السلفي السابق أسامة عثمان: كتابات فرج فودة حوّلت أفكاري (3-1)

مصر والسلفية

السلفي السابق أسامة عثمان: كتابات فرج فودة حوّلت أفكاري (3-1)

مشاهدة

02/04/2018

"قتل علاء محي الدين"؛ عبارة تردّدت كثيراً أمام طالب الثانوية العامة أسامة عثمان، آخر أمراء الجماعة الإسلامية في حي المطرية وعين شمس، عندما كان يصلي في مسجد ملاصق لمنزلهم، عام 1990، كان في السادسة عشرة من عمره حين تداول رواد المسجد العبارة، لم يكن يعرف من القتيل، ولماذا امتلأ الحيّ بالسخط على وزارة الداخلية المتهمة باغتياله، لكنّه وجد فيهم ملاذاً لذلك الشغف الذي يراوده، تلك اللحى التي تزيّن وجوههم، وهذه القوة التي يواجهون بها الحكومات المرتدة، وذلك الإصرار على الحكم بشرع الله، والذي أغفله المسلمون لعقود، دون أن يعتصموا به.

انضم أسامة لذلك الجمع الرباني، لم يكن يعرف عنهم في ذلك الوقت سوى أنّهم "الجماعة الإسلامية"، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأنّ منهم من قضى نحبه في سبيل إعلاء راية الله، مثل علاء محي الدين، وأنّ منهم من ينتظر، امتدت الرحلة بين جدران دعوة الجماعة الإسلامية لأعوام، كان يبحث هو أيضاً عن الشهادة في سبيل الله، غير أنّ عضوية الجناح المسلح بالجماعة ليست سهلة المنال.

أسامة عثمان آخر أمراء الجماعة الإسلامية في حي المطرية

استمر الحلم طويلاً، حتى طرق بابه عضو الجماعة باسم خليل، يطلب مكاناً يختبئ فيه من ملاحقات الأمن، فقد اشتدت المحنة، وتفرقت السبل بالجميع، وانقطعت وسائل الاتصال بالقيادات، ولم يجد أسامة عثمان، وباسم خليل، وآخرون على نفس الدرب، سوى العمل بشكل فردي، حتى جاءت اللحظة المنشودة، ليطلب منه باسم خليل أن يفتح له سبيلاً للتواصل مع قيادات الجماعة، فهو على موعد مع تنفيذ عملية جهادية، ينتصر بها لإخوانه المطاردين، اشترط أسامة على باسم أن يشركه معه في العملية حتى دون أن يعرف تفاصيلها، وجاء ردّ باسم بالموافقة، غير أنّ الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، واعتقل أسامة قبل التنفيذ ببضعة شهور، وفي السجن جاءهم خبر محاولة اغتيال باسم خليل، ومجموعته للروائي نجيب محفوظ، فخرّ ساجداً، هو وإخوانه في المعتقل، وبكى أسامة فراق باسم خليل؛ الذي قتل أثناء مداهمة قوات الأمن لمقهى، اجتمع فيه باسم بالمجموعة المنفذة للعملية.

مرّت الأعوام، وخرج أسامة من المعتقل، بعد أن تبدّلت قناعته، وتغيرت أفكاره، ثم انتقل للعيش في هولندا، بعد تهديدات من أصدقاء الأمس، وبين اغتيال علاء محي الدين وبداية الرحلة، مروراً بمحاولة اغتيال نجيب محفوظ والمعتقل، نهاية بالاستقرار في أوروبا سيل من الحكايات، تحدّث عنه أسامة عثمان في حوار مع صحيفة "حفريات"، هنا الجزء الأول منه.

نجيب محفوظ

بدايات اللقاء

سيل من الذكريات لا يغادر ذهن أسامة عثمان، بدأ حديثه قائلاً: "أنحدر من أسرة صعيدية في جنوب مصر، تحديداً، محافظة قنا، قرية كرم عمران، نزح الجدّ في شبابه إلى القاهرة، في بداية أربعينيات القرن العشرين، وتزوج من جدتي، وهي من مركز قوص في محافظة قنا، كنّا نسكن حيَّ الزيتون، وبعد أعوام قرّر أبي الانتقال لحي المطرية".

عن بدايات اللقاء مع الجماعة الإسلامية، يحكي أسامة: "في بداية شهر أيلول (سبتمبر) من عام 1990 قتل أحد قيادات الجماعة الإسلامية، والمتحدث الرسمي لها، الطبيب علاء محي الدين، وهو من محافظة سوهاج، وكان جهاز أمن الدولة سبق أن طلب منه عدم النزول إلى القاهرة، لكنّه رفض أن ينفذ كلامهم، فهدّدوه بالقتل، فلم يستجب لتهديداتهم، وبالفعل نزل الدكتور علاء إلى القاهرة فتمّ اغتياله، وأصبحت الجماعة في حالة غليان وغضب لمقتل أحد قياداتها، واجتمعت في أحد المساجد الصغيرة، بجوار منزلنا، مجموعة من قيادات الجماعة الإسلامية، بأفراد الجماعة من المطرية والأميرية وعين شمس الغربية، وكان وقت الاجتماع صلاة العصر.

ألِّفت الأشعار في هذه الأحداث، وتمّ إنشادها وتسجيلها على شرائط مسجلة، وكنا نتداولها فيما بيننا، فتشحننا عاطفياً للثأر

نزل أخي لأداء صلاة العصر في هذا المسجد، فحضر معهم اللقاء، انتهى اللقاء، وتعرف مسؤول المطرية على أخي، وعرفه على باقي المجموعة، وتعاهدوا على زيارته عندنا، ومداومة الاتصال به، وفي فترة وجيزة صارحوه بحقيقة التنظيم، وبأنّهم جماعة تسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية عن طريق الجهاد ضدّ نظام الحكم بالعمل المسلح، وفي فترة وجيزة أيضاً، كان قد تعرف عليَّ، فعمل جاهداً أن يضمّني للجماعة الإسلامية، وكنت حينها منتمياً لجماعة الإخوان المسلمين.

أحضر لي أخي كتاباً عن وجوب إعفاء اللحية، فقرأته في مدة وجيزة، واقتنعت بفرضيتها، وبعدها واجهت أصدقائي من جماعة الإخوان المسلمين، بوجوب إطلاق اللحية، ولماذا لا يحافظون على هذه الشعيرة، فلم أجد إجابة مقنعة".

ذروة العمل المسلح

لا يجد أسامة عثمان تفسيراً لذلك الانجذاب الذي أحاطه تجاه الجماعة الإسلامية، يسعى جاهداً إلى إدراك ماهية ذلك، يقول: "لا أعرف ما الذي كان يدور بداخلي، كلّ ما أتذكره هو أنّني كنت أحسّ بطاقة جبارة، وكأنّها طوفان حطّم كلّ الحواجز، وانساب على الأرض يغيّر من معالمها، هذه الطاقة كانت تنقلني إلى عنان السماء، أرى من خلالها العالم صغيراً لا يساوي شيئاً، وأنّني قادر على تغييره، وتشكيله حسب رؤيتي للحياة، طاقة كانت تجعلني استعذب المجهود الذي أبذله في الدعوة، لضمّ أعداد جدد للجماعة، وفي دراسة الكتب الشرعية والفكرية التي يأتيني بها أصدقائي الجدد في الجماعة الإسلامية".

انضم أسامة عثمان لصفوف الجماعة الإسلامية فترة ذروة العمل المسلح، بعد تصعيد الجماعة مواجهتها ضدّ الدولة، على خلفية اغتيال المتحدث الإعلامي للجماعة علاء محي الدين، بعد أن طالبته الدولة بعدم السعي إلى نشر دعوة الجماعة الإسلامية في أحياء العاصمة، والاكتفاء بالعمل في قرى محافظات الصعيد، لم يرضخ علاء وأصدقاؤه: صفوت عبد الغني، وممدوح علي يوسف، ونشروا دعوتهم في أحياء المطرية وعين شمس الشرقية والغربية، بمحافظة القاهرة، وفي حيّ إمبابة والعمرانية بمحافظة الجيزة، وعن تلك الفترة يستكمل أسامة عثمان حديثه: "كان انضمامي للجماعة عام 1991 بعد اغتيال رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب، أصدرت الجماعة وقتها بياناً تعلن فيه مسؤوليتها عن الحادث بعنوان "اخترنا واختار الله"، أي أنّ الجماعة اختارت وزير الداخلية، لكنّ الله قدر لاختيار رفعت المحجوب، وبرّرت الجماعة فيه قتل رفعت المحجوب، لأنّه رفض تطبيق الشريعة الإسلامية عندما عرض عليه مناقشتها داخل مجلس الشعب".

تم تكفير الراحل فرج فودة، بحجة أنّه يرفض تطبيق الشريعة الإسلامية

مسجد آدم

وعن بداية الصدام بين الدولة والجماعة الإسلامية، يقول أسامة عثمان: "كانت الضربة الأمنية في عام 1988، تمّ فيها اقتحام مسجد آدم، وسقط قتلى في هذه الاشتباكات من أفراد الجماعة، وأصبحت هذه الأحداث إحدى وسائل حشد أفراد الجماعة للثأر من النظام، وألِّفت الأشعار في هذه الأحداث، وتمّ إنشادها وتسجيلها على شرائط مسجلة، وكنا نتداولها فيما بيننا، فتشحننا عاطفياً للثأر.

في منتصف عام 1991 تقريباً، وكان قد مرّ على بداية التزامي مع الجماعة الإسلامية حوالي ستة أشهر، أقامت الجماعة صلاة عيد الأضحى في منطقة عين شمس؛ متحدية بذلك رفض الأمن، وشاركتُ في هذه الصلاة، التي اقتحمتها قوات الأمن، وحدثت اشتباكات بين ضباط الشرطة وأفراد الجماعة، أظهر فيها بعض أفراد الجماعة شجاعة منقطعة النظير، فقد تصدّى أحد أفراد الجماعة للأمن بالسلاح الأبيض، مانعاً إياهم من دخول المسجد، ولم يرضخ لتهديد القوات بضربه بالنار".

"الحقيقة الغائبة" وضع البذرة الأولى في تحولي من الفكر السلفي المتخلف إلى العلمانية

تصعيد الجماعة الإسلامية مع الدولة، كان يسير بمحاذاته أيضاً اغتيال بعض الرموز الفكرية، بدأتها الجماعة باغتيال المفكر فرج فودة.

ينتقل أسامة هنا ليتحدّث عن المناظرة التي كانت سبباً في اغتيال فرج فودة: "في أحد أيام الدراسة، في الصف الثاني الثانوي، عام 1991؛ سمعنا أنّه سوف تعقد مناظرة مع المرحوم فرج فودة في معرض الكتاب، فتركنا اليوم الدراسي، وذهبنا لحضور المناظرة، وكان يناظره فيها الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي، وكانت بعنوان "مصر بين الدولة المدنية والدولة الدينية"، وكان الإخوان ساعتها يحشدون أتباعهم لهذه المناظرة، وكان حضورهم كثيفاً، لم أستطع وقتها دخول قاعة المحاضرة من شدة الزحام، وحتى الصوت بالخارج كان ضعيفاً، لكنّني علمت بعدها أنّه تم تكفير الراحل فرج فودة، بحجة أنّه يرفض تطبيق الشريعة الإسلامية، وعرفت مؤخراً أنّ الذي قام بتكفيره جبهة علماء الأزهر، التي يسيطر عليها الإخوان المسلمون.

في منتصف عام 1992، تحديداً في 8 حزيران (يونيو) 1992، تم اغتيال المفكر الشهيد الدكتور فرج فودة، تلقيت الخبر وقتها بسعادة بالغة، وهو حينها لم يمت مباشرة، بل نقل إلى المستشفى مصاباً في محاولة لإنقاذه، تابعت أخباره بشغف متمنياً موته، والخلاص منه، لأنّه أحد أعداء الإسلام،  فقد كنا نكرهه جداً في جماعات الإسلام السياسي عامة، ولم أكن أدري وقتها أنّني سأكون في يوم من الأيام أحد عشّاق كتاباته، ولم أكن أعلم أنّ كتابه "الحقيقة الغائبة"، الذي قرأته عام 1998، في أوج انتمائي للفكر السلفي، سوف يبهرني بأسلوبه، وجرأة أفكاره، وكيف أنّه وضع البذرة الأولى في تحولي من الفكر السلفي المتخلف إلى العلمانية، ولم أكن أعلم أيضاً أنني سوف أحضر حفل تأبينه الـعشرين في الجمعية المصرية للتنوير!".

(يتبع جزء ثانٍ)

الصفحة الرئيسية