الدراسات العليا في العالم العربي: سرقات وتلقين وفوضى

الدراسات العليا

الدراسات العليا في العالم العربي: سرقات وتلقين وفوضى

مشاهدة

05/03/2020

قبل عامين ونيف؛ كتب أكاديمي أردني، على صفحته عبر منصة فيسبوك، مشكّكاً في مصداقية الشهادات العليا التي باتت تتوالد تباعاً في الوسط الأكاديمي الأردني والعربي، ليصار لطيّ صفحة الموضوع، بعد أن امتعضَ طلبة دراسات عليا كان الدكتور القائل مشرفاً على أطروحاتهم.

اقرأ أيضاً: الأزمات تعصف بالقطاع الأكاديمي في تركيا.. من المسؤول؟
ثمة من يرى إقبالاً لافتاً على حقل الدراسات العليا، عربياً وليس أردنياً فحسب، كما لو كان الأمر تساوقاً مع "موضة" أو تقليعة رائجة، إن جاز التعبير، فيما يتحدّث آخرون عن رداءة المُخرَج الحاصل من هذه الدراسات، لا سيما ما يتعلق بالجانب البحثي، فيما قلة لا تكاد تظهر، ترى أنّ الدراسات العليا تؤتي أُكلها على أصعدة عدة، على رأسها حاجة سوق العمل.
"حفريات" تستطلع
استطلعت "حفريات" آراء بعض المنخرطين في السلك الأكاديمي والدراسات العليا؛ في محاولة للإجابة عن الأسئلة الآنفة، لا سيما أنّ أرقام جامعة حكومية واحدة فقط، في الأردن، تشير إلى كونها خرّجت، منذ عام 1971 وحتى عام 2012، قرابة 18384 طالب دراسات عليا.

ثمة من يرى إقبالاً لافتاً على حقل الدراسات العليا
يقول أستاذ اللغة العربية في جامعة فيلادلفيا، د. يوسف ربابعة حول ما حصل للتعليم العالي في الوطن العربي بأنّه "بدأ بأعداد قليلة كانت الجامعات قادرة على استيعابها من حيث كفاءة الأساتذة واستعدادهم للإشراف على الأطاريح الدراسية والبحوث النوعية، وبعد ذلك، في لحظة، أصبحت الجامعات تبحث عن تمويل أكبر، لأنّها كانت تعتمد على دعم الحكومات، وهذا الدعم توقف لأسباب سياسية واقتصادية، فأخذت الجامعات تغطي نقص التمويل من خلال فتح برامج للدراسات العليا"، مستدركاً أنه في المقابل "لم يحصل أيّ تطور على المستوى الأكاديمي والبحثي"؛ أي إنّ عدد الطلاب زاد وعدد الأساتذة بقي كما كان، أو ربما تناقص أيضاً"، بحسبه، مكملاً أنه لم يعد بمقدور الأساتذة إعطاء الوقت الكافي للطلاب في دراساتهم وأبحاثهم، ومن ناحية أخرى "لم تؤسس الجامعات العربية، بشكل عام، لأدبيات أكاديمية تؤطر للبحث العلمي وتجعله أولوية لها، فتحول البحث العلمي إلى زينة غير ضارة".
البحث عن الترقية
يشير ربابعة إلى كون الأساتذة يهتمون ويتحدثون عن منجزاتهم البحثية، "لكن ليس من أجل بيان نتائج البحث وإمكانية الاستفادة منه، ومدى فاعليته في إيجاد حلول مناسبة للمشكلات التي يعاني منها المجتمع أو الدولة أو المؤسسات، فذلك أمر لا علاقة للبحث العلمي فيه، بل ينصبّ الحديث عن قيمة هذه الأبحاث من حيث عدد النقاط التي يمكن أن يحصل عليها عضو هيئة التدريس للحصول على الترقية"، بحسب قوله.

من مشكلات التعليم العالي عدم إنفاد القانون فيما يتعلق بـ "دكاكين" بيع الأبحاث العلمية وضعف لجان مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه

ونتيجة لذلك وفق ربابعة: "باتت الرسائل الجامعية بلا قيمة بحسب ما يشعر الأساتذة والطلاب معاً، بل يمكن أن يكتبها بأية طريقة، أو يكتبها له أحد الباحثين عن الربح المادي، ومن هنا انتشرت المكتبات والمراكز التي تتولى كتابة الأطاريح للطلاب، ولأنّ الأستاذ لا يتابع طلابه بسبب انشغالاته والعدد الكبير من الطلاب فهو لا يهتم بالمصدر الذي جاءت منه الرسالة، وكيفية كتابتها، ومن أين جاءت".
ويردف ربابعة أنّ "الأستاذ والطالب يعرفان أنّ الرسائل الجامعية توضع على الرفوف، وليست لها أية قيمة"، لذلك تحوّل الأستاذ إلى مدرّس، وما يعنيه هو أن يستمر في استقطاب الطلاب وتأمين عيشه، على حد قوله، مكملاً أن الطالب، في المقابل، تحوّل إلى مستهلك "يبحث عن السلعة الأرخص والأقل جهداً، فيتسلم رسالته جاهزة من المراكز المتخصصة دون أن يبذل أيّ جهد؛ لأنّ المهم هو الحصول على الشهادة، وليس اكتساب مهارات البحث العلمي، لأنّه في النهاية لا يوجد بحث علمي وليس هناك فرق بين الجيد والرديء".
محاضرات وتلقين
ويرى ربابعة أنّ الدراسات العليا في الجامعات العربية، في الغالب، هي "استكمال لمرحلة البكالوريوس بالطريقة نفسها؛ وهي محاضرات وتلقين وامتحانات ومنح شهادات". وعليه، يمكن للجامعات قبول أعداد كبيرة من الطلاب دون أساس بحثي أو مشاريع بحثية، توظفهم وتستغل طاقاتهم في التطوير والتحسين. ويسوق ربابعة مثالاً عن الجامعات الأردنية، حيث "هناك العشرات بل المئات من الطلاب في برامج الدراسات العليا دون هدف، ودون أساتذة أيضاً، فيكون في الشعبة الواحدة 40 طالباً مثلاً في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه، دون أن تكون عندهم أية مشاريع بحثية هادفة".

باتت الرسائل الجامعية بلا قيمة بحسب ما يشعر الأساتذة والطلاب معاً
بدوره، يقول الكاتب الصحفي سامح المحاريق "أثناء تواجدنا على مقاعد الدراسة الجامعية حدّثنا أحد الأساتذة عن أنّ الفرق بين الماجستير والدكتوراه يكمن في حمولة القيمة المضافة التي يقدمها الباحث للمعرفة الإنسانية، بشكل عام، وإذا كانت الإضافة يمكن أن تكون ضئيلة في مرحلة الماجستير؛ فإنّها يجب أن تتحول إلى شيء حقيقي ومساهمة أوسع في مرحلة الدكتوراه".

اقرأ أيضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات
يكمل المحاريق أنه لا يلزم المتأمل أكثر من مراجعة واستعراض عناوين رسائل الماجستير والدكتوراه التي تصدرها الجامعات العربية، خاصة في مجال العلوم الإنسانية؛ "للوقوف على حقيقة مفجعة تتجاوز الخواء من حيث الإضافة العلمية، لتمتد تجاه الوصول إلى نتيجة مفادها؛ عبثية ما تقدمه من الأساس".
.. يهرع إلى الإنترنت
ويرى المحاريق أنّ الأمور تجري "بصورة شكلية للغاية، والباحث في مجال الدراسات العليا في كثير من الجامعات العربية لا يختلف عن الطالب المدرسي الذي يهرع إلى الإنترنت"، مردفاً أنّ ذلك كان يجري قبل عقود في مكتبة المدرسة، من أجل الحصول على بعض المعلومات وإعادة إنتاجها في صفحتين لتقديمها إلى مدرّس المادة، "لتستمر المسرحية في جميع المراحل الأخرى، لكن في النهاية فضحت التكنولوجيا، التي تمكّن من التعرّف إلى أثر الدراسات العربية من خلال مدى استفادة الباحثين في مواقع أخرى من منتجها، ضآلة المساهمة العربية في عملية إنتاج المعرفة الإنسانية".

لو تمّ إجراء دراسة في سوق العمل، فإنّنا نجد أنّ غالبية خريجي التخصصات النظرية بالذات لا يعملون في مجال تخصصهم

ويعتقد المحاريق أنّ الأكاديميات العربية "فشلت في تحويل الكمّ المتصاعد إلى النوع المطلوب، وتساقطت الصورة النخبوية التي كانت تحتفظ بها مجموعة قليلة من الجامعات العربية، في القاهرة وبغداد ودمشق، مع التوسع غير الصحي للمؤسسات الجامعية"، ليسوق مثالاً عن الأردن، بقوله إنه توجد قرابة الأربعين جامعة، "لا تمتلك بعضها الإمكانات المتاحة لمدرسة في أوروبا، أو حتى دول الخليج، إلا أنّ النزعة المسرحية تجعل هذه الجامعات تتحرك على صعيد البحث العلمي، وكأنّها في محل المنافسة لجامعات الولايات المتحدة وبريطانيا"، مضيفاً أنه في الوقت الذي كانت الشكاوى من ضعف المنتج العلمي لهذه الجامعات على مستوى الشهادة الجامعية الأولى، أخذت المنافسة تدخل في حلبة الدراسات العليا، والمحصلة هو منتج هزيل آخر يضرب الثقة بالمنظومة التعليمية ككل، على حد قوله.

اقرأ أيضاً: أكاديمي مصري يتهم ابن خلدون بأنه "من كبار المنافقين في التاريخ"
قبل عقود من الزمن كان الوصول إلى مقاعد الدراسة الجامعية أمراً مقتصراً على النخبة التي تبذل جهوداً استثنائية في نظام تعليمي تنافسي، كما يقول المحاريق، إذ "استطاعت هذه النخب أن تثبت نفسها من خلال التجربة الجامعية، وحصلت على فرصة في الأوساط الأكاديمية الدولية، أما هذه الحالة من الميوعة والشكلية في عملية البحث، فقد أدّت إلى تقزيم إمكانيات الجامعات نفسها وتجفيف قدرتها على تحقيق الدخل نتيجة المنافسة غير الصحية"، معقباً أنه نتيجة لما سبق "وصلنا إلى سقف منخفض للغاية في طموحات البحث العلمي يجعل بعض الطلبة يحصلون على شهادات عليا لمجرد قيامهم بعمليات إحصائية على مواضيع لا تهم أحداً، فما يحدث في الحقيقة هو تدريب على عملية البحث، وليس بحثاً يمكن أن يغير شيئاً".
إنّ أسس القبول في جامعاتنا في حاجة إلى إعادة نظر

مشكلات
ويشير أستاذ اللغة الإنجليزية في الجامعة العربية المفتوحة، د. سليمان العباس إلى اختلاف واقع الدراسات العليا من بلد إلى آخر، اعتماداً على عوامل كثيرة لها دور كبير، سلباً أو إيجاباً، محصياً من خلال تجربته في عدد من الجامعات الأردنية بعض المشكلات التي يواجهها قطاع التعليم العالي بالجوانب الآتية:
1- عدم وجود مناهج مدرسية تهيئ الطالب للانتقال بكفاءة وقدرة عالية إلى الجامعات، فمناهجنا المدرسية لا تخلق لدى الطالب، مثلاً، مستوى من التفكير الإبداعي الذي يُعدّ في الدول المتقدمة من أهم مقومات المنهاج المدرسي الناجح.

