"أهل الكهف" لتوفيق الحكيم: رحلة الإنسان في مواجهة الزمن

"أهل الكهف" لتوفيق الحكيم: رحلة الإنسان في مواجهة الزمن

"أهل الكهف" لتوفيق الحكيم: رحلة الإنسان في مواجهة الزمن


01/07/2026

يُعدّ توفيق الحكيم واحدًا من أدباء مصر الكبار، ومن ذلك الجيل الذهبي الذي اجتمعت فيه كوكبة نادرة من الأدباء الحقيقيين، الذين استكملوا مسيرة الأدب العربي العظيم وجددوا حضوره المعاصر. ويحتل الحكيم مكانة متفردة بين أبناء جيله، إذ يتميز بلونه الخاص، فإبداعه عذب، خفيف، ورشيق، وعميق معًا، فهو يستطيع أن يقدم أعمالًا فلسفية وفكرية عميقة باستخدام حوار طيع سهل. ولا تخفت هذه السهولة والإبداع والمتعة في أيّ موضع من مواضع كتبه ومسرحياته، فأعمال الحكيم تمتاز بجودة النص وتناغمه في كل مراحله، وكأنّ الرحم الإبداعي للحكيم أبدعه دفعة واحدة، وربما يكون هذا السبب الذي يجعل الكثيرين يقرؤون أيّ عمل من أعماله في جلسة واحدة.

من النص القرآني إلى المسرح الذهني

تُعدّ مسرحية "أهل الكهف" واحدة من أبرز إبداعاته، التي لها مكانها في الأدب العربي بجدية موضوعها وعمقه، فقد استلهم الحكيم موضوعها من إحدى القصص القرآنية عن فتية الكهف، وبدأ يبدع خياله من حيث وقف النص القرآني. فبينما يخبرنا القرآن بقصة الفتية ونومهم الطويل، يتساءل الحكيم: ماذا لو عاد هؤلاء الفتية إلى الحياة بعد أكثر من ثلاثة قرون؟ وكيف سيتعاملون مع عالم تغيرت ملامحه كلها؟

ومن هذا السؤال البسيط ظاهريًا ينسج الحكيم عملًا إنسانيًا عميقًا، تتداخل فيه قضايا الزمن والإيمان والحب والرفقة والعزلة والوفاء والاغتراب في عجينة واحدة. وهكذا استطاع الحكيم، من خلال قصة تاريخية، أن ينسج موضوعًا إنسانيًا فلسفيًا عميقًا حول الزمن والإنسان وقدرته على العيش في عالم لم يعرفه، حتى ليشعر القارئ بأنّ الحكيم لا يحاور شخصياته فحسب، وإنّما يحاور كل إنسان عرف الفقد والغربة والحب.

تنتمي مسرحية "أهل الكهف" إلى المسرح الذهني، ذلك المسرح الذي كان الحكيم واحدًا من رواده في العالم العربي، وهو اتجاه عالمي في الكتابة الأدبية ظهر في القرن الماضي مع إبسن النرويجي، وبرنارد شو، وسارتر، وهو يقوم في العقل، لا على خشبة المسرح، ويعتمد على المقروئية والتفكر أكثر من التشخيص المسرحي؛ لانطوائه على رموز وفلسفة أكثر تجريدًا وعمقًا من أن تكون صالحة لتقديمها كأعمال جماهيرية. وقد عبّر الحكيم عن ذلك في مذكراته بقوله: "ولكنّي أقيم اليوم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكارًا تتحرك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز. إنّي حقيقةً ما زلت محتفظًا بروح المفاجأة المسرحية، ولكنّ المفاجآت المسرحية لم تَعُد في الحادثة بقدر ما هي في الفكرة؛ لهذا اتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح، ولم أجد "قنطرة" تنقل هذه الأعمال إلى الناس غير "المطبعة".

لكن يردّ النقاد على زعم الحكيم في مذكراته بأنّه لم يرد أن تُمثل مسرحياته، بـ: "أنّه محق في أنّه قد جعل للحوار قيمة أدبية بحتة ليُقرأ على أنّه أدب وفكر، ولكنّه في هذه الفقرات أيضًا يتجاهل الحقيقة عندما يعود فيزعم أنّ وضع "أهل الكهف" للتمثيل لم يخطر له على بال، وأنّه ينفر من كلمة "التشخيص". فـ "التشخيص" في ذاته لا يمكن أن ينفر منه أديب مثقف كتوفيق الحكيم، وإنّما ينفر، أو يمكن أن ينفر، من تشخيص التوافه، وأكبر الظن أنّ عدم استجابة الجمهور العام لهذا النوع الجديد من المسرحيات هو الذي ساق توفيق الحكيم إلى مثل هذه المغالطات، وجعله ينادي بأنّه يكتب هذه المسرحيات الذهنية للقراءة لا للتمثيل."

رحلة الفتية بين زمنين

تبدأ مسرحية "أهل الكهف" بوزيري دقيانوس الهاربين من الموت داخل قفص سباع ضارية، بعد أن بلغ الملك أنّهما مسيحيان، وكان قد أمر بقتل كل من اتبع تعاليم المسيح. هرب الوزيران بصحبة الراعي ميليخيا، الذي قادهما إلى أحد الكهوف المهجورة، ومعه كلبه قطمير. ولمّا غشيهم التعب والخوف، ناموا داخل الكهف، ليستيقظ أبطال المسرحية الثلاثة معتقدين أنّهم لبثوا يومًا أو بعض يوم، فلما شعروا بالجوع، بعثوا بميليخيا الراعي، ومعه نقود، ليحضر لهم بعض الطعام.

غادر ميليخيا الكهف لأول مرة بعد ثلاثة قرون، ليعود مسرعًا ومصعوقًا، فقد اختفت معالم المدينة التي عاشوا فيها، ولم تعد العملة التي يملكونها صالحة، وتغيرت ملابس الناس وعاداتهم. فينظر أحدهم إلى الآخر، ليجدوا أنّ لحاهم وأظافرهم قد طالت، ولم يعرفوا كم لبثوا داخل كهفهم هذا. ثم تتصاعد أحداث المسرحية بعد هذا الاكتشاف، ويدخل كل واحد منهم صراعه الخاص بحثًا عن زمنه المفقود.

يبدو واضحًا أنّ الحكيم قد اعتمد على النص القرآني عن قصة أهل الكهف، وراح يتخيل من حيث توقف النص القرآني: كيف تعامل الفتية الثلاثة مع الزمن بعد أن وجدوا عالمهم قد تبدل؟

فقد كان مشلينيا يعشق ابنة الملك بريسكا، ورسالة حب وقعت في يد الشخص الخطأ هي التي كشفت أمرهما. أمّا مرنوش، فقد كانت له زوجة وابن، هما كل دنياه، وكان لميليخيا الراعي قطيع أغنامه الذي كان يعتقد أنّه ينتظره. فكيف تعامل هؤلاء الثلاثة مع فوات الزمن؟

صحيح أنّ مشلينيا لم يجد بريسكا حبيبته، لكنّه وجد حفيدتها التي تحمل الاسم نفسه، والصليب الذهبي الصغير نفسه الذي صنعه لأجلها. لكنّ الحفيدة، التي تُشبه بريسكا الأصلية تمامًا، كانت أعمق ذكاءً وأكثر عنفوانًا من بريسكا، فهل كان ذلك كافيًا لمد روابط جديدة بالحياة بعد ثلاثة قرون من تبدل زمنه؟

حتى ميليخيا الراعي، ذلك الفتى المقطوع من الأهل، الفارغ الفؤاد من الحب، لم يستطع أن يتكيف مع الزمن الجديد، وهو أوّل من غادر المدينة وترك الناس وعاد ثانية إلى الكهف.

يُذكّرني كهف الحكيم بالمعنى النفسي للانسحاب، فكل منا يحمل كهفًا داخله، ينسحب إليه متى شعر بالاغتراب عن عالمه.

أسئلة فلسفية لا يطويها الزمن

ربما أراد توفيق الحكيم أن يقول: هل يتبقى من زمن الإنسان وعمره أيّ معنى لو غادره أحبته؟ ويمتد الحوار السردي طوال الرواية حول مناقشة الزمن والمكان الذي تبدل، وحول مقدرة الأبطال على المواصلة، ومقدرتهم على عقد روابط جديدة مع الزمن الحالي، ليظل شغف الحياة وجذوتها باقيين. وقد كان ميشلينيا أوسعهم استيعابًا لذلك التغير، وبدا أكثرهم انفتاحًا على التكيف مع الزمن، لأنّه كان محبًا، والحب يُلين قساوة الحياة، وهذا ما لم يحدث مع ميليخيا ومرنوش.

لقد طرح توفيق الحكيم عدة إشكالات فلسفية عميقة، على الرغم من بساطة لغته وسلاسة سرده. أوّلها: ما الوطن؟ أهو مكان، أم أشخاص وذكريات وعلاقات تمنح المكان روحه؟ فالأبطال عادوا إلى مدينتهم، لكنّهم لم يعودوا إلى وطنهم، لأنّ الزمن كان قد انتزع منهم كل ما يمنح المكان معناه.

كما أنّ ما عدّه الناس معجزة إلهية، كان بالنسبة إلى أصحابها مأساة إنسانية؛ فقد صار الفتية آية يتحدث عنها الناس، لكنّهم فقدوا، في المقابل، أهلهم وأحبتهم وزمنهم. وكأنّ الحكيم يُذكّر القارئ بأنّ للحقيقة وجوهًا كثيرة، وأنّ الحدث الواحد قد يكون نعمة عند قوم، ومأساة عند آخرين.

ومن جهة أخرى، خاض الفتية رحلة طويلة في سبيل الإيمان، وحاول الحكيم أن يقدمه إيمانًا نابعًا من الاقتناع، لا من الوراثة أو اتباع المحبوب. ومع ذلك، لم ينتصر الإيمان على الحنين، ولم يستطع أن يطفئ شوق الإنسان إلى زمنه وأهله. وكأنّ الحكيم لا ينتقص من الإيمان، بل يؤكد أنّ الإيمان لا يُلغي الطبيعة البشرية، وأنّ الإنسان يظل محتاجًا إلى جذوره وذكرياته بقدر حاجته إلى عقيدته.

وربما كان السؤال الأكثر إيلامًا هو الذي يطرحه الحكيم في النهاية، حين يعيد الفتية إلى كهفهم بعد عجزهم عن التكيف مع العالم الجديد: هل كان الموت هو المصالحة الوحيدة الممكنة مع الزمن؟ أم أنّ بعض الفجوات التي يصنعها الزمن لا يستطيع الإنسان ردمها، مهما امتلك من إرادة أو إيمان؟

إنّ ما يجعل من أدب الحكيم خالدًا، مهما تعاقبت عليه السنوات، هو أنّه يطرح أسئلة حول قضايا لا تتقادم بالزمن: الحب، والإيمان، والفقد، والرفقة، والوطن. فالمسرحية ليست عن ثلاثة فتية ناموا ثلاثة قرون، بل عن كل إنسان استيقظ فوجد أنّ الزمن قد سبقه. وما دام الإنسان يعرف الحب، ويخاف الفقد، ويقاوم الاغتراب، فسوف يظل توفيق الحكيم معاصرًا لكل جيل، لأنّ الأسئلة العظيمة لا تشيخ.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية