السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ

السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ

مشاهدة

30/12/2019

كثيراً ما كان ينظر إلى السلفية في الشرق الأوسط على أنّها ثابتة وجامدة، بل وعنيفة جداً وإرهابية، وذلك منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، ضدّ الولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟
لكنّ هذا الافتراض يتجاهل "الأيديولوجيا الهادئة" التي تميّز العديد من الحركات السلفية في العالم العربي والإسلامي، ومنها المملكة الأردنية الهاشمية؛ فمن خلال التنقيب عن الحركة السلفية في الأردن، يقدّم لنا الباحث الهولندي يواس فجيمكرز (Joas Wagemakers)، أستاذ مساعد للدراسات الإسلامية والعربية في جامعه أوترخت – هولندا، والذي تركّز أبحاثه على السلفية، خاصة الأيديولوجيا السلفية، وجماعة الإخوان المسلمون وحماس، كتابه المعنون باسم "السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ" (Salafism in Jordan: Political Islam in a Quietist Community)، العام 2016، وهو الكتاب الثاني له عن السلفية في الأردن؛ حيث سبق له أن نشر كتاباً بعنوان "الجهادي الهادئ: أيديولوجيا وتأثير أبو محمد مقدسي" (كامبريدج، 2012).


يتألف الكتاب، وهذه أول مراجعة أولية له باللغة العربية، من 286 صفحة باللغة الإنجليزية، موزّعة على مقدمة وثلاثة أجزاء، كلّ منها يتضمّن مجموعة من الفصول.
في المقدمة تحدّث المؤلف باختصار عن تاريخ الأردن والإسلام فيه، ثمّ أكّد على عدم وجود أدبيات ودراسات متخصصة وعميقة كافية حول السلفية في الأردن رغم أهميتها، سواء باللغة العربية أو الإنجليزية، وأنّ هناك حاجة ملحّة للبحث والاشتغال على هذه القضية، ومع أنّه أشار إلى بعض كتابات الباحثين الأردنيين، مثل الباحثين حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان، إلا أنّه انتقد إنتاجهما بأنّه غير كافٍ وغير مُرضٍ أكاديمياً، خاصة أبو هنية، الذي وصفه بالصديق الشخصي.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟
الجزء الأول حول الأيديولوجيا؛ تناول فيه النشأة وتاريخ الحركة السلفية والتعريفات، والانتشار، والعقيدة السلفية، والمنهج السلفي، ووجهة نظرها لمفهومَي الإيمان والكفر، والانخراط في السياسة العامة، مؤكّداً أنّها "حركة اجتماعية مؤسسية طوباوية"، مثل الكثير من الحركات الاجتماعية الثقافية في العالم.

"السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ"
في هذا الجزء (ص 52) يُوضح المؤلف تعريفه لمفهوم "السلفية الهادئة" (Quietist salafis) بأنّه مبني على "منهج" هذه الجماعة، التي تعبّر عن غالبية الحركات السلفية في العالم القائم على "الدعوة" في المجتمع للاهتمام بدراسة الدين الإسلامي، والابتعاد عن السياسة والانخراط فيها، وهو ما عبّر عنه، كما هو معروف، شيخ السلفية، محمد ناصر الدين الألباني، بقوله المشهور: "من السياسة عندنا ترك السياسة".

ذهب المؤلف إلى أعمق قدر ممكن في فهم ديناميات "السلفية" ككل وتاريخ الذين يجسدونها

ومن هنا يتوضح للقارئ أنّ المؤلّف قصد بمفهوم "السلفية الهادئة"، برأيي، السلفية المحافظة أو التقليدية، التي كان يمثّلها الألباني وأتباعه في الأردن حالياً، رغم بعض الانقسامات والاجتهادات.
هذا ويُنظر إلى الجزء الأول من قبل عددٍ من المتابعين والنقاد في الغرب، على أنّه أفضل أجزاء الكتاب، ومن أفضل ما كتب عن السلفية، سواء في العالم أو الأردن؛ لذلك وُصف المؤلف، في بعض القراءات، بأنّه "أفضل متخصص وخبير في الحركات السلفية في العام"! وأعتقد أنّ في ذلك مبالغة كبيرة؛ لأنّ ما فعله المؤلف؛ أنّه جمع ودرس بشكلٍ علمي أكاديمي منظم كلّ ما كتب عن السلفية في الأردن، مستعيناً بخبراء في الحركات السلفية في الأردن، لكن مع فارق مهم وعميق؛ هو أنّ هؤلاء الخبراء، خاصة حسن أبو هنية ومروان شحادة وأسامة شحادة ومحمد أبو رمان، وغيرهم الكثير، كان ينقصهم حرية الحسّ النقدي والمنهجية العلمية الأكاديمية الصارمة والموضوعية، والتحرّر من الإكراهات الدينية والسياسية والاجتماعية، وحرية الوصول إلى المعلومات، التي تُميز نشاط الباحثين ومناهج البحث في الغرب على الغالب. 
فيما تناول الجزء الثاني تاريخ السلفية في الأردن، وتاريخها المتخطي للحدود، واتجاهاتها المختلفة وتطورها قبل استقرار الشيخ الألباني في الأردن، ودوره فيما أسماه المؤلف "السلفية الهادئة"، وعن فتنة السلفية في الأردن والصراعات الدائرة، وأزمة البحث عن القيادة و"مركز الأمام الألباني"، الذي يمثل الاتجاه الموالي للدولة الأردنية ضمن السلفية الهادئة، مقابل اتجاه آخر لا يختلف عنه كثيراً، لكنّه غير موالٍ للدولة بالمطلق.

"الجهادي الهادئ: أيديولوجيا وتأثير أبو محمد مقدسي"
ثمّ السلفية الأردنية في حقبة العولمة الحالية والإرهاب العالمي، خاصة بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ضدّ الولايات المتحدة الأمريكية، وما خلّفته من صراعات وانشقاقات واجتهادات ما تزال مستمرة حتى اليوم، وهنا نلاحظ عودة المؤلف إلى الخبراء الأردنيين المعروفين في هذا المجال، مثل: حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان.

صعود السلفية السياسية والجهادية ترافق مع الصعوبات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت الأردن

أما الجزء الثالث؛ فقد  خصّصه المؤلف للحديث عن صراع السلفيات في الأردن، وتحديداً صعود السلفية السياسية والسلفية الجهادية، التي ترافق ظهورها مع الصعوبات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت الأردن، داخلياً وخارجياً، والعلاقات الملتوية، والصراع بين الدولة، السلطة والسلفيات بين حالات المدّ والجذب، وتركيز السلفية الهادئة (التقليدية)، اليوم، على مبدأ "النقاء الأيديولوجي"، رغم كلّ ما يعترض هذا المبدأ من بعض التعارضات مع الدولة في الأردن، كما تحدّث عن أيديولوجيا "جماعة الكتاب والسنّة"، التي تعدّ اليوم من أكبر الجمعيات العاملة في الأردن والخارج في المجالات الإنسانية والإغاثة.
ومعلوم للمتابعين والخبراء (الأردنيين والعرب) في حقل السلفية في الأردن؛ أنّ حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان هما أفضل من كتب ودرس، تاريخياً وجينولوجياً، هذه العلاقة. 
إنّ ميزة الكتاب تتجلى في أنّ المؤلف استطاع النفاذ بسلاسة وعمق إلى التنوّع بين السلفيين المرتجفين حول مجموعه من القضايا الأيديولوجية والسياسية، خاصة علاقتهم بالدولة.
وهو يقدم تحليلاً مفصّلاً للسلفية المحافظة السلمية ككل، ويبين أيضاً كيف ولماذا السلفية الهادئة في الأردن، من خلال الميول الأيديولوجية والتطورات الأجنبية والصراعات الداخلية ومشاركة الدولة والسلطات، والتحديات اللاهوتية والاضطرابات الإقليمية تحولت من حركة مستقلة إلى مجتمع محلي سياسي.


ويعدّ الكتاب إضافة نوعية ودراسة شاملة ومعمقة عن السلفية من خلال النموذج الأردني؛ حيث ذهب المؤلف إلى أعمق قدر ممكن في فهم ديناميات "السلفية" ككل، مناقشاتها الداخلية، وقضاياها اللاهوتية والسياسية الرئيسة، وتاريخ الذين يجسدون تعبيرها الرئيس.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟
وهي مساهمة نحن في حاجة إليها لفهم ظاهرة عالمية النطاق، وتثير مسألة الاختلافات والقواسم المشتركة بين "السلفية المحافظة" و"الجهادية" والانتقال المحتمل بين الاثنين، لكنّها مميزة أيضاً في تحليل الفروق الدقيقة بين التيارات المختلفة للسلفية.

يعدّ الكتاب إضافة نوعية ودراسة شاملة ومعمقة عن السلفية من خلال النموذج الأردني

ويقدم الكتاب ثروة من المعلومات، ويبين كيف شكلت الأحداث، المحلية والإقليمية، على حدّ سواء، مواقف السلفيين المُستكينة وعلاقتهم بالدولة، ويضيف الكثير من العمق والوضوح إلى فهمنا للسلفية الهادئة (السلمية) في الأردن.
كما أنّه أكثر بكثير من كونه كتاباً عن تاريخ السلفية الهادئة في الأردن؛ ذلك أنّ الفصل الأول فيه، كما أسلفت، هو، في الواقع، أفضل مقدمة عن السلفية المحافظة أو السلمية التي يمكن العثور عليها في أيّ مكان. 
ولذلك من الضروري لطلاب الدراسات العليا والباحثين الأكاديميين المهتمين بسياسة الشرق الأوسط، والجماعات السلفية، والتطرف العنيف، والإرهاب العالمي، الاطلاع على هذه المساهمة الكبيرة في دراسات السلفية التي قامت بكشف الصور النمطية عن السلفية بشكل عام، وقدمت نظرة ثاقبة عن تطور الاتجاه الذي ما يزال مستمراً في السلفية الهادئة.
كما أنّ الكتاب يشكّل حافزاً للباحثين العرب والأردنيين للاهتمام بدراسة هذه الحركات بطريقة علمية وأكاديمية صارمة، رغم الكثير من العوائق والمنغصات في البحث والتحري، وألاّ يبقى هذا المجال من الدراسة حكراً على الغربيين يُنظّرون فيه علينا ونحن أصحاب الشأن والمسألة؛ فأهل مكة أدرى بشعابها.

الصفحة الرئيسية