اقرأ أيضاً: جامعة "المصطفى".. أخطر أكاديميات التطرف الإيرانية
2- عدم وجود تخطيط سليم يربط بين حاجة سوق العمل والتخصصات التي ينبغي أن يدرسها عدد من الطلبة على مدى أعوام معينة؛ ففي الدول التي يوجد فيها تخطيط متقدم، يتم إجراء دراسات دقيقة لحاجة سوق العمل في أعوام قادمة في مجال معين؛ فمثلاً قد يتبين من نتائج الدراسات أنّ البلد في حاجة إلى مئة طبيب في تخصص ما، خلال أعوام قادمة، فيتمّ التنسيق مع الجامعات لإتاحة هذا العدد، ويتمّ قبول الطلبة في الجامعات في التخصصات المختلفة على هذا الأساس.
في كثير من الحالات، قد تكون هناك حاجة إلى تخصص جديد، وفي هذه الحالة يُقبل الطلبة عليه؛ لأنّهم يضمنون فرص عمل بعد تخرجهم، وبالفعل يتحقق هدفهم بالحصول على فرصة عمل، لكن ما يحدث هو أنّ مئات الطلبة من بعدهم يسارعون للتخصص في المجال ذاته، فتتحول ندرة التخصص إلى فائض كبير جداً، ويصبح سوق العمل مشبعاً أكثر من الحاجة بكثير.

اقرأ أيضاً: موقع لكشف السرقات العلمية والانتحال في البحوث الأكاديمية
3- إنّ أسس القبول في جامعاتنا في حاجة إلى إعادة نظر، خاصة ما يتعلق بالقبولات الاستثنائية، فوجود عدد من طلبة متفوقين جداً مع طلبة في المستوى المتوسط، أو دون المتوسط، في قاعة صفية واحدة، يجعل مهمة المدرس في غاية الصعوبة، لأنّه لا يدري مع أية فئة يتعامل، فيضطر لأن يتعامل مع مستوى بين هؤلاء وهؤلاء، وفي ذلك ظلم للفئة المتميزة لأنّ مستواهم سيبدأ بالانحدار.
4- إنّ طرائق التدريس في معظم التخصصات في جامعاتنا تنتهج الطرائق ذاتها التي تأسّس عليها الطالب في المدرسة، فتصبح جامعاتنا وكأنّها مدارس لتعليم الكبار فقط؛ فغالبية المدرسين في الجامعات تقوم طرائق تدريسهم على الحفظ والتلقين، وليس على خلق أجواء تفكير إبداعي لدى الطلبة، ويتوارث الطلبة، جيلاً بعد جيل، هذه الطرائق، ولا يكون هناك أيّ مجال للتطوير.
5- في كثير من الحالات تكون هناك عدة شعب للمادة الواحدة، فيتمّ تعيين منسق للمادة؛ حيث يلتزم جميع المدرسين بمنهجية واحدة وأسئلة موحّدة، مما يؤدي إلى قتل أيّ جانب إبداعي لدى المدرّس المتميز.
6- لو تمّ إجراء دراسة في سوق العمل، فإنّنا نجد أنّ غالبية خريجي التخصصات النظرية بالذات لا يعملون في مجال تخصصهم نهائياً، فلا توجد فرص متاحة، والخريج في حاجة إلى عمل، مهما كان مجاله ليتابع حياته المستقبلية.
7- إنّ هناك عدداً من المدرّسين في الجامعات، لا يصلحون للمهنة، ووصلوا إلى هذه المواقع اعتماداً على عوامل أخرى لا علاقة لها بالقدرة أو الكفاءة.
عدم وجود مراكز الخبرة
من جهته، يلخّص أستاذ الإعلام د. فيليب مدانات المشكلة من خلال بضع نقاط:

- العلوم الإنسانية تتذيل قائمة الاهتمام والقيمة والإقبال رغم أهميتها.
- عدم وجود مراكز الخبرة "think tank" وقلة مراكز الدراسات المرتبطة بالجامعات، بالتالي ركود سوق العمل.
- عدم إنفاد القانون فيما يتعلق بـ "دكاكين" بيع الأبحاث العلمية لنيل الشهادات العليا.
- ضعف لجان مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه لعدم احتكامها لمعايير واضحة.
- النظرة الدونية للتعلّم عن بعد والعراقيل البيروقراطية الماثلة أمام معادلة الشهادات العليا.
- عدم تطبيق "سوفتوير" كشف السرقة العلمية "Plagiarism" في العديد من الجامعات.
- الطبيعة التجارية المسيطرة على دور النشر.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية