
في ظل التصعيد العسكري بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى قبل التوصل إلى اتفاق ينهي ويطوي صفحة الحرب، تكتسب هذه العلاقة أبعاداً جديدة تتجاوز حدود التعاون التكتيكي المباشر. فالسودان، بحكم موقعه الجيوسياسي، قد يتحول تدريجياً إلى جزء من شبكة النفوذ والردع التي تسعى طهران إلى توسيعها عبر الإقليم. وهذا التحول لا يعني بالضرورة انخراط السودان المباشر في الصراعات الإقليمية، لكنّه يضع سلطة بورتسودان بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام تحديات متزايدة تتعلق بكيفية إدارة هذا الارتباط وتداعياته السياسية والأمنية. في حين تكمن إحدى المعضلات الأساسية في أنّ المكاسب العسكرية الآنية التي يوفرها الدعم الإيراني قد تقابلها كلفة استراتيجية متنامية على المدى البعيد. فكلما تعمق هذا الارتباط، ازداد خطر إدراج السودان ضمن حسابات الاستقطاب الإقليمي والدولي المرتبطة بالمواجهة مع إيران، الأمر الذي قد ينعكس على علاقاته الخارجية، ويزيد من احتمالات تعرضه لضغوط سياسية أو اقتصادية أو حتى أمنية من قبل أطراف إقليمية ودولية تنظر بقلق إلى تنامي الحضور الإيراني على البحر الأحمر.
التحولات العسكرية وتغير طبيعة الصراع
هذا المسار يترك تأثيرات مباشرة على طبيعة النزاع الداخلي نفسه. فالدعم العسكري الذي وفرته إيران، ولا سيّما في مجال الطائرات المسيّرة والاستطلاع، أسهم في تعديل بعض موازين القوى الميدانية ومنح القوات المسلحة السودانية تفوقاً نسبياً في عدد من مسارح العمليات، خاصة داخل المناطق الحضرية. غير أنّ هذا التفوق العسكري يرافقه تحول تدريجي في طبيعة الحرب، إذ لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها صراعاً داخلياً على السلطة، بل بات يُنظر إليها بشكل متزايد بوصفها ساحة لتنافس إقليمي مفتوح تتداخل فيه مصالح قوى خارجية متعددة.
وهنا تبرز خطورة إعادة تعريف الأزمة السودانية ضمن سياقات إقليمية أوسع؛ لأنّ ذلك من شأنه تعقيد فرص التسوية الوطنية وزيادة احتمالات تدويل الصراع. فكلما تعاظم حضور الفاعلين الخارجيين، تراجعت قدرة الأطراف المحلية على التحكم بمسار النزاع، وازدادت احتمالات تحول السودان إلى ساحة تصفية حسابات بين مشاريع إقليمية متنافسة.
وفي هذا الإطار، يواجه الفريق عبد الفتاح البرهان معادلة دقيقة ومعقدة. فمن جهة، يحتاج الجيش السوداني إلى المحافظة على تدفق الدعم العسكري والتقني الذي يساعده على تحسين موقعه الميداني. ومن جهة أخرى، يسعى إلى تجنب الانزلاق إلى تحالف معلن مع إيران قد يفرض عليه أثماناً سياسية ودبلوماسية باهظة. ولهذا تبدو السياسة الحالية قائمة على محاولة الجمع بين الاستفادة من الدعم الإيراني عملياً، مع الإبقاء على خطاب سياسي حذر يحدّ من تداعيات هذا الارتباط أمام الشركاء الإقليميين والدوليين.
غير أنّ هامش المناورة هذا يتعرض للتآكل تدريجياً مع تصاعد حدة الاستقطاب الإقليمي والدولي. فكلما اتسعت رقعة المواجهة بين إيران وخصومها، تقلصت المساحات الرمادية التي تسمح للدول بالتحرك بين المحاور المختلفة، وأصبح من الصعب الحفاظ على توازنات دقيقة أو ممارسة سياسة تعدد الاصطفافات.
وبالمحصلة، فإنّ العلاقة بين الخرطوم وطهران تمثل نموذجاً لتحالفات الضرورة التي تفرضها الحروب والأزمات، لكنّها في الوقت ذاته تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية عميقة قد تتجاوز المكاسب العسكرية الآنية. فبينما يوفر هذا التعاون دعماً مهماً للقوات المسلحة السودانية في معركتها الحالية، فإنّه يدفع السودان تدريجياً إلى قلب معادلات إقليمية معقدة، ويهدد بتحويل النزاع الداخلي إلى جزء من صراع أوسع تتداخل فيه الحسابات الدولية والإقليمية، بما قد يطيل أمد الحرب ويجعل كلفة الخروج منها أكثر تعقيدا في المستقبل.
تتجاوز الحرب السودانية، التي دخلت عامها الرابع، كونها صراعاً داخلياً على السلطة بين أطراف متنافسة، لتتحول تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والمشروعات الإيديولوجية وشبكات النفوذ العابرة للحدود. ومع تعقد المشهد الميداني وتراجع فرص الحسم العسكري، برزت تساؤلات متزايدة حول طبيعة التحالفات التي تشكلت خلال الحرب، ودور الفاعلين غير الرسميين في إعادة صياغة موازين القوة داخل الدولة السودانية.
معادلة البرهان بين الدعم الإيراني والضغوط الإقليمية
ويمكن القول إنّ العلاقة بين الجيش السوداني وإيران تمثل أحد أبرز التحولات التي شهدها النزاع خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد تنامي المؤشرات المتعلقة بالتعاون العسكري والتقني بين الجانبين، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة التسليح الحديثة التي أسهمت في تغيير موازين المعارك على الأرض. وهذه العلاقة لا تستند بالضرورة إلى تحالف إيديولوجي مباشر، بقدر ما تعكس منطق المصالح المتبادلة والضرورات العسكرية التي فرضتها ظروف الحرب. فبالنسبة إلى الجيش السوداني، شكّل الدعم العسكري الخارجي وسيلة لتعزيز قدراته العملياتية واستعادة زمام المبادرة في عدد من الجبهات، بينما تنظر طهران إلى السودان باعتباره موقعا جيوسياسياً مهماً ضمن استراتيجيتها الأوسع لتوسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز حضورها في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتكتسب هذه العلاقة أبعاداً إضافية في ظل التصعيد الإقليمي الذي شهدته المنطقة خلال الفترة الأخيرة، إذ لم يعد التعاون بين الخرطوم وطهران يُقرأ فقط من زاوية الاحتياجات العسكرية المباشرة، بل بات ضمن شبكة أوسع من التوازنات والتحالفات التي تسعى إيران إلى توظيفها في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة. إذ إنّ السودان تحول، بفعل الحرب الممتدة، إلى بيئة مواتية لاختراقات إقليمية متعددة، وأدى ضعف مؤسسات الدولة وتآكل سلطتها المركزية إلى فتح المجال أمام قوى خارجية لتعزيز نفوذها عبر تقديم الدعم العسكري أو الاقتصادي أو السياسي لأطراف الصراع المختلفة.
كما أنّ اتساع نطاق التدخلات الخارجية يهدد بإطالة أمد الحرب وتحويلها من أزمة داخلية إلى صراع إقليمي مفتوح، وهو ما قد ينعكس سلباً على جهود إعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار السياسي والأمني في البلاد. وعليه، يبدو أنّ مستقبل السودان بات مرتبطاً بقدرته على تفكيك التشابكات التي صنعتها الحرب خلال السنوات الماضية، سواء تلك المرتبطة بالاستقطابات الداخلية أو بالتنافسات الإقليمية. فكلما طال أمد النزاع، ازدادت قدرة الفاعلين المسلحين والشبكات الإيديولوجية والاقتصادية على ترسيخ مواقعهم داخل بنية الدولة، وهو ما يجعل أيّ تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيدًا وكلفة.
وبينما تتواصل المواجهات العسكرية وتتزايد التدخلات الخارجية، يظل التحدي الأكبر أمام السودان هو استعادة القرار الوطني المستقل، وإطلاق مسار سياسي قادر على إنهاء الحرب ومعالجة جذورها البنيوية، بعيداً عن حسابات المحاور الإقليمية ومشروعات إعادة إنتاج النفوذ التي أسهمت في تعميق الأزمة وإطالة أمدها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=X-uAZrAT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84_1_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=fIc2oEiA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_3_4.jpg.webp?itok=qhzGZcvc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_1.jpg.webp?itok=TEKQFDFD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/20211025075728reup-2021-10-25t075412z_1321030761_rc2vgq9nn0v4_rtrmadp_3_sudan-politics-scaled-730x438_0.jpeg.webp?itok=kcxDVFSt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2025_8_23_18_46_48_187.jpg.webp?itok=WO_EJx5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_2_4_0_2.png.webp?itok=Q2mQIaO9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5ef6434f-60b5-4d8e-9e50-0c7205d9ae75.png.webp?itok=hjYIPSiB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%88%D9%8A_0_1_0.jpg.webp?itok=xC3mf9Aj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f9cff6a2-2049-4205-9923-d468d751c5de.png.webp?itok=CFcv08yD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2d527aec-b2f5-4225-9259-bd9488ac3272.png.webp?itok=Xegu8X6Y)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)