السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ

السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ
3704
عدد القراءات

2019-12-30

كثيراً ما كان ينظر إلى السلفية في الشرق الأوسط على أنّها ثابتة وجامدة، بل وعنيفة جداً وإرهابية، وذلك منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، ضدّ الولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟
لكنّ هذا الافتراض يتجاهل "الأيديولوجيا الهادئة" التي تميّز العديد من الحركات السلفية في العالم العربي والإسلامي، ومنها المملكة الأردنية الهاشمية؛ فمن خلال التنقيب عن الحركة السلفية في الأردن، يقدّم لنا الباحث الهولندي يواس فجيمكرز (Joas Wagemakers)، أستاذ مساعد للدراسات الإسلامية والعربية في جامعه أوترخت – هولندا، والذي تركّز أبحاثه على السلفية، خاصة الأيديولوجيا السلفية، وجماعة الإخوان المسلمون وحماس، كتابه المعنون باسم "السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ" (Salafism in Jordan: Political Islam in a Quietist Community)، العام 2016، وهو الكتاب الثاني له عن السلفية في الأردن؛ حيث سبق له أن نشر كتاباً بعنوان "الجهادي الهادئ: أيديولوجيا وتأثير أبو محمد مقدسي" (كامبريدج، 2012).

يتألف الكتاب، وهذه أول مراجعة أولية له باللغة العربية، من 286 صفحة باللغة الإنجليزية، موزّعة على مقدمة وثلاثة أجزاء، كلّ منها يتضمّن مجموعة من الفصول.
في المقدمة تحدّث المؤلف باختصار عن تاريخ الأردن والإسلام فيه، ثمّ أكّد على عدم وجود أدبيات ودراسات متخصصة وعميقة كافية حول السلفية في الأردن رغم أهميتها، سواء باللغة العربية أو الإنجليزية، وأنّ هناك حاجة ملحّة للبحث والاشتغال على هذه القضية، ومع أنّه أشار إلى بعض كتابات الباحثين الأردنيين، مثل الباحثين حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان، إلا أنّه انتقد إنتاجهما بأنّه غير كافٍ وغير مُرضٍ أكاديمياً، خاصة أبو هنية، الذي وصفه بالصديق الشخصي.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟
الجزء الأول حول الأيديولوجيا؛ تناول فيه النشأة وتاريخ الحركة السلفية والتعريفات، والانتشار، والعقيدة السلفية، والمنهج السلفي، ووجهة نظرها لمفهومَي الإيمان والكفر، والانخراط في السياسة العامة، مؤكّداً أنّها "حركة اجتماعية مؤسسية طوباوية"، مثل الكثير من الحركات الاجتماعية الثقافية في العالم.

"السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ"
في هذا الجزء (ص 52) يُوضح المؤلف تعريفه لمفهوم "السلفية الهادئة" (Quietist salafis) بأنّه مبني على "منهج" هذه الجماعة، التي تعبّر عن غالبية الحركات السلفية في العالم القائم على "الدعوة" في المجتمع للاهتمام بدراسة الدين الإسلامي، والابتعاد عن السياسة والانخراط فيها، وهو ما عبّر عنه، كما هو معروف، شيخ السلفية، محمد ناصر الدين الألباني، بقوله المشهور: "من السياسة عندنا ترك السياسة".

ذهب المؤلف إلى أعمق قدر ممكن في فهم ديناميات "السلفية" ككل وتاريخ الذين يجسدونها

ومن هنا يتوضح للقارئ أنّ المؤلّف قصد بمفهوم "السلفية الهادئة"، برأيي، السلفية المحافظة أو التقليدية، التي كان يمثّلها الألباني وأتباعه في الأردن حالياً، رغم بعض الانقسامات والاجتهادات.
هذا ويُنظر إلى الجزء الأول من قبل عددٍ من المتابعين والنقاد في الغرب، على أنّه أفضل أجزاء الكتاب، ومن أفضل ما كتب عن السلفية، سواء في العالم أو الأردن؛ لذلك وُصف المؤلف، في بعض القراءات، بأنّه "أفضل متخصص وخبير في الحركات السلفية في العام"! وأعتقد أنّ في ذلك مبالغة كبيرة؛ لأنّ ما فعله المؤلف؛ أنّه جمع ودرس بشكلٍ علمي أكاديمي منظم كلّ ما كتب عن السلفية في الأردن، مستعيناً بخبراء في الحركات السلفية في الأردن، لكن مع فارق مهم وعميق؛ هو أنّ هؤلاء الخبراء، خاصة حسن أبو هنية ومروان شحادة وأسامة شحادة ومحمد أبو رمان، وغيرهم الكثير، كان ينقصهم حرية الحسّ النقدي والمنهجية العلمية الأكاديمية الصارمة والموضوعية، والتحرّر من الإكراهات الدينية والسياسية والاجتماعية، وحرية الوصول إلى المعلومات، التي تُميز نشاط الباحثين ومناهج البحث في الغرب على الغالب. 
فيما تناول الجزء الثاني تاريخ السلفية في الأردن، وتاريخها المتخطي للحدود، واتجاهاتها المختلفة وتطورها قبل استقرار الشيخ الألباني في الأردن، ودوره فيما أسماه المؤلف "السلفية الهادئة"، وعن فتنة السلفية في الأردن والصراعات الدائرة، وأزمة البحث عن القيادة و"مركز الأمام الألباني"، الذي يمثل الاتجاه الموالي للدولة الأردنية ضمن السلفية الهادئة، مقابل اتجاه آخر لا يختلف عنه كثيراً، لكنّه غير موالٍ للدولة بالمطلق.

"الجهادي الهادئ: أيديولوجيا وتأثير أبو محمد مقدسي"
ثمّ السلفية الأردنية في حقبة العولمة الحالية والإرهاب العالمي، خاصة بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ضدّ الولايات المتحدة الأمريكية، وما خلّفته من صراعات وانشقاقات واجتهادات ما تزال مستمرة حتى اليوم، وهنا نلاحظ عودة المؤلف إلى الخبراء الأردنيين المعروفين في هذا المجال، مثل: حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان.

صعود السلفية السياسية والجهادية ترافق مع الصعوبات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت الأردن

أما الجزء الثالث؛ فقد  خصّصه المؤلف للحديث عن صراع السلفيات في الأردن، وتحديداً صعود السلفية السياسية والسلفية الجهادية، التي ترافق ظهورها مع الصعوبات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت الأردن، داخلياً وخارجياً، والعلاقات الملتوية، والصراع بين الدولة، السلطة والسلفيات بين حالات المدّ والجذب، وتركيز السلفية الهادئة (التقليدية)، اليوم، على مبدأ "النقاء الأيديولوجي"، رغم كلّ ما يعترض هذا المبدأ من بعض التعارضات مع الدولة في الأردن، كما تحدّث عن أيديولوجيا "جماعة الكتاب والسنّة"، التي تعدّ اليوم من أكبر الجمعيات العاملة في الأردن والخارج في المجالات الإنسانية والإغاثة.
ومعلوم للمتابعين والخبراء (الأردنيين والعرب) في حقل السلفية في الأردن؛ أنّ حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان هما أفضل من كتب ودرس، تاريخياً وجينولوجياً، هذه العلاقة. 
إنّ ميزة الكتاب تتجلى في أنّ المؤلف استطاع النفاذ بسلاسة وعمق إلى التنوّع بين السلفيين المرتجفين حول مجموعه من القضايا الأيديولوجية والسياسية، خاصة علاقتهم بالدولة.
وهو يقدم تحليلاً مفصّلاً للسلفية المحافظة السلمية ككل، ويبين أيضاً كيف ولماذا السلفية الهادئة في الأردن، من خلال الميول الأيديولوجية والتطورات الأجنبية والصراعات الداخلية ومشاركة الدولة والسلطات، والتحديات اللاهوتية والاضطرابات الإقليمية تحولت من حركة مستقلة إلى مجتمع محلي سياسي.

ويعدّ الكتاب إضافة نوعية ودراسة شاملة ومعمقة عن السلفية من خلال النموذج الأردني؛ حيث ذهب المؤلف إلى أعمق قدر ممكن في فهم ديناميات "السلفية" ككل، مناقشاتها الداخلية، وقضاياها اللاهوتية والسياسية الرئيسة، وتاريخ الذين يجسدون تعبيرها الرئيس.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟
وهي مساهمة نحن في حاجة إليها لفهم ظاهرة عالمية النطاق، وتثير مسألة الاختلافات والقواسم المشتركة بين "السلفية المحافظة" و"الجهادية" والانتقال المحتمل بين الاثنين، لكنّها مميزة أيضاً في تحليل الفروق الدقيقة بين التيارات المختلفة للسلفية.

يعدّ الكتاب إضافة نوعية ودراسة شاملة ومعمقة عن السلفية من خلال النموذج الأردني

ويقدم الكتاب ثروة من المعلومات، ويبين كيف شكلت الأحداث، المحلية والإقليمية، على حدّ سواء، مواقف السلفيين المُستكينة وعلاقتهم بالدولة، ويضيف الكثير من العمق والوضوح إلى فهمنا للسلفية الهادئة (السلمية) في الأردن.
كما أنّه أكثر بكثير من كونه كتاباً عن تاريخ السلفية الهادئة في الأردن؛ ذلك أنّ الفصل الأول فيه، كما أسلفت، هو، في الواقع، أفضل مقدمة عن السلفية المحافظة أو السلمية التي يمكن العثور عليها في أيّ مكان. 
ولذلك من الضروري لطلاب الدراسات العليا والباحثين الأكاديميين المهتمين بسياسة الشرق الأوسط، والجماعات السلفية، والتطرف العنيف، والإرهاب العالمي، الاطلاع على هذه المساهمة الكبيرة في دراسات السلفية التي قامت بكشف الصور النمطية عن السلفية بشكل عام، وقدمت نظرة ثاقبة عن تطور الاتجاه الذي ما يزال مستمراً في السلفية الهادئة.
كما أنّ الكتاب يشكّل حافزاً للباحثين العرب والأردنيين للاهتمام بدراسة هذه الحركات بطريقة علمية وأكاديمية صارمة، رغم الكثير من العوائق والمنغصات في البحث والتحري، وألاّ يبقى هذا المجال من الدراسة حكراً على الغربيين يُنظّرون فيه علينا ونحن أصحاب الشأن والمسألة؛ فأهل مكة أدرى بشعابها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الخلافة وسلطة الأمة": لماذا غابت تفاصيلها في النصوص الشرعية؟

2020-01-13

تحتلّ قضية الخلافة الإسلامية ركناً أساسياً في مشروع التيارات الإسلامية، وقد تجسّدت الفكرة بالفعل في الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)؛ حيث أعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة على تلك الدويلة، في 29 حزيران (يونيو) 2014، وسرعان ما بايعته أغلب الجماعات الجهادية المتطرفة.

اقرأ أيضاً: هل كانت الدولة العثمانية فردوس الخلافة المفقود؟
ارتكب تنظيم داعش من الجرائم ما لا حصر له، من تنكيل واغتصاب واضطهاد للأقليات الخاضعة لسيطرته، كما فعل مع الأقلية الأزيدية، وسرعان ما انهارت تلك الدويلة، وإن توقعت سيناريوهاتٌ عودتَها مجدداً، فحلم الخلافة الإسلامية الطوباوي لم يغب عن مخيلة الإسلاميين للحظة، والخلافة الإسلامية في مخيالهم السياسي هي الكلمة السحرية لحلّ الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الهيكلية عبر التطبيق الصارم للشريعة الإسلامية.

غلاف الكتاب
ليست فكرة بعث الخلافة الإسلامية وليدة اليوم، لكنّها فكرة تبنّاها المشروع الإسلامي بعيد إلغاء الزعيم التركي الراحل، كمال مصطفى أتاتورك، للخلافة العثمانية، العام 1923، وقد تصارعت الممالك العربية على من يخلف الدولة العثمانية على إمارة المسلمين، في حين لم تستسغ قطاعات من المسلمين غياب الخلافة ولو كانت صورية، مثلما تجسدت في الدولة العثمانية، وظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 بعد سقوط الخلافة بعدة أعوام، كانعكاس لتلك الأزمة التي ألمّت بقطاعات مغتربة في مجتمع استعمرته بريطانيا ودمجت فيه أقليات أجنبية عديدة ففرضت ثقافاتها وقيمها.

لم تغب فكرة الخلافة عن مخيلة الإسلاميين للحظة وفي مخيالهم السياسي هي الكلمة السحرية لحلّ كل الأزمات

وكتاب "الخلافة وسلطة الأمة" هو كتاب، أو بيان، المجلس الكبير الوطني التركي، الصادر بعد سقوط الخلافة؛ أي العام 1924، والقاضي بفصل السلطنة عن الخلافة، ونقله عن التركية عبد الغني سني بك (السكرتير العام لولاية بيروت حينها ومتصرف اللاذقية سابقاً)، وله طبعة صدرت عن دار النهر المصرية، العام 1995، قدّم لها المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، وألحق بها نصّ محاضرة للشيخ علي عبد الرازق، بعنوان "الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة"، ألقاها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في آذار (مارس) 1932، ثم أعقبها بنصّ بيان المجلس الكبير الوطني بأنقرة.
في مقدمة الكتاب يتناول أبو زيد السياق الراهن للإشكالية، مؤكداً أنّ سؤال الخلافة لم يختفِ من الفكر الإسلامي الحديث، وإن استبدل بالحديث أحياناً عن الأمة الإسلامية التي تتجاوز الحدود السياسية والقومية، وفي رسالة المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين، العام 1938، ورد تحت عنوان "الإخوان المسلمون والخلافة": "الإخوان يعتقدون أنّ الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنّها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله"، وتصف الوثيقة الخليفة بأنّه "الإمام الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظلّ الله في الأرض".

ثمّ يقدم أبو زيد قراءة نقدية في تحولات مشروع المفكر الإسلامي المصري محمد عمارة، الذي بدأ مشواره باحثاً مستنيراً محققاً لكتب رواد التنوير في مصر والعالم العربي، مثل: كتب رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، حتى علي عبد الرازق، قبل أن يصبح مدافعاً صلباً عن المشروع الإسلامي، ومهاجماً شرساً لكلّ رواد التنوير، ففي المرحلة الأولى تناول عمارة أزمة الشيخ علي عبد الرازق، باعتبارها أزمة سياسية، واصفاً عبد الرازق بأنّه امتداد متطور للشيخ محمد عبده في الإصلاح الديني، وأنّه اهتمّ بإعادة نشر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بدافع وصل الحاضر الذي نعيشه والمستقبل المأمول بأكثر هذه الصفات إشراقاً وأعظمها غنى، وتعلم الشيء الكثير من شجاعة هؤلاء الذين اجتهدوا وقالوا ما يعتقدون، صواباً كان الذي قالوه أو خطأ، دونما رهبة من "الذات المصونة" التي تربعت على العرش في بلادنا، قبل تموز (يوليو) العام 1952، ولكن بعد تحول عمارة إلى المشروع الإسلامي أصبح الكتاب نفسه يخدم أهداف الاستعمار الغربي في محاولته للقضاء على الخلافة، سعياً إلى علمنة المجتمعات الإسلامية بتفريغها من مضمونها الحضاري والثقافي، وإلحاقها بالمشروع الحضاري الغربي!

سؤال الخلافة لم يختفِ يوماً وإن استبدل بالحديث أحياناً عن الأمة الإسلامية التي تتجاوز الحدود السياسية والقومية

ألحق أبو زيد نص محاضرة للشيخ علي عبد الرازق "الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة"، حيث اقتبس عمارة عبارةً من المحاضرة صرّح فيها عبد الرازق بأنّ "الحكم بغير ما أنزل الله كفر صريح في القرآن"؛ ما بدا غريباً على أفكار عبد الرازق ولكن سياق حديث الأخير جاء مخالفاً تماماً عما تعمد عمارة الذي أراد أن يصف صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بالردة عن أفكاره مما دفع أبو زيد لوصف عمارة بالتدليس.
ينقسم كتاب "الخلافة وسلطة الأمة" إلي مقدمة وتمهيد للمترجم ومقدمة الكتاب وقسمين، يضم القسم الأول تعريفاً بالخلافة وإيضاحها، وتقسيم الخلافة وشروطها، والتدقيق في شرط القرشية، وكيفية اكتساب الخلافة وكونها نوعاً من الوكالة، والغاية من الخلافة ووظيفتها وتبعاتها، ومسؤولية الخليفة، والولاية العامة وسلطة الأمة، كما يضم القسم الثاني تقييد حقوق الخلافة وتفريق السلطنة عن الخلافة، ثم النتيجة، وأخيراً الخاتمة.

اقرأ أيضاً: الإسلام وأصول الحكم: كيف نظر علي عبد الرازق إلى الخلافة؟ ‎
يوضح البيان أنّ مسألة الخلافة من المسائل الفرعية والفقهية، ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة، ولا علاقة لها بالاعتقاد، فهي ليست من الأمور الاعتقادية، وقد بحث علماء السنّة بحثاً مستفيضاً لإبطال الأفكار الباطلة وردّ الخرافات التي أحاطت بالمسألة أخيراً، تحت عنوان "مبحث الإمامة" للردّ على مذاهب الخوارج والإمامية والإسماعيلية إذ تطرّفت في إنكار تعيين خليفة مثل الخوارج، أو بالغت في تقديس الأئمة مثل الإمامية والإسماعيلية، ويقرّ البيان بأنّ مسألة الخلافة مسألة دنيوية وسياسية، وأنّها من مصلحة الأمة نفسها مباشرة؛ لذا غابت التفاصيل بشأنها في النصوص الشرعية، ولو كانت من الأمور الرئيسة في الدين لذكرها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم، ووضّحها وجلّاها، فقد ظلّ  نبي الأمة  يضع السنن لأمته حتى قبيل وفاته، كما أنّ طريقة انتقال السلطة اختلفت من خليفة لآخر من الخلفاء الراشدين قبل أن تصبح ملكاً عضوضاً مع الدولة الأموية.

يقسم البيان الخلافة إلى نوعين، هما: الخلافة الكاملة، والخلافة الصورية؛ والخلافة الكاملة هي الحاصلة بانتخاب الأمة وبيعتها بطوعها ورضاها، أما الصورية؛ فهي التي نالها صاحبها بالقهر والجبر بدون انتخاب الأمة وبيعتها وبدون توافر شروط الخلافة فيه، وتعدّ الخلافة نوعاً من عقد الوكالة من جهتين: فهي خلافة النبوة وخلافة الأمة؛ فالخليفة نائب للنبي الأكرم، وهو وكيل للأمة التي يجوز لها عزله إذا أساء العمل في وظيفته، وبما أنّ الخلافة نوع من الوكالة، فتجري فيها أحكام الوكالة مثل أنّها لا تورَّث، وغاية الحاكم تحقيق العدالة في المجتمع، وتوزيعها وصون حقوق المسلمين وتأمين سعادتهم.

مسألة الخلافة من المسائل الفرعية والفقهية ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة ولا علاقة لها بالاعتقاد

يستطرد البيان في شرح الخطّ الفاصل بين الخلافة الكاملة، التي تحققت في عهد الخلافة الرشيدة، والخلافة الصورية التي تمكنت من الأمة الإسلامية في العصر الأموي والعباسي، وانتهاء بالسلطنة العثمانية؛ حيث اتسمت الخلافة الصورية بالقهر والقمع وغياب الشورى، فكانت سبباً في تردّي أحوال الأمة الإسلامية، واستناداً إلى حقّ المسلمين في إلغاء البيعة إذا فسد الخليفة، باعتباره وكيل الأمة، يحقّ للأمة نقض البيعة ونقل السلطة إلى من يستحق بناء على الكفاءة والقدرة على تحقيق غايات الخلافة.
سعى الكتاب إلى وضع مسألة الخلافة في سياقها التاريخ، وإبعادها عن مجال المخيال السياسي الإسلامي الذي ما يزال يرى أنّها واسطة العقد،  ورغم مرور ما يقرب من قرن على البيان فصعود التيارات السلفية الجهادية، في وقتنا الحالي، يستدعي مناقشة حقيقية لمسألة الخلافة وسلطة الأمة.

للمشاركة:

هل تمتلك الحركات الإسلامية رؤية تختلف عن الإخوان؟

2020-01-05

استقطبت دراسة الحركات الإسلامية منذ السبعينيات من القرن الماضي اهتمام العديد من الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، محلياً ودولياً، وتعددت الآراء حولها بتعدد إشكالياتها وملابساتها، وتنوعت المواقف منها بتنوع أسمائها وغاياتها وآليات عملها، ومدى اندراجها في الحركية الاجتماعية العامة للمجتمعات التي نشأت فيها، أو انفرادها وانفلاتها منها.

يتعذر عزل مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية وفصل السياسة والدين عن الظروف التي تعيشها داخل بلدانها

فثمة من اعتبر الظاهرة صحوة إسلامية، وثمة من اعتبرها جزءاً من المشروع العولمي الأمريكي المتفرد بالهيمنة على العالم بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وسواد القطب الواحد في بناء الجيوبوليتكا العالمية الجديدة ورداً على اشتداد تأثير الهيمنة الأمريكية على العالم العربي والإسلامي في آن، وهناك مَن رأى في عودة التدين وعودة الدين الإسلامي إلى قلب الصراعات الاجتماعية  والسياسية  تعبيراً عن فشل السياسات التنموية للدولة الحديثة "العلمانية" التي آلت إلى استبداد سياسي سافر وسلطات شمولية سدت المجال العام أمام أي مشاركة سياسية حقيقية لقوى المجتمع في الشأن العام، ودفعت باتجاه التطرف والعنف.

غلاف الكتاب
وآخرون رأوا فيها حركات اجتماعية تخضع لقانون التطور وتحمل خصوصيات المجتمعات التي نشأت فيها، تتأثر ببيئتها وتؤثر فيها، وهي بالتالي حركات غير متجانسة تختلف مرجعياتها وأيديولوجياتها وأساليب عملها عن بعضها البعض رغم تشابه الأهداف والغايات الأخيرة المتمثلة في أسلمة المجتمع وبناء الدولة الإسلامية أو استعادة دولة الخلافة. فيما اعتبرها آخرون نسخاً مستنسخة تستقي من مرجعية واحدة، أو مجرد تنويعات على النموذج الأصل تعود إلى أصل واحد هو الإخوان المسلمون في الوسط السنّي، أو الحركة السياسية الدينية في إيران أو غيرها.

اقرأ أيضاً: كيف يقرأ باحثو الحركات الإسلامية تجربة جماعاتهم؟
تضمن كتاب "الحركات الإسلامية والديمقراطية: دراسات في الفكر والممارسة" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بين دفتيه جملة من الآراء حول الظاهرة الإسلامية قدمها مجموعة من الباحثين العرب المهتمين بهذا المجال أو المتخصصين به، وتوزعت على ست عشرة دراسة بحثية تركزت في ثلاثة محاور رئيسية هي: الإسلام والسياسة، الحركات السياسية الإسلامية، المستقبل. 

يعالج كتاب "الحركات الإسلامية والديمقراطية" الظاهرة الإسلامية ضمن ثلاثة محاور رئيسية: الإسلام والسياسة والحركات السياسية الإسلامية والمستقبل

وتشكل تلك الدراسات بتكاملها إحاطة وافية تسهم في التعريف بالظاهرة الإسلامية وتتبع مساراتها الفكرية، وفهم إشكالياتها من خلال وجهات نظر متعددة وانحيازات أيديولوجية ومرجعيات فكرية مختلفة يجمع بينها الميل نحو الموضوعية ودقة البحث العلمي في الدراسات التطبيقية والمقارنة. ونظراً لسعة الكتاب وتعذر إنصاف جميع المشاركين فيه في هذا الهامش المتاح، سنلجأ إلى استعراض المحاور دون التفصيل في الفصول رغم أهمية ذلك.
تركزت دراسات  المحور الأول على محاولة التفريق بين علاقة الإسلام بالديمقراطية، وعلاقة المسلمين بالديمقراطية، كما عبر عنها الباحث الإسلامي فهمي هويدي، وشاركه بذلك الباحث السعودي زكي أحمد، حيث إنّ العلاقة الأولى لا تشترط أن تقوم على التنافي والتضاد بقدر ما تقوم على التمايز والخصوصية بين منهجين ومشروعين حضاريين يشتركان في بعض القيم الأساسية والمثل العليا، بينما العلاقة الثانية مسكونة بالالتباس ومثقلة بعبء التاريخ والذاكرة؛ إذ ظل الغرب في الذاكرة الإسلامية مقترناً بالقهر والاستعمار ومرادفاً للفساد الأخلاقي حيناً وللكفر أحياناً أخرى.
لذلك التبس الموقف من الديمقراطية وصار رفضها رفضاً للمشروع الغربي الذي تمثله، والذي مارس الذل والقهر بحق العرب والمسلمين. وما أن ينفك الالتباس بين التجربة الديمقراطية والسياسة الاستعمارية للدول الغربية حتى ينفك الاشتباك مع الديمقراطية، بل مع المشروع الليبرالي الغربي عموماً.

وقد ألمحَ أكثر من باحث إلى أنّ إشكالية علاقة الإسلام بالديمقراطية ليست بنت اليوم، إنما هي إشكالية قديمة قدم النهضة الإسلامية، وقد حفلت مؤلفات ومواقف مفكري النهضة بالكثير من الاجتهادات المهمة في مقاربة مفهوم الديمقراطية من مفهوم الشورى الإسلامي، ولم يجدوا حرجاً من التوفيق بين المفهومين ولا حتى في استعمال اللفظ الغربي للمفهوم.

اقرأ أيضاً: هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي
لكن الإشكالية ما تزال تطرح ويعاد طرحها مع كل أزمة أو توتر جديد في علاقة الشرق العربي والإسلامي بالغرب من جهة، ومع الأزمات والاختناقات السياسية الداخلية التي تمر بها البلدان العربية من جهة ثانية؛ فلا يمكن الحديث عن مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية وفصل السياسة عن الدين دون النظر إلى الظروف التي تعيشها تلك الحركات داخل بلدانها، وإلى شكل الدولة ونوع علاقة السلطات الحاكمة بشعوبها والتي لم تقدم نموذجاً ديمقراطياً يمكن الحكم من خلاله على ديمقراطية الآخرين، سواء أكانوا إسلاميين أم علمانيين، كما أنّ الدول الغربية نفسها لم تقدم نموذجاً ناصعاً للديمقراطية في تعاملها مع شعوب العالم الثالث.

كثير من العلمانيين والأصوليين كل منهما يفكر في الصلة بين الدين والسياسة تفكيراً لاتاريخياً

كما يميل العديد من المساهمين في البحث، كزكي أحمد وسيف الدين عبد الفتاح إسماعيل مثلاً،  إلى عدم النظر إلى الحركات الإسلامية ككتلة واحدة صماء، إنّما إلى التفريق بين تياراتها ومواقفها المختلفة من المشاركة السياسية ويرون أنّ ثمة تغيراً في مواقف العديد من تلك التيارات بحسب الظروف السياسية لبلدانها؛ فمنهم من بات يتبنى الديمقراطية صراحة، ومن تلك التيارات من لا يرفضها رفضاً قاطعا، أو يقبلها قبولاً مشروطاً رغم إصراره على المرجعية الإسلامية والشريعة الإسلامية والدولة الإسلامية، لكنه يقبلها مقابل الديكتاتورية والحكم الفردي التسلطي على الأقل، ومنها ما يزال متصلباً عند مفهوم "الحاكمية" والدولة الدينية ويقف موقف الرفض والعداء من الديمقراطية باعتبارها ليست من الإسلام ولا تلتقي مع قيمه ومبادئه وأنّ العلاقة بينهما علاقة تعارض وتناقض دائم، ولا يعني القبول بها غير قبول المغلوب بثقافة الغالب.
ومن الضروري التمييز بين هذه الحركات السياسية المتطرفة التي باتت تحتل صورة المشهد الإسلامي بغايات إعلامية غير بريئة وبين الحركية الإسلامية بشكل عام؛ حيث أصبح الفكر الإسلامي رديفاً للاستبداد والتسلط السياسي، والنظام السياسي الإسلامي قريناً للتعصب الديني فيما كان تاريخه الطويل تاريخ التسامح والتعايش.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟
ويُحمّل الباحث لؤي صافي المسؤولية في ذلك للفكر العلماني والفكر الإسلامي المعاصر على السواء؛ "فالأول قد أسقط نتائج التجربة الغربية على الفكر التاريخي الإسلامي، فيما حاول الثاني إعادة تشكيل المحتوى المعرفي الموروث باستخدام قوالب فكرية مستعارة من تجربة أخرى" كما فعل المودودي وغيره.

في حين تتطلب عملية تطوير نموذج سياسي مناسب للبنى السياسية والاجتماعية المعاصرة الجمع بين مقتضيات الانتماء الحضاري إلى الثقافة الإسلامية ومتطلبات تطوير نظام سياسي قادر على الاستجابة لتحديات الحاضر وتلبية احتياجات المستقبل.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية
أما في واقع الحال، كما يشير الباحثان عبد الإله بلقزيز وبرهان غليون، فقد ذهب العلمانيون في اتجاه تبني نماذج العلمنة الغربية الشاملة ووجوب إقرار نظام الدولة العلمانية وكأنّ الدول العربية تعيش في كنف الدولة الدينية على مثال دولة الكنيسة في الغرب التي أوجبت قيام نقيضها في أوربا النهضة، في حين ذهب الأصوليون للحديث عن ضرورة إخضاع الدولة للدين وإقامتها على أركان الشريعة وكأن الدولة العربية القائمة دولة علمانية حقيقية على مثال الدولة الأوروبية.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية
وجوهر المفارقة لدى كلا الطرفين أنّ كلاً منهما يفكر في الصلة بين الدين والسياسة تفكيراً لا تاريخياً، فلا الدولة الحديثة الناشئة بعد الاستقلال تخلت عن الشريعة الإسلامية ورعاية الدين والمؤسسات الدينية، ولا التاريخ الإسلامي شهد قيام دولة دينية تقوم على دمج المجال الديني بالمجال السياسي، إنما كانت الدولة تستخدم الدين استخداماً أيديولوجياً لإضفاء الشرعية على السلطة وتجند الفقهاء لأداء دور الشرعنة، أما هاجس علمنة الدولة عند العلمانيين فقد تضخم في مقابل تضخم هاجس أسلمة الدولة والمجتمع مع صعود الحركات الإسلاموية ومجاهرتها في إعادة إخضاع السياسي للديني.
الحركات الإسلامية والمستقبل
يتميز القسم الثاني من الكتاب بتركزه على الجانب التطبيقي عبر مجموعة من الدراسات والتحليلات المقارنة في رصد التغيرات والتحولات في الغايات والأهداف، والوسائل والآليات العملية، التي طرأت على الفكر الإسلامي الحركي شدد الباحثون فيها بمجملهم كما في المحور السابق على ربط الظاهرة الدينية الإسلامية بالظروف الزمانية والمكانية التي نشأت فيها، وعلى مدى اتساع المجال العام أو ضيقه في البلد الذي تنشط فيه الحركة ونوع علاقتها بالسلطة الحاكمة والقوى السياسية الأخرى ضمن هذا المجال، والتركيز على تعدد تياراتها واختلاف مرجعيات تلك التيارات عن بعضها البعض، والتقليل بالتالي من حجم وتأثير التيارات العنفية والجهادية التي نشأت في ما تسميه "زمن المحنة" وما زالت تعيش ذاكرة وهواجس ذلك الزمن.

الحركة الإسلامية بفصائلها المتعددة لا تمتلك حتى اليوم رؤية علمية واستراتيجية للنظام الدولي سوى رؤية الإخوان للعالم

فقد حاول الباحث الكويتي عبدالله النفيسي في ما سماه "محاولة تقويمية" بعد أن أسهب في تحليل نشوء الفكر الحركي الإسلامي تلمس الفروق بين المرحلة الدعوية والنشاط الجماهيري في نشأة حركة الإخوان المسلمين والفكر التنظيمي الذي تميز به مؤسسها حسن البنا وبين المرحلة القطبية والمراحل اللاحقة في الحركة نفسها، وبينها وبين الحركات المتولدة منها، وكذلك بينها وبين حزب التحرير الذي أسسه النبهاني واتخذ العمل الفكري والتثقيفي وسيلة لنشاطه وهدفه في إقامة الدولة الإسلامية، وبينها وبين جماعة الجهاد الإسلامي وجماعة التكفير والهجرة اللتين شكلت أفكار سيد قطب أهم الأطر المرجعية والمصدرية لهما في الاستعلاء على المجتمع "مجتمع الجاهلية"وضرورة انعزاله وهجره واستبداله بمجتمع الحزب المثالي، واعتبار القبول بالعمل السياسي بمشاركة الآخرين بمثابة منح الشرعية لدولة الكفر.

اقرأ أيضاً: العنف في بنية الحركات الإسلامية (1).. إذ يلبس لباس القداسة
كما يشير النفيسي إلى تحول حزب الدعوة العراقي الشيعي إلى تبني مقولة "ولاية الفقيه" بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ودعمها للحركات والأحزاب الإسلامية علماً أنّ الحزب قد تأسس قبلها بعامين على الأقل. 
وقد عبر الباحث التونسي خالد شوكات في دراسته عن ذلك بغياب الوعي التاريخي والواقعي لدى الحركات الإسلامية الذي أوقعها في التطرف والعنف والانعزال و"الوقوع في منطق "الفرقة الناجية" المتجدد بصيغ حاضرة، على عمقه التاريخي ورسوخه في المخيال الاجتماعي؛ فالحركة الإسلامية بفصائلها المتعددة لا تمتلك حتى اليوم رؤية علمية واستراتيجية للنظام الدولي سوى رؤية الإخوان للعالم ما قبل الحرب العالمية الثانية، وكيف لمن لا يملك تصوراً لماهية هذا الخارج  ومكوناته وبرامجه أن يواجه ممانعته وتدخله؟".

فيما ذهبت دراسات أخرى أكثر تفاؤلاً إلى استخلاص المتغيرات الإيجابية في تحولات الحركة الإسلامية من خلال المراجعات النقدية والتقويم الداخلي التي تشهدها منذ أواخر الثمانينيات كما بين ذلك الباحث زكي أحمد في رصده (لتحول الحركة الإسلامية من السرية إلى العلنية، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن العمل الذاتي الداخلي إلى الكسب الاجتماعي العام)، ويتلمس الباحث إيجابية ذلك التحول من خلال تغير الموقف من الرأي الآخر من المقاطعة نحو الحوار، والموقف من الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية التي باتت تطرح بوتيرة متصاعدة ومكثفة في الخطاب الإسلامي المعاصر، وتوجه غالبية الحركات الإسلامية نحو رفض العنف والتشدد والميل نحو الاعتدال والمرونة، وقبولها التحول إلى حزب سياسي والتنازل عن العنوان الإسلامي وحذفه من اسم الحركة كاستجابة براغماتية لمتغيرات الظروف السياسية المحلية والدولية.

اقرأ أيضاً: العنف في بنية الحركات الإسلامية (2).. الاستعلاء الإيماني
لكن في مقابل هذه الرؤية الإيجابية ثمة دراسات ذهبت في اتجاه مختلف ترى أنّ واقع الحركات الإسلامية ونشاطها السياسي وخلافاً لما يراه البعض من أنّه مظهر إيجابي ودليل عافية وصحة  يعبر عن صحوة إسلامية، هو واقع لا يشي إلا بمستقبل أشد سوداوية من الحاضر وبنتائج أكثر كارثية ومأساوية منه؛ فقد ذهب الباحث السوري علي نوح في استخلاصه أنّ ما نشهده اليوم من انتشار المد الديني هو انتكاسة جديدة تعبر عن هروب الإنسان العربي من الواقع المؤلم نحو الماضي وليس صحوة بقدر ما هو "حيلة المفلس في التفتيش في جيوب الماضي"؛ لأنّ هذه العودة تفتقد إلى الأسس العقلانية التي تجعل منها صحوة حقيقية تجعل الإنسان العربي بمستوى الشعوب المتمدنة حتى يتمكن من مشاركة الآخرين في صنع الحضارة.

للمشاركة:

الإسلام السياسي: كيف تحولت آراء الفقهاء السياسية إلى "شريعة"؟

2019-12-26

مثّلت الدولة أول مشكلة حاول المُفكرون المُسلمون التنظير بشأنها، حتى أنّ بداية علم الكلام كانت سياسية عبر طرح مسألة "الجبر والاختيار"، بل إنّ أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، هو الاختلاف على الإمامة، 1 وما لبثت أن تحولت مقاربات الفقهاء بهذا الشأن رغم مثاليتها الواضحة، إلى أداة تبرير أيديولوجيا مدعومة من الخلفاء، وفي هذا السياق أعاد المفكرون المسلمون تأويل دينهم في أواخر القرن التاسع عشر بغية صياغة أيديولوجيات جديدة تعِدُ بالتجديد، فالتأويل القائل بشمولية الإسلام السياسية كان حاضراً بأذهان الإسلاميين الإصلاحيين والراديكاليين على السواء منذ نهاية القرن الثامن عشر، وجاهزاً للتبنّي الاجتماعي وتسبب هذا الاتجاه في التمهيد لأيديولوجيا حركات الإسلام السياسي التي استفادت من تردّي الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لمرحلة ما بعد الاستعمار إلى أبعد مدى، لكن ما هي القوى التي أنتجت الإسلام السياسي المعاصر؟ وهل هذا التيار استعادة لتصورات فقهية سابقة أم طاهرة تاريخية جديدة مختلفة؟ هذا ما يحاول الباحث المصري نزيه أيوبي (1944 - 1995) الإجابة عنه في كتابه "الإسلام السياسي: الدين والسياسة في العالم العربي".

السياسة في الإسلام

وفقاً لنزيه أيوبي، تأسست السياسة الفقهية ونظريتها الخاصة بالدولة والقانون في ظل ندرة المناحي السياسية في القرآن والسنة، وتحت تأثير عدد من العناصر أهمها:

ظلت العدالة آمالاً نظرية مثالية وأصبحت مقاربات الفقهاء تبريراً لسلطات الخليفة التعسفية بصفتها متوافقة مع الشرع الإلهي

1- أنماط الإنتاج، والتقاليد الثقافية السائدة في الأقاليم التي فتحها المسلمون، والتي حددت علاقة الدولة بالمجتمع، واستمرت مع الإسلام، بل إنّها صاغت طبيعة الدولة فيه، ومسار تطورها.
2- المُؤثرات الفارسية على المُنظّرين المسلمين المُتأثرين بالكوزمولوجيا، والتراتبية الهرمية الكهنوتية بفارس. 
3- مؤثرات الفتنة الكبرى على الوعي الجمعي، وأولوية الوحدة السياسية، بواسطة حاكم مطلق على النظام السياسي القائم على الشورى أو التعددية.
4- خلافة العباسيين، حيث بدأ التدوين الذي شمل الفقه.
كانت الخلافة أمراً واقعاً، أسس عليه الفقهاء آراءهم السياسية كبديهية، وقد تحوّلت آراء الفقهاء من نظرية سياسية وقانونية، إلى "شريعة خالصة" مُقدسة، صالحة لكل العصور (نظرية تحولت عبر التلقين المُلائِم لمصالح السلطة إلى بديهية)، عقب فصلها عن سياقها الاجتماعي-السياسي المشروط.

غلاف الكتاب

اقرأ أيضاً: لماذا يخلو الإسلام السياسي من المفكرين؟
رغم الاختلاف بشأن مصطلح الأمة منذ وقت مبكر بين المفكرين المسلمين، بشأن ربطها بالعصبية، أو الإثنية، أو اللغة، فقد مَثّلت "الأمة" الدينية وحدة التحليل الأساسية لدى الفقهاء؛ حيث منحوها بُعداً أيديولوجياً يربطها بالعقيدة، جاعلاً من وظيفتها نشر الدعوة الإلهية، واعتُبرت السلطة السياسية أداة نشر الدعوة، ليس ذلك فقط، وإنما تطبيق قانونها على المجتمع، بينما تمثلت غاية الدولة في مصطلح فضفاض هو "العدالة"، التي تتحمل السلطة السياسية مسؤوليتها مُتجسدة في الخليفة.

وفقاً لأيوبي تأسست السياسة الفقهية ونظريتها الخاصة بالدولة والقانون في ظل ندرة المناحي السياسية في القرآن والسنة

ظلت العدالة آمالاً نظرية مثالية، وأصبحت مقاربات الفقهاء تبريراً لسلطات الخليفة التعسفية بصفتها متوافقة مع الشرع الإلهي، حتى وإن خالفت مقتضيات العدالة، تحت  تأثير مثال "وحدة الأمة"، الذي دفعهم للارتياب بأي ظاهرة لتوزيع سلطة الخليفة بإنابتها إلى الوزراء، أو الولاة. دُفِع الفقهاء برُهاب الفتنة الأولى، ثم تفكك الدولة العباسية لخلافات، وسلالات حاكمة؛ الشيعية منها خصوصاً، ما أفرز أولوية الوحدة المتمثلة في سلطة الحاكم المُطلق، على متطلبات العدالة، أو توزيع السلطة.

لكن كيف تحولت مقاربات الفقهاء رغم مثاليتها الواضحة، لأداة تبرير أيديولوجيا مدعومة من الخلفاء؟ يُفسر أيوبي ذلك مُتبعاً العروي، بأن تلك المثالية الأيديدولوجيّة جعلت من التصورات التي تصيغها أمراً مُستحيلاً على التحقق العملي، يدفع متلقيها بطريقة لاواعية للتسليم بالأمر الواقع، طالما أنّه عاجز عن تحقيقها، استُحضرت تلك اليوتوبيا مراراً بصفتها ماضياً نموذجياً حقيقياً، مع حنين جارف أثناء مواجهة عدو خارجي، أو أزمة سياسية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي.. إشكاليات مستقبلية

تَشكّلت السياسة بالأساس، وفقاً لأنماط الإنتاج السائدة في البلاد التي فتحها المسلمون، وليس كما هو شائع من أنّها تأسست وفق عقيدة الإسلام، فقد ساد بمصر وفارس ما يدعوه أيوبي بـ "دولنة الإنتاج"؛ أي التَحكم المُعمَّم للدولة بالاقتصاد، وذلك بتحكمها في نظام الري "كمُنشِئ للأعمال الهيدروليكية ومُستخرِج للفائض الزراعي"، وذلك لندرة موارد المياه، أو وجود مصدر ري رئيسي يتطلب نظاماً تقنياً يتم التحكم به مركزياً (النيل أو الفرات على سبيل المثال)، وتنظيمها حركة التجارة، كمُنشِئ وحامٍ لطرق التجارة غير الآمنة بسبب طبيعة البلاد الجغرافية، وأساطيل الشحن التجارية والعسكرية.2

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي الشيعي.. لماذا فشل؟
ساهم قرار الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بالاحتفاظ بالأراضي تحت سيطرة الدولة؛ بهدف عدم تدمير منظومة الري، في إدامة نمط الإنتاج الدولتي، وهكذا تشكلت طبقة بيروقراطية خاضعة لسلطة الخليفة، تقوم على تنظيم الري، وجباية الضرائب، شبيهة بالطبقات الحاكمة قبل الإسلام.. حيث تبنّت الخلافة النظام الإداري الفارسي، واعتمدت على كوادر فارسية في ضبط منظومة الخراج المفروضة على الأراضي الزراعية التي استمر أهل البلاد بالعمل بها. 

اقرأ أيضاً: كيف ستواجه فرنسا الإسلام السياسي؟
احتوت المُؤثرات الفارسية أفكاراً حول طبيعة الكون المُنظَمة والهرمية (اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً)، بواسطة السلطة الكونية العليا، المُتجاوزة للإرادة الإنسانية، وقد انتهى ذلك لتنصيب الخليفة ظلاً لله على الأرض، وليس حتى بِوارث الرسول، محمد صلى الله عليه وسلم، لذا اعتُبر الاعتراض على هرميات الخلافة، واستئثار الخلفاء بالموارد والفائض الاقتصادي، اعتراضاً على النظام الإلهي الذي مَنح الخليفة سلطته، وهذه فكرة تأثر بها الفقهاء عميقاً، والمُتكلمون من مُتبني آراء الجبرية3  والكسب4.  حيث دُوِنت الأدبيات الإسلامية الأولى بداية من القرن الثاني الهجري؛ أي بعد ضم مُعظم أراضي الامبراطورتين؛ الفارسية والبيزنطية، ودمج أيديولوجياتهما السياسية داخل النسيج الإسلامي، وحين كان الفقهاء يكتبون آراءهم في العقيدة والأخلاق وسياسة الدولة، فإنّهم لم يكونوا مُحمّلين بالشورى و"روح المساواتية البدوية" الممتدة في التقليد الإبراهيمي، حيث البشر سواء أمام خالق واحد، بقدر ما كانوا مُحمّلين بكوزمولوجيا ونظام فارس الكهنوتي الهرمي، والذي سيناظره تقديس السلف/ الأئمة الكبار وإجماع العلماء، وتضمنت آراؤهم، حتى بالمواضيع البعيدة ظاهرياً عن السياسة، مُؤثراتٍ أيديولوجية، مثل "الجبر" الذي برر سلطة الخليفة المُطلقة، كما أثرت على انحيازات المسلمين السياسية، لحد قمعها تماماً.

خضع الإسلام لسلطة السياسة المدنية إذاً، وتم تكييف الدين وفقاً لإرادة الحاكم "المدني" المطلق، هكذا يخالف أيوبي التصورات الشائعة عن الإسلام بصفته ديناً سياسياً، فقد كُتبت الأدبيات السياسية الإسلامية (خاصة التقليد السني) "في ظل الدولة" التي أقرّت وشجعت منهجية للتفكير تعتمد على البيان (التفسير اللغوي المنفصل عن السياق التاريخي)، والقياس، وإجماع العلماء، المنظومة التي وضع الإمام الشافعي إطارها.

اقرأ أيضاً: سوداوية الإسلام السياسي

وهكذا احتكرت الدولة (على النمط الشرقي) الدين مثلما احتكرت الفائض الاقتصادي والمبادرة الاجتماعية، وشكلت طبقة العلماء المثقفة التي رسخت التقليد الشافعي، واحتكرت بدورها تفسير النصوص الدينية، فقدمت دفاعاً أيديولوجياً عن سلطة الدولة على الاقتصاد والمجتمع، وقد مَثّل ذلك لدى أيوبي الاختلاف الأساسي بين الشرق الأوسط وأوروبا، فبينما حاولت الكنيسة التدخل في شؤون الدولة، وهو ما سهّل عملية فصلهما، كان الدين في الشرق الأوسط ملكية للدولة، تديره باستقلال عن المجتمع.

اقرأ أيضاً: كيف تكيّف الإسلام السياسي مع "سيولة" الحداثة؟
غير أنّ ذلك لم يمنع تأويل الإسلام بصور متعددة، تتناقض جذرياً فيما يخص مسائل السلطة والثروة، فمثلما ابتُدِع تأويل استبدادي ونخبوي، ابتُدِعت أيضاً تأويلات مساواتية و"ديمقراطية" بمقاييس الحقبة التي ظهر بها الإسلام، فالتاريخ الإسلامي الذي برّر سلطة "الاستبداد الشرقي"، هو الذي برّر الانتفاضات المتعددة ضد نفس السلطة، والتي لم يخلُ منها التاريخ الإسلامي، وتحدت آراء المُعتزلة والفلاسفة المسلمين معتقدات الجبرية، كما شهدت طبقة العلماء نفسها انشقاقات ملحوظة، مُناوِئة للخلافة، انطلاقاً من نفس الخلفية الفقهية التي برّرتها، وظهرت تلك الانشقاقات كرد فعل على الانحلال السياسي، وأيدت تمسكاً أكبر بالشريعة، عبر المزايدة على السلطة، كان ابن تيمية أبرزها، وقد لجأ للشريعة كمصدر لوحدة الأمة رداً، وذلك تحت ضغط الهجمات المغولية والصليبية، وضعف العباسيين، حيث بحث عن مصدر لعقد اجتماعي جديد، يسدّ فراغ مؤسسة الخلافة المنهارة، وقد وجد في الشريعة مطلبه.

اقرأ أيضاً: بداية نهاية الإسلام السياسي في المنطقة
ليس النموذج السائد هو الإسلام الأصيل أو الواحد، بقدر ما هو تأويل أنتجه خيال المُنظرين الأوائل وأوضاعهم التاريخية، وقد انتصر، لكن ليس كلياً، فما يُعد إيماناً أصيلاً ببلد، يُعد هرطقة أو انحرافاً ببلد آخر، ما يدل على أنّ الإسلام لم يحتفظ بصورة واحدة أصلية، بل انشطر إلى تصورات متنافسة، خاصة السياسي منها، في وقت مُبكر للغاية، يمكن رده للساعات الأولى عقب وفاة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم.

الجذور الفكرية للإسلام السياسي

نشأ الإسلام السياسي بين القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، داعياً لإحياء الخلافة، و"دمج الدولة داخل الشريعة" على أساس أنّ "الإسلام وضع أسس السياسة الاجتماعية المدنية " كما كتب رشيد رضا.
مثّل الإسلام بالنسبة لرضا، كنظام عقائدي وسياسي متكامل مصدر مجد المسلمين عبر التاريخ، وكان ركود الحركة الفكرية في الإسلام من جهة، والتخلي التدريجي عنه من جهة أخرى، برأيه السبب في تخلف المجتمعات المُسلمة، وقد مثّلت أطروحاته حول حلول الإسلام الشاملة لمشكلات المجتمع وسيلة لمواجهة تحديات التحديث والعلمنة في أجندات الأيديولوجيات الجماهيرية: القومية، والليبرالية، واليسارية الصاعدة. حيث ظهرت حركات الوهابية في الجزيرة العربية، والسنوسية في الصحراء الليبية، والمهدية في السودان، كرد فعل بالمقام الأول على التداعي الداخلي وليس التهديد الخارجي.5

اقرأ أيضاً: كيف يمكن تفسير براغماتية الإسلام السياسي؟
بينما مالت مدرسة الإصلاحيين الإسلاميين؛ كالأفغاني ومحمد عبده لتطبيق مقاربة أكثر تحرراً في قراءة المصادر، بتطبيق القياس والاستحسان، و"المصالح المُرسَلة" ( المصالح العامة للمجتمع)"6 لكنها امتنعت في النهاية عن تبني قيم التنوير الأوروبي (العقلانية، الفردانية، العلمانية) بشكل كامل. 
يستعين أيوبي بسمير أمين لتفسير ذلك؛ حيث يرى أمين أنّ قصور الصناعة الوليدة، وهشاشة وطفيلية البرجوازية المحلية، ساهما في سيطرة قراءة محافظة للإسلام، وانتقائية تجاه قيم الليبرالية البرجوازية.
يُحدد أيوبي مصادر الإسلام السياسي الفكرية الأساسية كالتالي:
1- ابن تيمية: يتفق مع الإجماع الأرثوذكسي على تجنب الفتنة، وتنفيذ الشريعة بقوة السلطة السياسية، وتأييده لقتال من يرفض الاستسلام للقانون الإلهي، المُتفوق، برأيه، على كل القوانين المدنية، فلديه تتمثل وظيفة السلطة في تنفيذ الشريعة بدقة، وسيطرتها على المجالين؛ العام والخاص.

اقرأ أيضاً: هل يصبّ لاهوت التحرير الإسلامي في صالح الإسلام السياسي؟
أثّرت أفكاره على الحركة الوهابية بالجزيرة العربية، ثم على مفكر هندي هو أبو الأعلى المودودي، والذي سيمثل إلهاماً للمفكرين الإسلامين الأصوليين المُستقبليين.   

2- الخوارج:

استعار الإسلاميون منهم ثلاثة مفاهيم أساسية:

1- حاكمية الله المطلقة.
2- إصدار أحكام الكفر، وعزل الكفار واستباحة دمائهم، واستباحة دماء مرتكبي الذنوب بخلط "المعصية" بـ "الكفر". 
3- رفض تأسيس سلطة سياسية على أساس إثني (قومي) أو طبقي.

3- أبو الأعلى المودودي: نشأ المودودي تحت الحكم البريطاني للهند، وقد قرأ النصوص الإسلامية بأصولية صريحة، فأراد إنشاء "دولة إسلامية، لا ينبغي أن يُديرها إلا أولئك الذين يؤمنون بالأيديولوجيا التي تقوم عليها (القرآن والسنة)، وبالقانون الإلهي الذي كُلّفت بإدارته" (Mawdudi, 1982:256–257)، تبنى المودودي أفكار ابن تيمية الخاصة بأنّ المسلم لا يكون مسلماً لمجرد نطقه الشهادتين، وإنما يجب عليه "تطبيق الخير ومنع الشر" وفقاً للشريعة التي عدّها قانوناً مُنزهاً عن الخطأ البشري.

اقرأ أيضاً: إشكاليات لم تتجاوزها بعد جماعات الإسلام السياسي.. ما هي؟

4 - سيد قطب: تأثر قطب بالمودودي في صياغة أفكاره حول ما دعاه "الجاهلية"، واصماً بها مظاهر المجتمع الحديث: "تصورات الناس ومعتقداتهم، والعادات والتقاليد، مصادر ثقافتهم وفنونهم وآدابهم، والقوانين والتشريعات الخاصة بهم، حتى الكثير مما يُعتَقد بأنها ثقافة إسلامية، أو مصادر إسلامية أو فلسفة وفكر إسلاميين هو في الواقع من صناعة هذه الجاهلية." (S. Qutb, 1985:21–22) لكنه لم يُقدّم بناءً منهجياً لنقد الحضارة الحديثة، بل دعاوى أيديولوجية على أساس الحاكمية الإلهية، وأولوية الشريعة.

اقرأ أيضاً: فشل الإسلام السياسي
وحينما يتحدث عن "انتزاع السلطة من مغتصبيها الآدميين، وردها إلى الله، حيث سيادة القانون الإلهي وحده، وإلغاء القوانين البشرية" (:831985:81 S.Qutb,) فهو لا يُميز أنّ القانون الإلهي، ليس سوى نتاج وضعي لتطلعات مجموعة مُفسرين في ظروف تاريخية واجتماعية وسياسية بعينها، وبالتالي فهو بالمحصلة قانون وضعي بشري، وأنّ السلطة الإلهية، ظلت محل نزاع بين مُدّعي حيازتها، الذين استندوا لنفس النصوص لتسويغ ادعاءاتهم، والتي خضعت بالضرورة لسياقاتهم التاريخية الدنيوية، ربما لأنّ ما لم يستوعبه قطب وأتباعه، أنّه لا توجد تجربة بشرية مُفارِقة للطبيعة والتاريخ، وأنّه مُستحيل، الإمساك بمحتوى قانوني إلهي مُجرَد ومُنزه عن الأوضاع البشرية (الطبيعية والتاريخية والاجتماعية بل والنفسية).

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإسلام السياسي إلى مفهوم الأمة؟
لم يضع قطب نظاماً سياسياً واجتماعياً واضحاً، وكان وافق الخوارج، الذين رفضوا السياسة بصفتها تفاوضاً، أو صراعاً دنيوياً بين مصالح متعارضة، لا تولي أهمية للنص الإلهي باعتباره حكماً، ذلك النص الذي لم يحتو بدوره تصورات سياسية واضحة، لكن هذا الأمر لم يكن ليشغل باله كثيراً، على أساس أنّ نظرته اليوتوبية لـ "ما بعد الجاهلية" لا ينبغي تلويثها بمصطلحات "الجاهلية"، وإنّما يجب كما يرى اختراعها في المجتمع الجديد الذي يعد به.
مدفوعاً بميتافيزيقا أولويتها تأكيد الحضور الإلهي في العالم، ولو على حساب العالم نفسه، أراد قطب تعميم الاستسلام الفردي للإله بالإسلام على المجتمع، لضمان إظهار الشرائع والشعائر بواسطة السلطة، كما وردت بالرواية الفقهية التي عزلها عن سياقها، واستوعبَها بصفتها مثالاً مقدساً للفرد والمجتمع المثاليين، تُلزِم بقراءة الحاضر في مرآة الماضي، وحيث "يُقرَر التاريخ داخل الفقه، وليس العكس".
مَثّل الفقه أساساً "عملية لغوية، حيث تحليل العلاقة بين الكلمات ومدلولاتها، وإصدار رأي بطريقة القياس"، وذلك في حالة عدم وجود نص صريح (يُؤخذ بمعناه الظاهر)، وقد أثّر هذا التقليد على الفكر الإسلامي، حيث ظل الوعي راكناً إلى قالبين في التفكير:
1- البيان: المنطق والاستدلال اللغوي.
2- العرفان: المعرفة الغنوصية/ الصوفية.

اقرأ أيضاً: هل ينفي العمل السلمي تطرف الإسلام السياسي؟
ولذلك ظل أقل اعتماداً على البرهان المادي، وبسبب ذلك التعلق المنغلق بالأدبيات الفقهية، وعزلها عن سياقاتها الوضعية، مُنِح النص الفقهي لدى قطب وغيره سُلطة التشريع الإلهي الأزلي، وليس المحكوم بانحيازات واضعيه، وحيثياتهم التاريخية، فكان ما يقصده قطب دون وعي هو "تطبيق الفقه الذي تشكل بواسطة الفقهاء الأوائل"، وليس شريعة إلهية مُثْبتة وواضحة. 

الجذور الاجتماعية للإسلام السياسي

يرد أيوبي توسع الإسلام السياسي المعاصر بالمقام الأول إلى الأزمتين؛ التنموية والحضرية، والمتمثلة في "إطلاق العنان لقوى اجتماعية جديدة دون استيعاب طاقاتها سياسياً ودون أن تُلبّي تطلعاتها الاقتصادية والاجتماعية، مع تزايد عدم المساواة الاجتماعية والاغتراب الثقافي".

اقرأ أيضاً: محمد العيسى: الإسلام السياسي خطر يهدد الجميع
أراد أعضاء الطبقات الوسطى والدنيا التعبير عن نقمتهم إزاء المشاريع التنموية الفاشلة، والفساد والبطالة، خاصة سكان الضواحي والعشوائيات التي استوعبت هجرة الريف، حيث الظروف الصعبة، والخدمات الحكومية الضعيفة.7  ولمّا كانت التقاليد السياسية والحزبية ضعيفة للغاية؛ ففي سوريا؛ أغلق نظام الحزب الواحد تحت سيطرة "الأقلية" الحاكمة المجال السياسي، ونَمّى نزوعاً طائفياً لدى الإسلاميين باعتبارهم "صوت" الأكثرية السنّية المعزولة عن الحكم، بينما في مصر، ساهم عداء الناصرية لحق التنظيم السياسي، وللحياة الحزبية بإفقار الإشباع السياسي والفكري.8

اقرأ أيضاً: أحمد داود أوغلو يكشف فشل الإسلام السياسي من جديد
هكذا مَثّلت الأفكار الجهادية القُطبية، والمساجد غير المُنظَّمة، في المناطق التي تقلصت فيها سيطرة الدولة، بديلاً لإفراغ النقمة السياسية، حيث لجأ شباب الطبقة الوسطى والطبقات الدنيا المُحبَطون نتيجة الإهمال المتزايد وتخلي الدولة عنهم. وقد رَدّوا فشل المشاريع التنموية، والهزيمة إلى علمانية الأنظمة القومية العربية، مدفوعين للإسلام الذي مثّل آخر قوى المجتمع المدني التي لم يتم سحقها، أو احتكارها من قبل الدولة. وقد ساعد في ذلك أن أحد أكثر تأويلات الإسلام المتنافسة شيوعاً، كان التأويل القائل بشموليته السياسية، والذي كان حاضراً بأذهان الإسلاميين الإصلاحيين والراديكاليين على السواء منذ نهاية القرن الثامن عشر، وجاهزاً للتبني الاجتماعي واسع النطاق.

اقرأ أيضاً: كيف قرأ فرانسوا بورجا الإسلام السياسي؟
ارتبط الإسلام السياسي بالطبقات الوسطى والوسطى الدنيا، التي توسّعت، وتصاعدت طموحاتها مع توسع الدولة في التعليم والصناعة، عبر خمسينيات وستينيات القرن العشرين. وقد أُحبِطت بالهزيمة، وتخلي الدولة تدريجياً عن التزاماتها الأبوية تجاهها 9، برز ذلك في مصر بين الطلاب، الذين مَثّل التعليم استثمارهم الأساسي، (يُلاحِظ أيوبي أنّ نسبة منتسبي الحركات الإسلامية من الطلاب كانت أكبر دائماً بين طلاب الكليات التطبيقية، حيث تميل الأخيرة لقبول أصحاب الدرجات العليا، ممن ترتفع توقعاتهم عن غيرهم، لذلك تتحطم آمالهم بشكل مؤلم بسبب البطالة أو سوء التشغيل)، تحوّل الطلاب للإسلام السياسي، مع أفول الوعود الناصرية بالضمان الاجتماعي والتوظيف المستقر عقب الانفتاح، وتحولت أوساط الطلاب لحواضن ثقافية لتجلياته المُتعددة من الجهاد وحتى الدعاة الجدد.

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
انحدر الطلاب من خلفيات الطبقة المتوسطة المُحافِظة المثالية، والتي ضمت مهنيين وموظفين عموميين وأكاديميين، بالإضافة إلى المُدرّسين، والأئمة، والعمال والحرفيين المهرة، وسائقي الأجرة، ممن لهم أبناء في الجامعات، أو متخرجون عاطلون عن العمل،  10 وقد تخبطوا أمام التحول الاستهلاكي للمجتمع عقب الانفتاح، الذي لم يجنوا ثماره، حيث ربطوه بالتفاوت الاقتصادي الناتج عن تربّح نخب الدولة ورجال الأعمال، فكان يسيراً جذبهم لخطاب يحتوي اعتراضاً على التفاوت والفساد،  كما يُدين "الانحلال" الاستهلاكي الغرب-علماني، والذي عجزوا عن تحقيقه، وربط الإدانة بنزعة إسلامية زاهدة، لاءمت صدمتهم أمام التحولات الاستهلاكية التي صاحبها تخلي الدولة عنها. 
لم يتشكل تيار إسلام سياسي بنفس القوة بالبلدان التي مالت لدمج المؤسسة الدينية ببنية الدولة، والتي تستمد من الإسلام روايتها القومية، لكنها لم تخلُ من تجليات الإسلام السياسي، وتداعياته العنيفة، كما في السعودية مثلاً، فرغم نشأتها نتيجة تحالف قبلي-ديني، إلا أنّه يمكن رد ظهور إسلام سياسي بها لعوامل اجتماعية أكثر منها دينية/ أيديولوجية.

اقرأ أيضاً: ماذا تفعل جماعات الإسلام السياسي بالأتباع والمريدين؟
يستنتج أيوبي انطلاقاً من تجارب مصر وسوريا والسعودية، بالإضافة للسودان والأردن وتونس، أنّ "الإسلام السياسي يبدو بالأساس حركة استجابة للأنظمة التي تُعتبر أكثر "حداثة" و"علمانية"؛ فكلما مال النظام لتبني توجهات أكثر حداثة، وتحديداً مع فشله في تحقيق الحداثة المطلوبة، كلما زاد نشاط الإسلام السياسي، لذلك لم يتسارع الإسلام السياسي، في رأي أيوبي، بتسارع وتيرة التحديث، بل لأنّ التحديث على العكس من ذلك، لم يكن سريعاً كفاية.
تعطش منتسبو الإسلام السياسي لثمار التحديث والتغريب، ولم يجدوها، أو وجدوها؛ لكن مُحتكَرة من قِبل نخبة صغيرة، فشلت مشاريعها التحديثية، بعد أن جرّفت تربة المجتمع الاقتصادية والسياسية والثقافية، بحيث لم تبقَ سوى البذور المُتطرفة، ما دفع أيوبي للاعتقاد بأنّ أولئك الذين أصبحوا إسلاميين "يكرهون الحداثة لأنهم لم يستطيعوا جني ثمارها، فهم ليسوا غاضبين لأنّ الطائرة حلّت محل الجمل، لكن لأنّهم لم يجدوا مكاناً في الطائرة."11


هوامش:

1- مقالات الإسلاميين، الجزء الأول، 31
2-  Political Islam: Religion and Politics in the Arab World by Nazih N. Ayubi, p: 21
3-  الجَبْرية هي فرقة كلامية تنتسب إلى الإسلام، تؤمن بأنّ الإنسان مسيّر لا قدرة له على اختيار أعماله، وأنّ إرادة الإنسان العاقلة عاجزة عن توجيه مجرى الحوادث (بما في ذلك الحوادث السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، وأنّ كل ما يحدث للإنسان قد قدّر عليه أزلاً، فهو مسيّر لا مخيّر.
4-  نظرية كلامية مفادها أنّ الإنسان ينوي الفعل، وعندما ينوي يخلق الله الفعل الذي نواه العبد، وبذلك يكون كسب الفعل للعبد، ويكون خلق الفعل لله
5-  Political Islam: Religion and Politics in the Arab World by Nazih N. Ayubi, p: 43
6-   Ibid, 43
7-   Ibid, 65
8-   Ibid, 107
9-  Ibid, 121
10-  Ibid, 130
11-  Ibid, 134

للمشاركة:



قبل أيام من مؤتمر برلين.. هذا ما أعلنه أردوغان!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم، إرسال قوات إلى ليبيا لدعم قوات ميليشيات، فايز السراج، ضدّ القوات المسلحة الليبية التي يقودها المشير خليفة حفتر.

ويأتي الإعلان عن إرسال القوات التركية قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية، والذي سيشارك فيه أردوغان، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وقال أردوغان: "تركيا ستواصل استخدام جميع الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لضمان الاستقرار على حدودها الجنوبية البرية أو البحرية".

أردوغان يعلن اليوم أنّه سيرسل قواته إلى ليبيا قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية

 مراقبون ليبيون ربطوا تصريحات أردوغان بأطماعه التي تتعلق بسيطرته على ليبيا، ومحاولته عرقلة التوجه الدولي الساعي لإحلال السلم في ليبيا عن طريق إحياء المفاوضات بين الفرقاء الليبيين.

وكانت صحيفة "الغارديان" البريطانية قد نشرت، أمس، تقريراً قالت فيه إنّ ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريباً إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق غير الشرعية، التي يترأسها فايز السراج.

ونقلت الصحيفة، عن مصادر سورية، تأكيدها أنّ 300 عنصر من الفرقة الثانية فيما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري، في 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصراً، في 29 كانون الأول (ديسمبر)، لتلقي التدريبات الضرورية قبل إدماجهم في ساحات الحرب في تركيا ضدّ الجيش الليبي.

 

 

للمشاركة:

روحاني يقرّ برفع معدلات تخصيب اليورانيوم.. ماذا سيكون ردّ الدول الأوروبية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أقرّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اليوم، بتوسيع بلاده معدلات تخصيب اليورانيوم، بما يفوق الاتفاق النووي.

وقال روحاني في كلمة متلفزة: "تخصيب اليورانيوم اليوم في إيران أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق النووي"، مشيراً إلى أنّه "لا توجد اليوم أيّة قيود على البرنامج النووي الإيراني".

وقال روحاني: "طهران لم تنسحب من الاتفاق النووي، وطلبت من البقية التعويض، وإلا ستخفض من التزاماتها".

وأضاف روحاني: "الإدارة الأمريكية خططت للقضاء على النظام الإيراني في غضون 3 أشهر وفشلت".

روحاني: لا يوجد قيود على البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم اليوم أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق

ولفت روحاني إلى أنّ الخطاب الأمريكي تغير تجاه إيران إلى حدّ كبير بعد الضربة الصاروخية، التي وجهتها إيران إلى القواعد الأمريكية في العراق، قائلاً: "الولايات المتحدة الأمريكية تظلم الجميع وتعتدي على الجميع وتسحق مصالح الجميع، لكن لا أحد يجرؤ على قصف معسكراتها بالصواريخ كما فعلت إيران، ربما تطلق بعض الدول التحذيرات والتهديدات، لكن أن تهزّ قاعدتها العسكرية وتجبرها على التراجع عن تهديداتها وتجعل البنتاغون متيقظا طوال الليل فهذا أمر مهم. لقد تغيّرت اللهجة الأمريكية تجاهنا وتراجعت بعد هذه الضربة إلى حدّ كبير".

 جاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان وكالات الأنباء أنّ" الضربة الإيرانية جاءت بتنسيق مع الولايات المتحدة، وأنّها لم تستهدف إلا أجزاء من القواعد العسكرية، التي لا يوجد بها أيّ جندي أمريكي".

 

للمشاركة:

هل ينهي الغنوشي الضجة السياسية التي رافقت زيارته لتركيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

قال الغنوشي، خلال جلسة عامة في البرلمان، أمس: إنّ "زيارته إلى تركيا ولقاءه المغلق بأردوغان، السبت الماضي، كانت بصفته رئيساً لحزب حركة النهضة الإسلامية، وليس رئيسا للبرلمان التونسي، محاولاً تدارك الضجة السياسية التي رافقت زيارته المفاجئة".

وكانت الزيارة المفاجئة أثارت جدلاً في تونس كونها جاءت بعد ساعات من تصويت البرلمان ضد منح الثقة للحكومة المقترحة من مرشح حركة النهضة، وفق ما نقلت وكالات انباء تونسية.

الغنوشي: زيارتي إلى تركيا شخصية حزبية ولا علاقة لها بتمثيل (البرلمان) ولم أتحدث باسمه

ويدور النقاش حول ما إذا كان لقاء الغنوشي بالرئيس التركي، بصفته رئيساً لحزبه حركة النهضة أم بصفته رئيساً للبرلمان، وما إذا كان أحاط البرلمان علماً بتلك الزيارة.

وقال الغنوشي، رداً على استفسار برلماني: "حتى نغلق هذا الموضوع، وكي لا تبقى ملابسات؛ فهي زيارة شخصية حزبية، ولا علاقة لها بتمثيل المجلس (البرلمان)، ولم تستخدم إدارة المجلس، ولا أموال المجلس، ولم أتحدث باسم المجلس في أيّ حديث".

وتابع الغنوشي: "لا يوجد مانع في البرلمان لأن يؤدي أحد رؤساء الأحزاب زيارة خارجية، لا أرى في هذا مشكل"، مضيفاً في توضيحه: "الصفة الرسمية للمسؤول لا تلغي حياته الخاصة ولا صفته الحزبية".

الحزب الدستوري الحرّ يدعو لتوقيع عريضة بين النواب تمهيداً لسحب الثقة من الغنوشي

والغنوشي هو الزعيم التاريخي لحركة النهضة الإسلامية وأحد مؤسسيها مع القيادي الآخر، عبد الفتاح مورو، منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن منذ صعوده لرئاسة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية، التي أجريت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفازت بها حركة النهضة، بدأ قياديون في الحزب بالدعوة إلى ترشيح شخصية بديلة لرئاسة الحركة.

وصرّح عبد اللطيف المكّي، أحد القياديين المخضرمين للحزب في وقت سابق؛ بأنّه يجب التعجيل بتنظيم مؤتمر للحركة لأنّ رئيس الحركة لم يعد قادراً على تخصيص وقت لرئاسة الحزب.

وأوضح المكي: "هناك وجهة نظر قانونية؛ لأنّ هناك من يقول داخل الحزب إنّ القانون الداخلي للحركة ينصّ على أن يكون رئيسها متفرغاً لقيادة الحركة".

وعلى صعيد متصل، طالب الحزب الدستوري الحرّ في تونس، بسحب الثقة من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، غداة زيارته المفاجئة له إلى تركيا.

تونسيون يطالبون بسحب الثقة من الغنوشي لأنّ زيارته إلى تركيا في هذا الوقت تعدّ خرقاً للسيادة

وقال الحزب في مؤتمر صحفي؛ إنّ سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، تعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة، لمساءلة راشد الغنوشي.

 ولم يقتصر الأمر على الأوساط السياسية؛ حيث طالبت شريحة كبيرة من الشعب التونسي بسحب الثقة من الغنوشي، لأنّ زيارته تلك إلى تركيا تعدّ خرقاً للسيادة التونسية، خاصة أنّها جاءت بعد قرار عدم منح الثقة للحكومة، ما يعدّ مؤشراً على علاقة تركيا وتدخّلها في الشأن الداخلي لتونس.

 

للمشاركة:



"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

هل ليبيا جارة تركيا؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

سلمان الدوسري

عندما تكون أدوات الدولة السياسية تصادمية وحادة جداً، فهي لا تستطيع استخدام الدبلوماسية أو بالأحرى لا تجيدها. هذا ما ينطبق على السياسة التركية حرفياً، فالأجندات السياسية المتخبطة تطغى على لغة العقل والمنطق والعلاقات الدولية، وتكتيكات الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر تسيطر على ذهنية السلطان في القرن الحادي والعشرين، لذلك تجد نفسها دائماً في صراعات واختلافات وحروب مع الجميع، فما الدولة التي تحظى بصداقة تركيا حالياً؟ إذا استثنينا الدوحة التي تتطابق سياساتها مع أنقرة تماماً، لاعتبارات القاعدة التركية في قطر، فإن بقية دول العالم تضع حواجز ومسافات ومحاذير. فبعد العمليات العسكرية وغزو الشمال السوري، جاءت آخر المغامرات التركية غير المحسوبة بإعلان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تدخل بلاده عسكرياً في ليبيا، قبل أن تبدأ أنقرة في إرسال جنود ومرتزقة، وهي من سبق وأرسل أسلحة، في مخالفة صريحة للشرعية الدولية وانتهاك لقرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011، الذي ينص على عدم مد ليبيا بالأسلحة.. كل هذا يحدث رغم عدم وجود حدود مباشرة بين ليبيا وتركيا، فجزيرة كريت اليونانية تفصل بينهما، كما أنه لا توجد بينهما أي فواصل بالبحار حتى يتم توقيع اتفاق بحري لم يعترف به أحد، إلا أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، له تعريف آخر للجغرافيا، عندما صرح أمس بأن «ليبيا جارتنا من البحر»!، ووفق هذا التعريف «العثماني» الخيالي، فإن الهند وباكستان جارتان للسعودية، وسوريا جارة لفرنسا، ولبنان جار لإسبانيا!
تحتل ليبيا المرتبة الخامسة عالمياً في احتياطيات النفط، بمعدل 74 مليار برميل تكفي لتصدير النفط 112 عاماً أخرى، وهو قد يكون سبباً كافياً يدفع أنقرة لمحاولة التدخل، خصوصاً مع معاناتها في موارد الطاقة واستيرادها 90% من احتياجاتها النفطية، ناهيك باستهلاكها 500 ألف برميل يومياً، إلا أن الهدف الاقتصادي ليس وحده ما يدفع تركيا إلى التدخل عسكرياً، فلا يخفى على أحد المكانة المتنامية لليبيا كعامل استراتيجي رئيسي في السياسة الخارجية التركية، تستخدمها سواء لمنافسة خصومها القدامى كاليونان أو الجدد كمصر، وكان ذلك يحدث بواسطة أذرعها من الميليشيات، لكنه أصبح يتم بشكل رسمي وفاضح، بالإضافة إلى أن ليبيا تمثل المركز الرئيسي في طرق الهجرة بين القارتين الأفريقية والأوروبية، وهذا الملف استخدمته تركيا جيداً لابتزاز جيرانها الأوروبيين وتهديدهم بغزو المهاجرين السوريين للحصول على مكاسب مادية لا حصر لها، وهي هنا أيضاً تريد أن يكون لها دور جديد، بحيث لا يمكن لأي سياسات مناهضة للمهاجرين في أوروبا التصدي لها دون أن يكون لتركيا يد فيها تمارس ابتزازها مجدداً.
الغزوة التركية لليبيا فشلت قبل أن تبدأ، فبالإضافة إلى صعوبة تنفيذ ذلك على أرض الواقع، واختلاف الظروف الجغرافية التي دفعت أنقرة إلى التدخل العسكري في سوريا، والتي لم تحقق أهدافها حتى الآن على كل حال، فإن السمعة التركية أصبحت في الحضيض عالمياً، ولا توجد دولة لم تُدِن هذا التدخل التركي الغاشم، باستثناء قطر طبعاً التي أيّدته، وغدت السياسة التركية مرتبطة بالتهور والعنجهية والغرور، لذلك فإن السياسة التركية تستحق جائزة المركز الأول في تحقيق الفشل الذريع سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً.
وبعيداً عن واجب «الجيرة» الذي دفع تركيا إلى غزو ليبيا، وقبلها سوريا، أليس الأقربون أولى بالمعروف؟ أليس الجزر التركية التي تقول تركيا إنها «محتلة» من اليونان في بحر إيجه أكثر قرباً من سوريا وليبيا؟ فإذا لم تتحرك من أجل تراب بلدك، فكيف تفعلها من أجل تراب دول أخرى؟!

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

للمشاركة:

الصراع في ليبيا: ما حقيقة وجود مقاتلين سوريين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

نددت سفارة الولايات المتحدة في ليبيا بتصاعد العنف وتدهور الوضع الأمني في البلاد، نتيجة الاقتتال بين حكومة فايز السراج وقوات القائد العسكري خليفة حفتر.

وقالت في بيان إن هذا التدهور "يُبرز مخاطر التدخل الأجنبي السام في ليبيا، مثل وصول المقاتلين السوريين الذين تدعمهم تركيا وكذلك نشر المرتزقة الروس".

فهل يوجد بالفعل مقاتلون سوريون في ليبيا؟

نشرت صحيفة "غارديان" البريطانية، اليوم الأربعاء، تقريرا قالت فيه إن ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريبا إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دوليا برئاسة فايز السراج.

ونقلت الصحيفة عن مصادر سورية في الدول الثلاث، سوريا وليبيا وتركيا، تأكيدها أن 300 عنصر من الفرقة الثانية في ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصرا في 29 ديسمبر/ كانون الأول.

وتقول غارديان إنه تم نقل العناصر جوا إلى طرابلس، معقل حكومة الوفاق، حيث تم إرسالهم إلى مواقع المواجهة شرقي العاصمة.

ووفقا للصحيفة، دخل في 5 يناير/ كانون الثاني الجاري نحو 1350 مقاتلا إلى تركيا قادمين من سوريا، وأُرسل بعضهم إلى ليبيا، فيما لا يزال آخرون يتلقون التدريب في معسكرات جنوبي تركيا.

وقد فاقت هذه الأرقام التقديرات السابقة لأعداد المقاتلين السوريين الذين دخلوا إلى ليبيا.

رواتب كبيرة

كما أشارت الصحيفة، نقلا عن مصدر موثوق، إلى أن المقاتلين السوريين سيشكلون فرقة سيطلقون عليها اسم، عمر المختار، زعيم المقاومة الليبية الذي ناضل ضد الاحتلال الإيطالي وأُعدم عام 1931.

وقالت غارديان، إن مصادر في "الجيش الوطني السوري" ذكرت أن المقاتلين أبرموا عقودا لمدة ستة أشهر مع حكومة الوفاق مباشرة وليس مع الجيش التركي، ويحصلون بموجبها على رواتب بقيمة ألفي دولار شهريا للمقاتل الواحد، وهو مبلغ كبير مقارنة بحوالي 90 دولارا شهريا فقط كانوا يتلقونها من تركيا لقتالهم في سوريا.

كما قُطعت وعود لهؤلاء المقاتلين بالحصول على الجنسية التركية.

وأكدت الصحيفة أن أربعة مقاتلين سوريين على الأقل قد قُتلوا في ليبيا، غير أن فصائلهم أعلنت أنهم لقوا مصرعهم في جبهات المواجهة مع المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي الشهر الماضي لقطات مصورة بهاتف محمول لرجال لهجتهم سورية ويدّعون أنهم ينتمون لـ "الجيش السوري الحر" وأنهم موجودون في ليبيا "للدفاع عن الإسلام".

ونفت كل من أنقرة وطرابلس، وكذلك فعل "الجيش الوطني السوري"، مرارا وتكرارا وجود مقاتلين سوريين في ليبيا.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي إن تركيا نفسها أرسلت حتى الآن 35 جنديا فقط إلى طرابلس بصفة استشارية.

ووفقا للصحيفة، لا يلقى التدخل التركي في ليبيا تأييدا في الشارع التركي على عكس التوغل في أكتوبر/ تشرين الثاني في الأراضي السورية لمواجهة المقاتلين الأكراد.

عن "بي بي سي "

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية