الخوارج والتحكيم.. صراع سياسي أم ديني؟

الخوارج والتحكيم.. صراع سياسي أم ديني؟


28/04/2019

ليست مصادفة أنّ العمود الفقري لحركة الخوارج هو قبائل ربيعة وخاصة حنيفة وتميم، وأنّ قادتها هم الجيل الثاني والثالث من أبناء "المرتدين" الذين تعرضوا لحرب قاسية سميت "حروب الردة" وأخرجوا قسراً من الجزيرة العربية إلى العراق، وليست مصادفة أيضاً أنّ حركة الخوارج توقفت بسقوط الدولة الأموية.

اقرأ أيضاً: هل الخوارج ثوار ديمقراطيون أم جماعة سياسية منشقة؟

وإذا نظرنا إلى خريطة الصراع الداخلي التي بدأت في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه، سوف نجدها في واقع الحال صراعاً بين المركز والأطراف، أو بين الشام والعراق، الشام التي صارت مركز الحكم في واقع الحال بقيادة معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، الذي كان يحكم الشام منذ عام (640م) قبل توليه الخلافة بعشرين عاماً (660م)، ومعه الأمويون، ويقابله علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، (الهاشميون) ومعه العراق وقبائل ربيعة من حنيفة وتميم.

بالنظر إلى خريطة الصراع الداخلي التي بدأت في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنجدها صراعاً بين المركز والأطراف

دامت الحرب بينهم وبين الأمويين حتى سقطت دولتهم عام 750م، وامتدت الحرب أيضاً إلى الأندلس التي حكمها الأمويون حوالي 300 عام.

كان معظم قادة الخوارج من قبيلتي حنيفة وتميم، مثل نجدة بن عامر الحنفي (653م-691م) الذي تنسب إليه الفرقة الخوارجية النجادية، ونافع بن الأزرق الحنفي (قتل عام 685م) الذي تنسب إليه فرقة الأزارقة، ومرداس بن حدير التميمي (681م) وأخوه عروة بن حدير المعروف بأبو بلال (678م) وكان قائداً ملهماً للناس، وعبدالله بن إباض التميمي (708م) الذي تنسب إليه الإباضية، وعطية بن الأسود الحنفي اليمامي، الذي تنسب إليه فرقة العطوية، وقطري بن الفجاءة واسمه الحقيقي جعونة بن مازن الكناني التميمي (697م) وعبدالله بن بشير الماحوز التميمي (685م) وجميع هؤلاء قتلوا في معارك مع الأمويين.

اقرأ أيضاً: المهلّب بن أبي صفرة: كاسر شوكة الخوارج

وبعد التهميش الذي وقع على المضريين بسبب حروب الردّة، فقد وقع عليهم أيضاً تمييز آخر في تقسيم عوائد الفتح العربي وغنائمه في العراق (أرض السواد)، كما حدث تمييز في المناصب القيادية في الولايات والقضاء والجيش والدواوين، لكنهم استطاعوا أن ينشئوا قوة اجتماعية اقتصادية مستقلة عن الحكم، مستفيدين من سعة أراضي العراق وخصبها والفراغ الكبير في ملكية أجزاء واسعة من هذه الأراضي كانت من قبل لآل كسرى ونبلاء الفرس ورجال الدين.

وقد مكّنتهم الوفرة الاقتصادية في تحقيق قوة سياسية اجتماعية معارضة للمركز في المدينة ثم دمشق، وتحديداً للأمويين، وبرغم انحيازهم لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في صراعه مع معاوية، ولعبدالله بن الزبير في صراعه مع يزيد، ثم مروان وابنه عبدالملك، فقد كانوا قوة اجتماعية مستقلة تتحرك في تأييدها ومعارضتها وحيادها على أساس جماعي تحدده الجماعة القبلية – الدينية. 

اقرأ أيضاً: المعتزلة.. ضرورة البناء والنقد

ابتدأت التشكلات الاجتماعية والفكرية للخوارج حول حركة سميت "القراء" بقيادة عبدالله بن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، ففي الحركة العلمية التي كان يقودها الصحابيان في الكوفة والبصرة، تشكلت جماعات ونقاشات واسعة في الحكم والسياسة والاجتماع مشحونة بالشعور بالإقصاء والتهميش، وأنّ مسألة السابقة في الإسلام و"الأيام" تحولت أحياناً إلى أرستقراطية قرشية تهيمن على المكاسب الاقتصادية والسياسية، وتحظى بشرف ديني واجتماعي، ومن الشباب القراء الذين جمعوا بين العلم والمعارضة السياسية ومنعوا سعيد بن العاص، والي الكوفة من دخولها، وحملوا عثمان بن عفان، رضي الله عنه، على تولية أبي موسى الأشعري، مجموعة عرفت في التاريخ فيما بعد بمعارضتها المسلحة لعثمان بن عفان ثم معاوية بن أبي سفيان، مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وزيد بن حصين الطائي، وشريح بن أوفى العبسي، وعبد الله بن شجرة السلمي، وحرقوص بن زهير السعدي، ويزيد بن قيس الأرحبي، وعبد الله بن الكواء اليشكري، .. وجميعهم صاروا فيما بعد من قادة الخوارج وفقهائهم. لقد تحولت المعارضة سريعاً من موقف فقهي وسياسي ضد الخليفة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، إلى معارضة قبلية لقريش ومضر.

اقرأ أيضاً: المعتزلة قادوا ثورة العقل لتعرية ظلم السياسة ومفاسدها

وفي مصر كانت حركة سياسية اجتماعية معارضة لعثمان بن عفان، رضي الله عنه، تتشكل أيضاً بقيادة محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة رضي الله عنهما، لكن الحركة المصرية لم تكن متجذرة مثل الكوفة والبصرة، فقد تفرق أهل مصر وانفضوا بعد واقعة مقتل عثمان رضي الله عنه.

كانت معركتا الجمل وصفين معركتين بين الشام والعراق، وكأنهما استعادة للصراع البيزنطي الفارسي، ويذكر هنا أن جماعة القراء وقفوا على الحياد مشاركين المرجئة من الصحابة، رضي الله عنهم، والتابعين ومن يؤيدهم والذين اعتصموا في الحجاز معتبرين المسألة صراعاً سياسياً واجتماعياً وليس دينياً.

من المرجّح أن الموقف من التحكيم كان سياسياً واجتماعياً وليس دينياً ثم جرت محاولات لردّها إلى الدين

انفض الخوارج عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، معتبرين موافقته على التحكيم خروجاً على القاعدة الأساسية "إن الحكم إلا لله"، وبرغم أنّها تبدو رفضاً للتحكيم والمحكمين، فقد ظلت الحاكمية تنسب إلى الخوارج وليس الأمويين والهاشميين، برغم أنهم في واقع الحال هم الذين أسسوا لفلسفة دينية سياسية في الحكم، إحداهما شيعية ترى الإمامة جزءاً من الدين محصورة في علي بن أبي طالب وذريته من بعده، والأخرى التي سميت فيما بعد "السنّة" كانت ترى الحكم مزيجاً من الأنسنة والمبادئ الدينية والتي استلهمت أيضاً التراث البيزنطي في الحكم (الأمويون) ثم الفارسي (العباسيون).

من المهم التذكير هنا أنّ تسمية "السنّة" لم تكن مقابلة للشيعة وإنما للمعتزلة، وهم العقلانيون الذين يردون فهم النصوص الدينية إلى العقل ومبدأ العدل، مقابل أهل "السنّة" الذين يردون المسائل إلى "مراد الله" ومن ثم فإن الحكم والفقه هما معرفة مراد الله.

والمرجح أنّ الموقف من التحكيم كان سياسياً واجتماعياً وليس دينياً، ثم جرت محاولات لتفسير المواقف وردها إلى الدين، ففي حين كانت أغلبية العراقيين والشاميين تميل إلى التسوية السياسية كانت جماعات الخوارج متحمسة لقتال الأمويين ومعبأة ضدهم، وكانت ترى في استمرار القتال فرصة للانتصار الحاسم عليهم، لكنه على أي حال حدث سياسي عسكري أسس لحالات دينية وسياسية ما تزال قائمة حتى اليوم.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية