى الإبادة أو نفي إنسانية الآخرين أو رفض أي مبدأ للمعاملة بالمثل. هنا يصبح الدفاع عن التعددية دفاعًا عن القواعد التي تجعل التعددية ممكنة أصلًا.
إن احترام الاختلاف بجوهره يكمن في الاعتراف بحق البشر في الاختلاف ما دام هذا الاختلاف لا يتحول إلى مشروع لإلغاء الآخرين. الأديان والفلسفات نفسها تقدم مثالًا على هذا التنوع. فقد بحث البشر عن المعنى بطرق مختلفة، وصاغوا تصورات متعددة عن الإله والكون والأخلاق والوجود. واستقرار المجتمعات لا يتطلب توحيد العقائد، بل حماية حق الناس في اعتناقها أو رفضها دون إكراه، ضمن إطار قانوني يحفظ الكرامة الإنسانية للجميع.
ولعل النضج الحضاري يبدأ حين ندرك أن الإنسان ليس خيرًا خالصًا ولا شرًا خالصًا، وأن المجتمعات أيضًا ليست بيضاء بالكامل ولا سوداء بالكامل. الخير والشر، القوة والضعف، العقل والعاطفة، كلها تتجاور داخل الفرد كما تتجاور داخل الأمم. لذلك فإن بناء المؤسسات أهم من انتظار الإنسان الكامل، لأن المؤسسات العادلة صُممت أساسًا لضبط تناقضات البشر.
في النهاية، العالم لن يصبح يومًا مدينة فاضلة يخلو فيها الناس من النزاع. لكن بإمكانه أن يصبح مكانًا يعيش فيه المختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى حرب دائمة. ويتطلب ذلك مؤسسات تحمي الحقوق الأساسية، وتوازنًا يمنع الاحتكار المطلق للقوة، ومصالح مشتركة تجعل الحرب أكثر كلفة من السلام، وثقافة سياسية تؤمن بأن وجود الآخر ليس تهديدًا لوجودنا.
وربما يكون هذا هو الدرس الذي لم يتعلمه التاريخ بعد: فكل طوباوية تجعل إلغاء الإنسان المختلف طريقًا إلى المدينة الفاضلة، تنتهي إلى إنتاج عالم أكثر عنفًا وأبعد ما يكون عن تلك المدينة التي وعدت بها.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_0.jpg.webp?itok=cfMu1WMs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_4.jpg.webp?itok=Tb3ja79D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
