السريان: مساهمات بارزة في الثقافة العربية ومذابح على يد العثمانيين

السريان

السريان: مساهمات بارزة في الثقافة العربية ومذابح على يد العثمانيين

مشاهدة

03/03/2020

هم بقية العصور القديمة وحضارات الهلال الخصيب التي تمتدّ إلى ما قبل ستة آلاف عام، ارتبط اسمهم باسم الإمبراطورية الآشورية، ونقلوا اللغة الآرامية وحافظوا عليها ووصلوا بها حتى يومنا هذا، كانت لهم إسهامات حضارية مهمة، واعتبروا بمثابة القنطرة التي انتقلت عبرها العلوم والمعارف القديمة نحو الحضارة الحديثة، لكن ذلك لم يكن ليتمّ لولا الامتزاج والتفاعل مع الحضارة العربية، فكيف كان ذلك؟
الأصل.. أيّة علاقة تربطهم بالآشوريين؟
اسم السريان مشتق من لفظ آشور باليونانية (آسيريا)، ما يدل على أنّ هذا الاسم الذي أطلق عليهم يقيم ارتباطاً مباشراً بينهم وبين الآشوريين، القوم المرتبطين بتأسيس الإمبراطورية الآشورية التي قامت بين القرنين العاشر والسابع قبل ميلاد؛ فهل حقاً كانوا على علاقة بهم؟

تشير بعض الآراء التفسيرية إلى أنّ الحروف المقطعة في بداية بعض السور في القرآن هي كلمات آرامية

يجيب عن هذا التساؤل، هنري ساغس، أحد أهم علماء الآشوريات، الذي يرى أنّ سقوط الإمبراطورية الآشورية لم يعنِ نهاية شعبها، وإنما استمروا في التواجد في مناطق شمال الهلال الخصيب، وكان لهم قرى وتجمعات، وعملوا في الزراعة، قبل أن يدخلوا في المسيحية بعد سبعة قرون.
وذهب علماء آخرون إلى أنّ السريان بالأصل هم بقايا الآراميين، وبعد احتلال الآشوريين ممالكهم، نقلوهم شمالاً، وتزاوجوا معهم واختلطوا بهم، قبل أن تبدأ الإمبراطورية الآشورية بالاضمحلال، في القرن السابع ق م، مع تمكّن الميديين والبابليين من إسقاط عاصمتها نينوى عام 612 ق م.

ترى بعض النظريات أنّ السريان هم أحفاد مباشرون للآشوريين

من أقدم الكنائس
كانت اللغة الآرامية هي اللغة السائدة طوال قرون في عموم منطقة الهلال الخصيب، وهي اللغة الرسمية للسريان، التي ارتبطوا وعرفوا بها، وعندما كتبت الأناجيل على يد تلاميذ ورسل يسوع في القرن الميلادي الأول، كتبوها بالآرامية، فاكتسبت هذه اللغة، لغة السريان، أهمية دينية خاصّة، وصار واجباً تعلمها وإتقانها لكلّ من أراد قراءة الأناجيل ودراستها.

اقرأ أيضاً: 10 معلومات عن القديس مار مارون مؤسس الطائفة المارونية
واكتسب السريان مكانة دينية خاصة أيضاً؛ بسبب كونهم من أول الأقوام الذين دخلوا في الديانة المسيحية، وذلك منذ زمن مبكر يعود إلى القرن الميلادي الأول، في وقت كانت الدولة الرومانية فيه تحارب كلّ من يعلن اعتناقه المسيحية، وكان للسريان الدور الأكبر في نشر المسيحية، فكان منهم رسل انطلقوا ينشرون المسيحية في أنحاء آسيا، على امتداد طريق الحرير.
ومع مرور الزمن، انقسم السريان إلى كنائس، مع بقائهم تحت مظلة ما تُعرف بالكنائس السريانية، فهناك الشرقيون، الذين استقروا في مناطق شمال العراق، المعروفون بالنساطرة، ومنهم ظهرت الكنيسة الكلدانية، وهناك الغربيون المنتشرون في سوريا ولبنان والمناطق الواقعة اليوم في جنوب تركيا، المعروفون بـ "اليعاقبة"، وما تفرع وتطور عنهم من كنائس بما في ذلك المارونيّة، ويعدّ الارتباط بالديانة المسيحية واللغة الآرامية الخاصَّتين الأهم لتمييز القومية السريانية.

مسيحيون سريان من الموصل.. في بداية القرن العشرين

تأثيرات لغوية
بفضل حركة التجارة، كان العرب في الحجاز وشبه الجزيرة على اتصال دائم بالسريان المتواجدين في سوريا، وقد انعكس الاختلاط والاحتكاك بينهم وظهر في نقل واقتباس اللغة العربية مفردات عديدة من السريانية، وبرز ذلك بشكل خاص في المسميات المرتبطة بالدين، وكثير منها ذكر في الآيات القرآنية.

اقرأ أيضاً: كيف تضطهد تركيا طائفة العلويين؟
ومن هذه الألفاظ: إبليس، وإنجيل، وجهنم، وحواريّون، وزبور، وشيطان، وفردوس، وقسيس، وقسط، والصراط. كما تشير بعض الآراء التفسيرية إلى أنّ الحروف المقطعة في بداية بعض السور القرآنية هي كلمات آرامية (سريانية)، ويدللون على ذلك بترجمة معناها وبيان تمام معاني الآيات بها، كما في هذا الفيديو:

إضافة إلى الكلمات الدينية؛ هناك كلمات أخرى سريانية جرى تعريبها، ذات ارتباط بالحضارة، مثل: خمر، وكأس، وكوب، ودرهم، ودينار، وتابوت، وسراج، وسجل، وسطر، وسفر، وقرطاس.
ترحيب بالقدوم العربي
وعندما وصلت الفتوحات العربية لمناطق السريان في بلاد الشام والعراق رحّب السريان بهم، باعتبارهم أقرب لهم عرقياً وثقافياً وحضارياً، من الفرس والروم، الذين كانوا يضطهدونهم ويفرضون عليهم القيود في عباداتهم، ونجد ذلك بوضوح في مواقف مثل تسليم بطريرك بيت المقدس السرياني، صفرونيوس، المدينة لجيش الخليفة عمر بن الخطاب، وعقده المعاهدة العمرية الشهيرة معه، التي ضمنت لهم السلم وحرية العبادة، وكذلك كان الحال في مدن أخرى، مثل دمشق، وحمص.

اقرأ أيضاً: الأحمدية: طائفة دينيّة بأصول فارسيّة تستلهم أفكاراً هندوسية
ويقول مؤلف كتاب "الفلاسفة والمترجمون السريان"، أفرام يوسف: "السريان رحّبوا بقدوم العرب، آملين التخلص من التشدد البيزنطي والساساني، وخضعوا برضا للدولة الجديدة".

تأثيرات تنظيمية
مع قيام دولة الخلافة العربية؛ أخذ العرب الكثير من أسس التنظيم من الدول السابقة لهم في المنطقة، بما في ذلك فارس وبيزنطة، إلا أنّهم تأثروا أيضاً بالسريان في هذا الخصوص، وبالتحديد في العصر الأموي حين كان مركز الحكم في دمشق؛ ففي عهد الخلافة الأموية، ومنذ زمن معاوية، كان الموظفون الإداريون من السريان، وكانت الدواوين تُكتب بالسريانية قبل تعريبها لاحقاً أواخر عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، وبرز من الكتّاب السريان في تلك الفترة: سرجون بن منصور، ومنصور بن سرجون، ويوحنا الدمشقي، الذي كان أمين السرّ المالي في الدولة الأموية، وكان مسؤولاً عن أموال الجيوش، وعن الزكاة.
الدور الحضاري الأبرز
لم تقتصر المساهمة الحضارية السريانية على الجانب الإداري، بل كانوا أيضاً بارزين في العلوم؛ من الطبّ إلى الرياضيات والفيزياء، فاعتمد عليهم الخلفاء المسلمون، خصوصاً في الطبّ، ومن أبرز العلماء والأطباء أفراد أسرة "بختيشوع"، الذين خدموا كأطباء للخلفاء العباسيين، وكان منهم جبريل بن بختيشوع، وبختيشوع بن جبريل، ويوحنا بن بختيشوع، وأبو سعيد عبيد الله بن بختيشوع، إضافة إلى حكماء آخرين، مثل: يحيى بن البطريق، ومتى بن يونس، واسطفان بن باسيل، ويوحنا بن ماسويه، مدير مشفى دمشق خلال خلافة هارون الرشيد، وحنين بن إسحاق المسؤول عن بيت الحكمة في بغداد.

تعرض السريان على يد العثمانيين للمجازر؛ من مذابح ديار بكر في عهد السلطان عبد الحميد، إلى مذابح سيفو

وكانت المساهمة الحضارية الأبرز للسريان في الحضارة العربية الإسلامية؛ هي دورهم في حركة الترجمة، ذلك أنّ الكتب العلمية كانت مكتوبة بالسريانية، وكانت السريانية تلقب عند العرب بـ "أميرة الثقافة وأم الحضارة"، أو باليونانية التي كانوا يتقنونها أيضاً، وبدأت مساهمتهم منذ العصر الأموي، مع مساهمات أمثال الراهب أسطفان، الذي شرع بترجمة الكتب الطبية والكيميائية والفلكية، وماسرجويه الذي نقل كتاب "الجامع في علم الطب".
وفي العصر العباسي؛ كان معظم المترجمين في بيت الحكمة من السريان، اليعاقبة والنساطرة، وبلغ عدد المترجمين السريان ببغداد، في ذروة حركة الترجمة زمن الخليفة المأمون، خمسين مترجماً سريانياً، برز منهم سلام الأبرش، الكاتب السرياني الذي ترجم كتاب الطبيعة لأرسطو، وثيوفيلوس الرهاويّ، مستشار الخليفة المهدي، والذي نقل الإلياذة والأوديسة إلى العربية.

في بيت الحكمة البغدادي.. كان معظم المترجمين من السريان

في النهضة العربية الحديثة
ارتبط الازدهار العلمي السرياني بفترة ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، خاصة في العصر العباسي، ومع انهيار الخلافة والاجتياح المغولي تراجعت الحركة العلمية السريانية مع تراجع العلوم والمعارف في عموم المشرق العربي، وبقيت الكنائس السريانية كمراكز علمية محدودة التأثير مع محافظة رجال الدين السريان على اهتمامات بمجالات اللغات والآداب والتاريخ.
مع بداية عصر النهضة العربية الحديثة، في القرن التاسع عشر، برزت المساهمة والدور السرياني من جديد في إثراء الحركة العلمية والثقافية العربية، وإحياء اللغة العربية الفصحى وآدابها، وبرز بالتحديد دور المثقفين الموارنة الذين تمسكوا باللغة والثقافة العربية، وقدموا إسهاماتهم عبرها، من أمثال: بطرس البستاني، وأحمد فارس الشدياق، وأمين الريحاني، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة.

لم يَحُل التفاعل الإيجابي مع المحيط، دون تعرض السريان للحظات مظلمة، كما كان حالهم مع الدولة العثمانية التي تعرضوا على يدها للمجازر؛ من مذابح ديار بكر في عهد السلطان عبد الحميد، إلى مذابح سيفو خلال الحرب العالمية الأولى، واستمرت المعاناة حتى الأعوام الأخيرة، بعد سيطرة تنظيم داعش على معظم سهل نينوى، مركز تواجدهم في العراق، ما تسبب بحركة تشتيت وهجرة واسعة من ديارهم وموطنهم نحو المهجر.

الصفحة الرئيسية