السؤال حين يكون افتراضاً

السؤال حين يكون افتراضاً

السؤال حين يكون افتراضاً


11/01/2026

هل سيبقى الوضع كما هو عليه؟ وماذا لو؟ وماذا إن؟ ومرادفاتُها من الأسئلة، عباراتٌ بسيطة في كلماتها، لكنّها عميقةٌ في تأثيرها، قادرةٌ على اختراق اليقين وزعزعة المسلّمات، وإعادة تشكيل منظومة الممكن، وهذه الأسئلة، برغم بديهيتها التي تدفعُ الأطفالَ لطرحِها دونَ تردّدٍ، تُخيفُ الأنظمةَ القمعيةَ بشدّةٍ لأنّها تمسُّ أركانَ سلطتِها. إذ بين الشرطِ والفرضيةِ التي تحملُها النتيجةُ المتصوَّرةُ، تتشكّلُ احتمالاتٌ جديدةٌ تنبثقُ منها عوالمُ مختلفةٌ، سواءٌ بإعادةِ البناءِ، أو التدميرِ وإزالةِ ما كان قائمًا، فالأدبُ يتنفّسُ من هذا التساؤل، حيثُ يجدُ فيه مساحةً للخيالِ والتصوّرِ اللامحدودِ، والسياسةُ تخضعُ له كأداةٍ لتحليلِ الواقعِ وتوجيهِ القرارِ، بينما تتحدّدُ مساراتُ المجتمعاتِ تبعًا لقدرتِها على تبنّي هذه الفكرةِ بجرأةٍ أو النفورِ منها خوفًا من التغييرِ، الافتراضُ ليس مجرّدَ سؤالٍ، بل هو شرارةٌ قد تحرّكُ عجلةَ التطوّرِ أو تدفعُ نحوَ التحدّي والانهيارِ، وفقًا للكيفيةِ التي يُستخدمُ بها.

وإذا ما تعمّقنا في النظر إلى صيغةِ السؤالِ، "ماذا وما يتبعُها"، ليس باعتبارِه مجرّدَ فضولٍ عابرٍ أو فكرةٍ عابثةٍ، بل كمفهومٍ عميقٍ ينبعُ من الرغبة في التغيير وإعادةِ التفكيرِ، فإنّنا سنكتشفُ أنّه أداةٌ مبتكرةٌ تتنقّلُ بين كونِها أسلوبًا أدبيًّا، وتحذيرًا سياسيًّا، ودافعًا قويًّا للتغيّرِ الاجتماعيِّ، ومن خلال طرحِ هذا التساؤل، يتمُّ كسرُ قيودِ التسليمِ بالواقعِ المفروضِ، والابتعادُ عن الإيمان بالحتميّاتِ، والتأكيدُ على قدرةِ العقلِ الإنسانيِّ على إعادةِ تشكيلِ الواقعِ الذي نعيشُه.

الافتراض كفعلٍ أدبيٍّ

ينطلقُ الأدبُ من لحظةِ تردّدٍ في علاقتِه بالواقع، حيثُ يختارُ الإبداعُ أن يتحدّى الصورَ النمطيةَ، ويعيد صياغةَ كلِّ ما نألفُه، ويشتركُ المبدعونَ ـ من الروائيّين إلى الشعراءِ وكتّابِ المسرحِ ـ في نزعةٍ مشتركةٍ مفادُها التساؤلُ عمّا إذا كان يمكنُ للعالمِ أن يكونَ مختلفًا، فمنذ القصصِ والأساطيرِ القديمةِ حتى أكثرِ النصوصِ الحديثةِ جرأةً، يُعتقدُ أنّ الأدبَ مساحةٌ لتجربةِ سيناريوهاتٍ افتراضيةٍ، كما لو أنّه مختبرٌ يصوغُ الاحتمالاتِ، حيثُ تسألُ الملحمةُ: ماذا لو تدخّلتِ الآلهةُ في مساراتِ البشرِ وغيّرت مجرى حياتِهم؟ بينما تسألُ المأساةُ: ماذا لو أنّ خطأً صغيرًا أو عيبًا واحدًا بوسعِه تدميرُ أعظمِ الفضائلِ؟ أمّا الروايةُ فتسألُ: ماذا لو اخترنا النظرَ في تفاصيلِ حياةِ شخصٍ بسيطٍ من منظورٍ أخلاقيٍّ عميقٍ؟

لم تُثِرْ هذهِ التساؤلاتُ خيالَ الكتّابِ والقرّاءِ فحسب؛ بل حفّزتْ على التفكيرِ بطريقةٍ جديدةٍ على مرِّ العصورِ، مسلّطةً الضوءَ على قدرةِ الأدبِ على فتحِ آفاقٍ جديدةٍ للواقعِ وطرحِ احتمالاتٍ غيرِ مسبوقةٍ للحياةِ.

وعلى سبيلِ المثالِ فإنّ رواية جورج أورويل "1984" ليست مجرّدَ عملٍ ديستوبيٍّ يروي قصةً خياليةً، بل هي استكشافٌ مكثّفٌ لفكرةٍ افتراضيةٍ موجّهةٍ نحوَ المستقبلِ؛ ماذا لو أُخضِعت اللغةُ للتحكّمِ؟ ماذا لو كان بالإمكان إعادةُ كتابةِ التاريخِ يوميًّا؟ ماذا لو أصبحت الحقيقةُ غيرَ ضروريةٍ للسلطة؟ ومصدرُ الرعبِ في الروايةِ لا يكمنُ في كونِها محضَ خيالٍ، بل في اقترابِها المقلقِ من الواقعِ، فالقارئُ لا يرتعدُ لأنّ أورويل يُفرِطُ في الخيالِ، بل لأنّه يرسمُ المستقبلَ بدقّةٍ مخيفةٍ ومؤلمةٍ.

وبالمثلِ، يبرزُ سؤالُ الافتراضِ في الأدبِ العربيِّ بأسلوبٍ مغايرٍ، معتمدًا على الرمزيةِ والاستعارةِ بدلًا من التأمّلِ المباشرِ، حيثُ نلاحظُ في شعر محمود درويش مثلًا، أنّ موضوع الوطنِ المشروطِ يتكرّرُ، من خلالِ تساؤلاتٍ عميقةٍ: ماذا لو استعادت الأرضُ ذاكرتَها الملأى بمن كان يسكنُها؟ ماذا لو أصبحَ المنفى هو اللغةَ نفسَها؟ ولا يقتصرُ شعرُ درويش على التعبير عن الحزنِ والفقدِ، بل يمضي إلى افتراضِ أشكالٍ جديدةٍ ومبتكرةٍ للانتماءِ، وهو ما يجعلُ الصورةَ المشروطةَ في قصائدِه، تتحوّلُ إلى لحنٍ غنائيٍّ يحملُ عمقًا وجوديًّا، دون أن يفقدَ الجرأةَ والجذريةَ التي تميّزُه.

يزدهرُ الشعرُ بشكلٍ خاصٍّ عبرَ استحضارِ أسئلةٍ افتراضيةٍ، لكنّها لا تحملُ إجاباتٍ نهائيةً، فالقصيدةُ نادرًا ما تقدّمُ أجوبةً قطعيةً لأسئلتِها، وإنّما تحافظُ على تركِها مفتوحةً ومفعمةً بالحياةِ، ويغوصُ شاعرُها في تأمّلِ الأسئلةِ؛ ماذا لو كان الحبُّ جرحًا؟ أو ماذا لو كان اللهُ أقربَ من الخوفِ؟ ويتركُ القارئَ عائمًا بينَ دلالاتِ المعنى وسحرِ الغموضِ، وضمنَ هذا السياقِ، لا يَرِدُ الافتراضُ كاستفسارٍ ينتظرُ حلًّا، بل كموقفٍ وجوديٍّ يتحدّى الواقعَ الراكدَ ويرفضُ أن يغلقَ أبوابَه على ذاتِه.

الافتراض، كسؤالٍ سياسيٍّ

بينما تُلهِمُ أسئلةُ الافتراضِ الأدبَ والأدباءَ، فإنّ السياسةَ تسعى إلى توزيعِها وتنظيمِها ضمنَ الإطارِ المجتمعيِّ، حيثُ يرتكزُ كلُّ نظامٍ سياسيٍّ على اتفاقٍ ضمنيٍّ في ترتيباتٍ معيّنةٍ، تبدو كأنّها حقائقُ ثابتةٌ؛ سواء أكانت بديهيةً، ضروريةً أو حتى محتّمةً، بينما تظهرُ الحدودُ، والتسلسلاتُ الهرميةُ، والقوانينُ والهويّاتُ كمسلّماتٍ لا كخياراتٍ يمكنُ مراجعتُها، وفي هذا السياقِ لا تبدو أسئلةُ الافتراضِ كنوعٍ خطيرٍ من الأسئلةِ، ويحدثُ ذلك لسهولةِ إيجادِ مبرّراتٍ لها، ومن بينها الأسئلةُ الأكثرُ جرأةً وتحدّيًا؛ وهي: ماذا لو تغيّرتِ المعطياتُ القائمةُ؟ ماذا لو تغيّرَ توزيعُ السلطةِ؟ ماذا لو لم تكن الثروةُ حكرًا على قلّةٍ؟ ماذا لو كانت المواطنةُ مستندةً إلى الأخلاقِ وليس الإرث؟ وماذا لو أنّ الدولة عملتْ لخدمةِ الشعبِ بدلًا من التحكّم في شؤونِه؟

وتحدثُ الثوراتُ عندما ينتقلُ سؤالُ الافتراضِ، من مجرّدِ تفكيرٍ فرديٍّ إلى صرخةٍ جماعيةٍ، فقد كانت الملكيةُ تُعتبرُ نظامًا مقدّسًا مُنزَلًا قبلَ اندلاعِ الثورةِ الفرنسية، ولكنّ تلكَ الثورةَ لم تبدأ بآلةِ المقصلةِ، بل انطلقتْ من تساؤلٍ بسيطٍ ولكنّه زلزلَ المسلّماتِ، وكانت ثيمتُه؛ ماذا لو لم يكن الملكُ رمزًا مقدّسًا مطلقًا؟ وحينَ طُرحَ هذا السؤالُ، أصبحَ من المستحيلِ على التاريخ أن يعودَ إلى سابقِ عهدِه.

تَتبنّى الأنظمةُ الاستبداديةُ الحديثةُ، بغضِّ النظرِ عن إيديولوجياتِها، استراتيجياتٍ مشتركةً تهدفُ إلى القضاءِ على حالةِ الشكِّ أو التردّدِ، فهي تسعى إلى فرضِ فكرةِ الاستمراريةِ، الحتميّةِ، والمصيرِ المحتومِ، من خلالِ استبدالِ الأسئلةِ بالشعاراتِ، وتغدو الرواياتُ ثابتةً غيرَ قابلةٍ للتغييرِ. أمّا المستقبلُ، فهو معروفٌ سلفًا، حيثُ يتمُّ تصويرُ المعارضةِ؛ ليس كخلافٍ في وجهاتِ النظرِ بل كنوعٍ من الجنونِ أو الخيانةِ.

وفي مثلِ هذهِ الأحوالِ، يتحوّلُ سؤالُ الافتراضِ إلى فعلِ مقاومةٍ. وليس من قبيلِ المصادفة أن يكونَ غالبيّةُ السجناءِ السياسيّين من الشعراءِ أو الكتّابِ أو المعلّمينَ، ممّن تمَّ تدريبُهم على استحضارِ البدائلِ وتخيّلِها، فيما يُعدُّ مجرّدُ التفكيرِ في نظامٍ مختلفٍ، بحدِّ ذاتِه، تقويضًا للنظامِ القائمِ.

حتّى في الديمقراطياتِ الليبراليةِ، لا يكونُ سؤالُ الافتراضِ بمنأى عن القمعِ، فهذهِ الأنظمةُ، تقومُ بإخمادِ السؤالِ عبرَ الإنهاكِ بدلًا من القوّةِ، فتسعى إلى دفعِ المواطنين إلى الاقتناعِ بأنّ التفكيرَ في البدائلِ غيرُ عمليٍّ، أو ساذجٍ، أو يتعذّرُ تطبيقُه اقتصاديًّا، على سبيلِ المثالِ، ماذا لو كانتِ الرعايةُ الصحيةُ متاحةً للجميعِ؟ ويُطرحُ هذا السؤالُ بوصفِه مكلِفًا للغايةِ، أو ماذا لو كانتِ الحدودُ تُدارُ بطريقةٍ إنسانيةٍ؟ وهو أمرٌ غيرُ واقعيٍّ، وهذهِ الطرقُ لا تمنعُ التفكيرَ في الاحتمالاتِ، بل تقابلُها بالسخريةِ والتهوينِ.

وهكذا، يتمُّ تجاوزُ الصراعِ السياسيِّ حولَ أسئلةِ الافتراضِ، من خلالِ انشغالِ الناسِ في البحثِ عن إجاباتٍ، فيغدو مسألةَ شرعيةٍ، يُحدِّدُ شرعيّتَها من يحقُّ له أن يطرحَ السؤالَ، وبأيِّ أسلوبٍ يتمُّ طرحُه.

سؤال الافتراض، والخيال الاجتماعيّ

لا تتغيّرُ المجتمعاتُ بفعلِ القوانينِ فقط، بل عبرَ التحوّلاتِ في الخيالِ الجمعيِّ، وقبلَ أيِّ إصلاحٍ قانونيٍّ، يكونُ هناكَ دائمًا تخيّلٌ لنظامٍ اجتماعيٍّ بديلٍ ومختلفٍ، ماذا لو كانَ دورُ المرأةِ غيرَ محدَّدٍ في إطارِ المنزلِ؟ ماذا لو لم يُحدِّدِ العِرقُ مصيرَ الفردِ؟ ماذا لو تمَّ التعاملُ مع المرضِ النفسيِّ كحالةٍ تحتاجُ إلى عنايةٍ وعلاجٍ بدلًا من كونِه وصمةً؟ ماذا لو لم يكنِ الفشلُ قضيةً أخلاقيةً تحكمُ على الإنسانِ؟

ينطلقُ كلُّ تغييرٍ اجتماعيٍّ كبيرٍ من فكرةٍ تبدو في البدايةِ جريئةً وغيرَ مألوفةٍ. إلغاءُ العبوديةِ، حقُّ المرأةِ في التصويتِ، حقوقُ العمّالِ، والحقوقُ المدنيةُ؛ جميعُها بدأتْ كتصوّراتٍ هدّدتِ التوازنَ الاجتماعيَّ القائمَ، وبيّنتْ ردودُ الفعلِ العنيفةُ تجاهَ هذهِ الأفكارِ، مدى تمسّكِ المجتمعاتِ بالأنماطِ التقليديةِ التي تخلطُ أحيانًا بينَ الظلمِ المألوفِ والتقاليدِ المجتمعيةِ المستقرّةِ.

الأعرافُ الاجتماعيةُ لا تستمرُّ لأنّها عادلةٌ أو أخلاقيةٌ بالضرورةِ، بل لأنّها ببساطةٍ أصبحتْ جزءًا من التفكير الذي يصعبُ تخيّلُه أو قبولُه بشكلٍ مختلفٍ، ودورُ سؤالِ الافتراضِ الذي يطرحُه المجتمعُ، هو كسرُ هذهِ الحواجزِ التقليديةِ، من خلالِ تعزيزِ الشكِّ تجاهَ الروتينِ، ومنعِ التعاطفِ حيالَ الصورِ النمطيةِ، وإحداثِ ديناميكيةٍ في حالاتِ الركودِ الفكريِّ أو التطبيقيِّ.

تتقلّصُ مساحةُ التساؤلِ والإبداعِ المرتبطِ بأسئلةِ الافتراضِ في زمنِنا الحاليِّ، حيثُ تسيطرُ الخوارزمياتُ وتتحكّمُ بالمقاييس الدقيقة على العديد من جوانب الحياةِ، وهو ما جعلَ المجتمعاتِ ترزحُ تحتَ تأثيرِ أنظمةِ التنبّؤِ، التي تخبرُنا بما سنرغبُ به أو نشتريه، ومن سنرتبطُ به عاطفيًّا، وحتّى تقديرِ العمرِ الذي سنعيشُه. لقد تحوّلَ مفهومُ الاحتمالِ إلى مجرّدِ مخطّطٍ محدّدٍ مسبقًا، ممّا جعلَ المستقبلَ أقلَّ انفتاحًا على التخيّلِ وأكثرَ اعتمادًا على نظمِ التخطيطِ الثابتةِ.

وربّما يكمنُ التهديدُ الأكبرُ في عصرِنا هذا ليس في الرقابةِ المباشرةِ، بل في فكرةِ التنبّؤِ المُسبقِ، حينَ يتمُّ اختزالُ الحياةِ إلى قوالبَ وأنماطٍ مألوفةٍ، فتفقدُ احتماليةُ التغييرِ معناها وقيمتَها، ويتمُّ استبدالُ سؤالِ الافتراضِ بجملةٍ ثابتةٍ مفادُها: هكذا تسيرُ الأمورُ دائمًا.

أخلاقيات الافتراض

رغمَ أهميةِ سؤالِ الافتراضِ، فإنّه ليس آمنًا بصورةٍ مطلقةٍ، وإنّما يمكنُ له أن يتحوّلَ إلى أداةٍ خطرةٍ؛ ماذا لو اعتُبِرَ الآخرون أعداءً؟ ماذا لو أصبحَ الخوفُ مبرّرًا للعنف؟ وماذا لو كانت المراقبةُ هي ثمنَ الأمنِ والاستقرار؟ فالتاريخُ مليءٌ بسيناريوهاتِ الافتراضِ التي قادتْ إلى الكوارثِ، بما في ذلكَ تبريرُ القمعِ، والإبادةِ الجماعيَّةِ، والحروبِ، وهذا يُؤكّدُ أنّ الافتراضَ لا يضمنُ دائمًا مسارًا أخلاقيًّا واضحًا، وإنّما يفتحُ المجالَ لخياراتٍ محتملةٍ، يتوقّفُ تأثيرُها على من يتبنّاها والغايةِ منها، لذلكَ، تكمنُ المسؤوليةُ الأخلاقيةُ في توجيهِ سؤالِ الافتراضِ، نحوَ المسارِ الصحيحِ بدلًا من قمعِه، وينبغي على المجتمعات الواعية أن تمتلكَ القدرةَ على التمييزِ بينَ الخيالِ الواسعِ والفرضياتِ المرضيةِ، فالسؤالُ الذي يحملُ مفتاحَ الحرّيةِ قد يحملُ بذرةَ الهلاكِ أيضًا.

وتقدّمُ لنا الأدبيّاتُ هنا رؤًى ذاتَ قيمةٍ عاليةٍ، فالأعمالُ العظيمةُ لا تقترحُ حلولًا مبسّطةً للمشكلاتِ، بل تزيدُها عمقًا وتعقيدًا، من خلالِ الدعوةِ لتأمّلِ أسئلةِ الافتراضِ، يليها طرحٌ للنتائجِ بشفافيةٍ وصدقٍ، بعيدًا عن التراجعِ نحوَ الحلولِ السهلةِ أو المريحةِ، ولهذا السببِ غالبًا ما يُعدُّ الأدبُ الجادُّ مثيرًا للقلقِ؛ إذ لا يسمحُ للقارئِ بالاكتفاءِ بطرحِ السؤالِ، بل يدفعُه إلى مواجهةِ تكاليفِ الإجابةِ عنه.

الحياة في إطار الافتراض

العيشُ دونَ التفاعلِ مع أسئلةِ الافتراضِ هو اختيارُ التراجعِ إلى الماضي، حتّى في اللحظاتِ الحاضرةِ، وهو بمثابةِ قبولٍ ثابتٍ للعالمِ بوصفِه منتهيًا ومغلقًا وغيرَ قابلٍ للتغييرِ، أمّا العيشُ في ضوءِ أسئلةِ الافتراضِ المتواصلةِ، فهو تجربةٌ محفوفةٌ بالمخاطرِ، تتطلّبُ الشكَّ والمسؤوليةَ وقبولَ احتمالاتِ خيبةِ الأملِ، إلّا أنّ هذا المسارَ هو الطريقةُ الوحيدةُ التي تتيحُ للتاريخِ أن يتقدّمَ بدلًا من إعادةِ نفسِه، ولو بوتيرةٍ تكنولوجيةٍ أسرعَ ومواقفَ أخلاقيةٍ أكثرَ هشاشةً، سؤالُ الافتراضِ ليس مجرّدَ شعارٍ مثاليٍّ أو وعدٍ بالخلاصِ، بل هو وعدٌ بإمكانيةِ التغييرِ ومواجهةِ الواقعِ بشكلٍ أكثرَ شجاعةً وواقعيةً.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية