الزغول: إيران عاجزة عن إنتاج أنموذج وشعبها تعب من الإسلام السياسي

6080
عدد القراءات

2018-07-02

أجرى الحوار: عاصف الخالدي
قال الباحث الأردني محمد الزغول إنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين، وأنّ مَكْمَن قوتها يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة، وأشار في حواره مع "حفريات" إلى ضرورة إعادة تعريف الدور القطري تجاه العالم العربي بعد المتغيرات الأخيرة منذ "الربيع العربي" وظهور محور اعتدال عربي يحاول استعادة منظومة الدولة العربية.
وأكد رئيس وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، أنّ معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، "مع ذلك ثمة أطراف وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني".

لم تنجح محاولات فرض الاعتدال والديمقراطية داخل إيران لأن أزمة النظام بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم

يذكر أن الزغول مهتم بالشؤون الإيرانية والإقليمية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة طهران عام 2004، يكتب باللغتين العربية والفارسية. وله عدد من المصنفات والترجمات العربية والفارسية، وعدد كبير من المقالات والدراسات والأبحاث في الأدب السياسية والشؤون الثقافية في إيران والعالم العربي، وعمل خبيراً في الشؤون الإيرانية مع عدة مؤسسات عربية ودولية.
وهنا نص الحوار:

في ظل الأزمة الخليجية الحالية، كيف ترى الجهود العربية اليوم  خاصة الخليجية لمواجهة الخطر الإيراني؟
تشهد منطقة الخليج العربي اليوم أزمتين كُبرَيَيْن، من المُرجَّح أنْ ترسم نتائجُهما ملامحَ مستقبل المنطقة جيوسياسياً؛ التصعيد الأمريكي-الإيراني، والأزمة القطرية. وتتفاعل هاتان الأزمتان بطبيعة الحال مع باقي أزمات الشرق الأوسط وصراعاته التي يُغذي كل منها الآخر، أو يؤثر فيه.
ويتمثّل التحدي الأبرز في الأزمة القطرية بمسألة "إعادة تعريف الدور القطري" وفق المتغيرات الخليجية، والإقليمية، والدولية الجديدة، وهي مسألة معقّدة، تتطلب إحداث تغييرات جذرية في ديناميّات صناعة القرار القطري، وإعادة هيكلة المؤسسات القطرية التي تشكَّلت في أعقاب احتلال الكويت 1990، وساهمت في دخول الدوحة لاحقاً تحت مظلة الحماية الأمريكية المباشرة، واضطلاعها بدورها الحالي.

صفقة القرن مزعومة ولا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب

أما أزمة النظام الإيراني، فهي داخلية أكثر من كونها إحدى إفرازات النظامَيْن الإقليمي والدولي، أو الاختلالات الكبرى في خريطة توازنات القوة العالمية؛ فقد ثبت بعد أربعة عقود تقريباً على "الثورة الإسلامية في إيران" أنها غير قادرة على تقديم أنموذج سياسي أو اقتصادي قابل للاستمرار، لا في محيطها الإقليمي المباشر، ولا في الفضاء العالمي الأوسع.
إن الرّغبة الإيرانية في التوّسع والنفوذ على مستوى الإقليم، ليست ناتجة عن فائض قوة اقتصادية وعسكرية لم يعد الداخل الإيراني يتّسع لها، بل عن إدراك صُنّاع القرار في طهران لوجود هشاشة في المحيط الإقليمي، وخاصة العربي، تسمح لهم بالتوسع، وتحقيق مكاسبهم ، أو تتطلّب منهم التدخُّل لحماية مصالحهم من تدخلات قوى أخرى.
وكل ذلك على الرغم من تفاقُم نقاط الضعف الذاتية في الداخل الإيراني. وبعبارة أخرى فإنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين. وبالتالي فمَكْمَن القوة الإيرانية يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة.
لكنّ الإقليم يشهد منذ ثلاث سنوات تغيُّرات في هذه المعطيات، فهناك محور اعتدال عربي (سعودي-إماراتي-أردني-مصري-بحريني-كويتي) تشكّل، وهو يعمل على استعادة "الدولة" العربية، وترميم "المنظومة" العربية.

رغم أزماته إلا أن النظام الإيراني سيصمد لوجود إرادة هائلة للقمع وتطوير قدرته على ممارسته

واليوم، يستشعر النظام الإيراني كذلك خطراً وجودياً بعدما قامت الولايات المتحدة بإعادة تعريف علاقتها معه وفقاً لمعادلة صراع واضحة، ولعلها المرة الأولى التي تعلن فيها الولايات المتحدة الأمريكية عن استراتيجية واضحة المعالم تجاه المسألة الإيرانية منذ العام 1979.

وبالنظر إلى المعادلات الإقليمية الناشئة عن تفاعُل الأزمتين؛ القطرية والإيرانية، في سياق المشهد الإقليمي والدولي، فإنّه من المرجح أن تتواصل الضغوط الأمريكية على مختلف أطراف الأزمة للوصول إلى حلول وسط، دون أن تصل هذه الضغوط إلى حدّ التأثير على استمرار العلاقات الأمريكية بهذه الأطراف.
لكنّ حقيقة أن الأزمة هي في قطر، وليست مع قطر، تفرض نسقاً معيناً من المسارات المستقبلية التي تتطلب درجة عالية من المرونة، ولذلك تعتمد خيارات طرف الأزمة الرئيس (قطر) على مدى الواقعية والعقلانية التي تتمتع بها القيادة السياسية، في الوقت الذي تعتمد فيه "واقعيةُ استجابات هذه القيادة" على حجم المحفزات والتسهيلات التي يقدمها باقي الأطراف (الدول المقاطعة)، بموازاة الضغوط السياسية والاقتصادية.

تؤثر الأزمة الخليجية ودور قطر فيها على التوافق العربي

إيران واستثمار الأزمة الخليجية

هل لمست أي محاولاتٍ إيرانية واضحة لاستغلال الأزمة الخليجية أو دعم طرفٍ من أطرافها؟
جاء استثمار إيران في الأزمة القطرية انطلاقاً من كون الأزمة وفرت فرصة مجانية لتحقيق أهداف إيرانية غير مرتبطة مباشرة بجوهر الأزمة، لكنها متعلقة بصراع الهيمنة الإقليمي. فقد وجدت طهران فرصة لإضعاف المنظومة الخليجية المتمثلة في "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، ولذلك تركزت جهودها على إطالة أمد الصراع.
وبطبيعة الحال،حاولت إرباك المملكة العربية السعودية، وإشغالها بأزمات مُتعددة تُضعِف قدرتها على عرقلة الجهود الإيرانية للهيمنة الإقليمية، واتسعت خريطة الأهداف الإيرانية لتشمل أيضاً الحصول على التمويل القطري، خاصة في ظل النقص الحادّ في التمويل الذي تعاني منه إيران، والسعي لتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية متعلقة بزيادة التبادل التجاري، والخدمات اللوجستية بين قطر وإيران، هذا علاوة على الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية في الملف السوري، أبرزها التقارب مع تركيا، وإضعاف الدور السعودي في الملف السوري.

يخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية

ففي بداية الأزمة، حاولت طهران استكشاف فرص تحقيق مكاسب استراتيجية مثل الحصول على موطئ قدم داخل المنظومة الخليجية، لكنّ هذه المحاولة أخفقت، فقد فرضت الولايات المتحدة قيوداً صارمة على وتيرة التقارب الإيراني-القطري، وأُلزمت قطر بإبقاء العلاقات مع إيران في حدود احتياجات قطر اللوجستية للجانب الإيراني.
وبالنظر إلى خريطة الأهداف السابقة، يتضح أنّ طهران لم تحقق مكاسب سياسية أو اقتصادية مهمة نتيجة الوقوف إلى جانب قطر في الأزمة؛ إذْ فرضت الولايات المتحدة حدوداً ضيقة على التقارب القطري-الإيراني، ومنعت خروج قطر من "مجلس التعاون"، فاستأثرت تركيا بالحضور العسكري، واستأثرت عُمان بمعظم المكاسب الاقتصادية الناتجة عن تغيُّر حركة الملاحة والنقل بعد قرار المقاطعة.

اقرأ أيضاً: أنس القصاص: الأزمة السورية مغلقة حتى إشعار آخر

وما قيل ويقال عن ارتفاع التبادل التجاري الإيراني مع قطر بنسبة 60 بالمئة هو مجرّد تضخيم للواقع، ويتحوّل إلى أرقام صغيرة عند النظر إلى ميزان التبادل التجاري المتواضع جداً بين الطرفين قبل الأزمة. أما الموانئ الإيرانية التي خُصصت لنقل البضائع إلى قطر فهي هزيلة، وتعاني من ضعف القدرة الاستيعابية حتى قبل الأزمة، و"ميناء تشابهار" لا يزال تحت الإنشاء، وغير جاهز للاستخدام. وقد أظهر السوق القطري اهتماماً أكبر بالمنتجات التركية، وخاصة المحمولة جواً؛ ما جعل إيران مجرّد طريق عبور محدود الأهمية.
كيف تنجح إيران بتكريس سردية "محور المقاومة" في المنطقة على الرغم من تدخلها العنيف والصريح في مختلف الصراعات الإقليمية؟
دشَّنت ثورة 1979 حقبة من الصراعات الطائفية الحادة والاضطرابات في المنطقة. وفي حين ظهرَ أن معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، مع ذلك، نلحظ اليوم أن هناك أطرافاً وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني.
وأزعم أنّ الرهان على ما يسمى "النهضة الخمينية" في المنطقة العربية ينطلق من عُقدتين متجذّرتين في بعض الأوساط العربية؛ الأولى متعلقة بالكرامة، والأخرى متعلقة بالبقاء.

اقرأ أيضاً: إميل أمين: أمريكا لن تتوقف عن اللعب بورقة التطرف
إن شيوع شعور بالامتهان والإذلال نتيجة حقبة الاستعمار والإخفاقات العربية الكبرى طوال القرن الماضي جعل أعداداً كبيرة من الناس مستعدين لمناصرة كل من يحمل شعار استرداد الكرامة المفقودة. ولعل في ذلك تفسيراً لانجراف نسبٍ مرتفعة من المجتمعات العربية لتأييد أنظمة مستبدّة وتنظيمات متطرفة، وذلك قبل اتّضاح المآلات المفجعة لمثل هذا التأييد، التي عمّقت الخسارات العربية. وهناك أيضاً "عقدة أقلويّة" تطورت عند بعض الأفراد والجماعات من أتباع الأقليات الدينية والعرقية وبعض القوى السياسية في المنطقة، نتيجة إخفاقات بناء الدولة الوطنية، وبروز مخاطر الإسلام السياسي، وتنامي انتشار التنظيمات المتطرفة والإرهابية.

تحاول إيران استثمار عدم الاستقرار في بلدان "الربيع العربي"

إيران وحلفاؤها الواهمون

لكن، لماذا لا يمنع هذا قوى سياسية عربية (يسارية مثلاً) ترى في أذرع إيران كحزب الله، حليفاً ضمن ما يسمى محور المقاومة، كيف يمكن تفكيك هذه الرواية؟
لقد صعّدت إيران من الخطاب الطائفي في المنطقة بعد أحداث "الربيع العربي" بهدف الاستثمار في هاتين العقدتين في الشارع العربي، وقدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة. وعلى سبيل المثال، لم يجد النفوذ الإيراني قبولاً في المناطق ذات الأغلبية السّنية نتيجة لصبغته الطائفية، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، على الرغم من إصرار طهران على التدخل المباشر في هذه المناطق، واستخدامها أوراقاً قبليّة وعرقيّة متفاوتة فيها.

اقرأ أيضاً: خزعل الماجدي: المطلوب وقف الإسلام السياسي الذي يتلاعب بحياتنا ومستقبلنا
من جانب آخر، استفاد النظام الإيراني من انغلاقه، وصدّر أزماته بصورة معقدةٍ تجاه مراكز التفكير في العالم، وتجاه الدول التي تتقاطع بمصالحها وأمنها مع إيران؛ وعليه تمكّن النظام من ترويج قراءاته بالنسبة للمشهد السياسي الداخلي، وكذلك لأزمات منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد العام ٢٠٠١. ويمكن الاستشهاد بمثالين: قراءة اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية عن الإرهاب، وكذلك قراءته حول خيارات التعاطي مع الملف النووي؛ ما أفضى إلى توقيع الاتفاقية النووية بين إيران و مجموعة "5 + 1".

قدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة

ولعلّ حقيقة أن إيران دولة بلا أصدقاء في المنطقة والعالم، تُثبت بشكل قاطع أنها ليست مستعدة، أو أنّها ترفض، اتّباع نهجٍ مقبول دولياً في علاقاتها الخارجية. ولا يمكن النظر إلى علاقات إيران بوكلائها في المنطقة على أنّها علاقات صداقة، لأنّها ببساطة قائمة على الاستتباع. ويُخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية؛ إذْ هو ليس إلّا مجرّد تحالف ضرورات لا يلبث أن يضمحلّ بنفس السّرعة التي تشكّل بها.

هل تعاني إيران انقساماتٍ داخلية حادة بعد التحركات الأمريكية الأخيرة ضدها بخصوص الاتفاق النووي؟

تشير الاحتجاجات الأخيرة، وتلك التي سبقتْها في الأعوام 1991 و1995 و1999 و2009، إلى تآكلِ شرعية النظام الإيراني، وتفاقمِ الأزمات الهيكلية الداخلية، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تدللُ على إخفاق "النموذج الإيراني".
وتعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: أزمة الهوية، وأزمة بناء الأمة-الدولة، وأزمة نموذج بناء القوة. ولا يمكن التوصل إلى فهم دقيق لإيران دون تفكيك هذه الأزمات البنيوية التي تحكم نظرة النظام إلى نفسه وإلى العالم.
ولعلّ أحد مظاهر الأزمة الهيكلية في إيران، حالةُ التصارع بين مراكز القوة المتعددة في النظام، والتضارب في المصالح بين أركانه؛ ومن ذلك التنافس بين مؤسسات الثورة، ومؤسسات الدولة؛ فمؤسسة رئاسة الجمهورية، ممثلةً بحكومة حسن روحاني، تعبّر عن توجهات تكنوقراطية حداثية، وتسعى إلى إعادة انخراط إيران في العالم، وهو ما يتناقض مع توجهات "الحرس الثوري".

تعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: الهوية وأزمة بناء الأمة-الدولة وأزمة نموذج بناء القوة

وتنعكس أزمة النظام الداخلية، وحالة الصراع بين تياري الدولة والثورة، على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد؛ ففي السنوات الأخيرة تراجع دور وزارة الخارجية في صنع هذه السياسة، ودخل "الحرس الثوري" كطرف فاعل فيها، وهيمن على ملفات إقليمية (كالعراق وسوريا ولبنان واليمن)، ومن تداعيات هذه الازدواجية في مراكز اتخاذ القرار بين مؤسسات الثورة والدولة غياب ثقة الدول بالحوارات والتفاهمات والاتفاقيات مع الحكومة الإيرانية.
لقد مثّلت الاحتجاجات الأخيرة تجلياً لمركب الأزمات في إيران، وبيّنت خطأ كل الرهانات على أنّ حل أزمة الملف النووي ستتبعه بالضرورة حلول لأزمات إيران الداخلية، وأنّها ستساهم بإعادة رسم المشهد الداخلي نحو الاعتدال والانخراط البناء مع النظام الدولي، وبرأيي أن كل تلك الافتراضات كانت مُسيّسة وموجهة، وبعيدة عن واقع المشهد داخل إيران؛ لأنّ أزمة النظام الإيراني أزمة بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم.

عنف إيران ليس إلا تضخماً لأزمة داخلية

كيف تنعكس أزمات النظام الإيراني الداخلية على سياسته الخارجية؟ وهل يتأثر الداخل الإيراني بالصراعات الطائفية التي يخوضها النظام إقليمياً؟

هناك علاقة تبادليّة بين سلوك إيران الخارجي وأزمتها الداخلية، فكما يجب النظر إلى سلوك إيران الخارجي على أنه انعكاس لـ"أزمة الهوية والنموذج"، ليس من شك في أن صراعات الإقليمية، وبخاصة الصراعات ذات الصبغة الطائفية منها، كان لها انعكاساتها الداخلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بما يعمق هذه الأزمة؛ وصحيحٌ أن اقتصاد إيران لم يدخل مرحلةً حرجةً بعدُ بسبب مواردها الغنية، لكنّ كُلفة الصراعات الإقليمية تمنع رخاءها الاقتصادي، وتُضعِف قُدرتَها على إرضاء الغاضبين والمهمّشين في الداخل، وهم كثيرون.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة
وبالنتيجة يمكن القول إنّ سياسات إيران الخارجية لا تخدم بالضرورة الاستقرار الداخلي الذي تقول قيادتها السياسية إنّه يتعرّض للتهديد، وإنّها تريد أن تدافع عنه، ولا شكّ أنّ الاستقرار شرط أساسي لتحقُّق الازدهار الاقتصادي سواء في إيران أو غيرها.
في المقابل، على الرغم من كل الأزمات التي يمرّ بها النظام الإيراني والاحتجاجات المتتالية التي شهدها، إلّا أنّه يملك قدرة على البقاء والتحايل على تلك الأزمات، لأسباب موضوعية عدة، أهمها وجود إرادة هائلة لدى النظام للقمع، وتطوير قدرته على ممارسة هذا القمع، وعدم وجود انشقاقات جذرية داخل طبقة الحكم، فضلاً عن غياب الدعم الخارجي لأيّ تغيير داخلي.
ويزدادُ التحالف الحاكم المكوّن من مؤسسة "بيت القائد"، ومؤسسة "الحرس الثوري" سطوةً، مع سيطرته على كل مفاصل البلاد العسكرية والاقتصادية والمالية والإعلامية، فضلاً عن حالة التمدُّد الإقليمي للنظام، ومع ذلك فهذا لا يعني أن إيران أضحت أكثر قوة أو منعة.. لقد أثبت التاريخ أنّ هذا النوع من الأنظمة لديه قابلية للانهيار بشكل دراماتيكي ومفاجئ جداً في أحيان كثيرة.

لو ابتعدنا عن إيران قليلاً، لا تنفك وسائل إعلام مختلفة وسياسيون من بعض الدول يلوحون بـِ"صفقة القرن" ويربطون دولاً عربية بها، ما رأيك؟
لا شكّ بأن هناك إرادة أمريكية صلبة، وموافقة ضمنية من القوى الدولية الكبرى، على حفظ التفوُّق (الإسرائيلي) في الإقليم، وأيُّ طرف إقليمي يسعى إلى تغيير هذا الوضع، سيحتاجُ إلى كسر هذا الإجماع أولاً، وهو ما لم يتحقق لغاية الآن. ولا توجد مؤشرات على إمكانية تحقُّقه في المدى القريب. هناك من يذهب إلى الاعتقاد أنّ المنظومة العربية التي عرفناها بعد الحرب العالمية الثانية في طور التلاشي والزوال، وأنّ هناك "شرق أوسط جديداً" بدأ يتشكل وفق مفاهيم جديدة؛ ولذلك فإنّ أيّ حلول في ظل هذا الاختلال الكبير في موازين القوة لن تكون "عادلة بما يكفي" لاستدامتها، كما أنّ الأطراف التي يُعتقد أنّها معنية بتوقيع هذه الصفقة المزعومة تفتقر إلى الكفاءة أو الجاهزية للوصول إلى مثل هذه الصفقة.

تنعكس أزمة النظام الإيراني الداخلية على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد

أزعم أنّه لا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب لأسباب عدة؛ أهمها الأزمات الداخلية التي يعاني منها أطراف الصفقة المفترضة؛ فالإدارة الأمريكية الحالية مأزومة في الداخل الأمريكي، وغير قادرة على فرض حلول قاسية على إسرائيل، كما أنّ نتنياهو يواجه أزمته الداخلية هو الآخر، وكذلك الأطراف العربية، فهي في وضع هشّ، لا يسمح لها بتاتاً بتقديم تنازلات بحجم "صفقة قرن" أو إلزام الشارع العربي بها.

كيف تقرأ الواقع العربي حالياً؟ وهل ثمة حلول ممكنة في المدى المنظور بخصوص الأزمتين السورية واليمنية؟
هناك متغيرات مهمة في الإقليم؛ لاعبون دوليون جدد في المنطقة، فروسيا أصبحت لاعباً ذا أهمية كبيرة في الشرق الأوسط، ولم تعد الولايات المتحدة ساذجة فيما يخص إيران بعد ذهاب إدارة باراك أوباما.. اليوم أمريكا أكثر دهاء، وفاعلية، وجرأة في المنطقة، وأيضاً أكثر انحيازاً للقراءة (الإسرائيلية) للمشهد. وإيران باتت في حالة ضعف مقارنةً بما كانت تشعر به من قوة على المسرح العالمي، بصرف النظر عن تشنجات زعمائها وتصريحاتهم النارية. (إسرائيل) أيضاً لديها مشكلاتها وإن كانت تبدو في وضع أفضل، لعل أحد أهم إشكالات المنطقة تتعلق بالافتقار إلى "نموذج" جاذب للعيش، أو قابل للاستمرار. المشاريع الإقليمية المتناحرة كلها مأزومة داخلياً فضلاً عن أن تكون قابلة للتصدير خارجياً.

على قطر أن تعيد تعريف دورها في المنطقة والعالم العربي حتى لا تقف في وجه التضامن العربي

ووفقاً للمحددات التي أشرت إليها في إجاباتي السابقة، يمكن القول إنّ مستقبل علاقات التعاون والتنافس، أو الصراع بين الأطراف الإقليمية، تحكمه نتائج "طموحات غير واقعية" لبعض القوى الإقليمية، وبالتالي فإن الطرف الذي يمتلك واقعية وبراغماتية أكثر، وغروراً وأيديولوجيا أقلّ، هو الذي سوف يستمرّ في المنطقة، دون إغفال أهمية عناصر القوة والضعف الذاتية. ويمكن القول إنّه أمام دول "محور الاعتدال العربي" فرصة تاريخية حقيقية للتوسُّع في بناء القوة واستدامتها، وبالتالي منافسة المشاريع الإقليمية الأخرى بقدر أكبر من القوة والفاعلية.

اقرأ أيضاً: الإدريسي: لن تهدأ المنطقة إلا بإسقاط المشروع الإخواني الأردوغاني

اقرأ المزيد...

الوسوم: