الخلاف حول حظر حزب الشعوب الكردي يهدد تحالف أردوغان والقوميين

الخلاف حول حظر حزب الشعوب الكردي يهدد تحالف أردوغان والقوميين

مشاهدة

11/01/2021

تمثّل دعوة حزب الحركة القومية إلى حظر حزب الشعوب الديمقراطيّ الكرديّ معضلة كبيرة أمام أردوغان، في ظلّ تراجع شعبية حزبه، العدالة والتنمية، والتغيرات الدولية التي لا تصبّ في مصلحته.

وتأتي دعوة الحركة القومية لحظر الحزب الكردي اتساقاً مع رؤية الحركة، التي تقوم على معاداة الأكراد، وتصبّ في صالح شعبية حليف أردوغان، وزعيم الحركة، دولت بهجلي، الذي يعلم حاجة أردوغان إلى دعمه بشكل أقوى من السابق، وفي الوقت نفسه يريد بهجلي ركوب موجة التطرّف القوميّ، التي غذّتها سياسات أردوغان التوسعيّة.

وهناك حسابات، داخليّة وخارجيّة، تقف حائلاً أمام إقدام أردوغان على حظر الحزب الكرديّ، من بينها؛ الخوف من ردّة فعل الأكراد، وتأثير ذلك في شعبيته، فعلى عكس بهجلي، لا تقتصر حاضنة العدالة والتنمية على القوميين فقط.

عناصر من حركة الذئاب الرمادية القومية

وخارجياً؛ يخشى أردوغان ردّ الفعل الأوروبيّ والأمريكيّ، مع اقتراب تسلم إدارة الرئيس المنتخب، جو بايدن السلطة، فضلاً عن العلاقات الودّية التي تربطه بالسّلطة الكرديّة في إقليم كردستان، والتبعات الكبرى لمثل تلك الخطوة على الاستقرار الداخليّ، ونشاط حزب العمال الكردستانيّ.

اقرأ أيضاً: الانتفاضة الطلابية تتوسع في تركيا... فهل يرضخ أردوغان لمطالبهم؟

ورغم ما سبق؛ لا يستطيع أردوغان تجاهل دعوة بهجلي، لما له من نفوذ كبير في الجهاز البيروقراطي، والذي تعزّز بعد حملات الفصل والطرد التي طالت مئات الآلاف من الموظفين، على خلفية الانقلاب المزعوم، عام 2016.

أردوغان وورقة القوميّة

تنبني إستراتيجيّة القوميّين الأتراك على وجود عدوّ يهدّد الدّولة، ويلوّث نقاء العرق التركيّ، وهي الأسس التي تشكّلت أواخر القرن التاسع عشر، مع حركات الطورانيين، التي سيطرت على جماعة الاتحاد والترقي، وأخذت صياغتها الحديثة مع مؤسس الدولة التركيّة الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك.

لا يستطيع أردوغان تجاهل دعوة بهجلي بحظر حزب الشعوب، لما له من نفوذ كبير في الجهاز البيروقراطي، بعد حملات الفصل على خلفية الانقلاب المزعوم

وبعد إبادة الأرمن، وطرد اليونانيّين، أصبح الأكراد أعداء الدولة التركيّة، إلى جانب اليونان، وانبنت القومية التركية المعاصرة على عداء الأكراد واليونان، إلى جانب التمسّك بالعلمانية المتطرفة.

وعارض القوميّون حزب العدالة والتنمية، برئاسة أردوغان، حتى عام 2015، الذي شهد تحوّل العلاقة نحو التحالف، بعد أن تقرّب أردوغان إليهم بالعودة إلى نهج الصدام مع الأكراد، والانقلاب على حركة الخدمة، عام 2016.

ولم يندفع أردوغان لذلك طوعاً، بل لعدّة عوامل، داخلية وخارجية؛ ففي الداخل أخفق حزبه في الحصول على الأغلبية البرلمانية لتشكيل الحكومة، في انتخابات حزيران (يونيو) 2015، التي شهدت تحقيق حزب الحركة القومية، وحزب الشعوب الكردي، نجاحاً كبيراً، بعد حصول كلّ منهما على 80 مقعداً، على حساب حزب العدالة والتنمية.

واضطر أردوغان، الذي فاز برئاسة الجمهورية عام 2014، إلى حلّ البرلمان، بعد عدم التوافق على تشكيل حكومة ائتلافية، وجرت إعادة الانتخابات، في تشرين الثاني (نوفمبر)، التي حصد فيها حزب العدالة والتنمية الأغلبية، وتراجعت مكاسب الأكراد بشكل كبير، ثم القوميين بدرجة أقل.

ويبدو أنّ ما حدث عام 2015 أصاب أردوغان بالقلق، ودفعه إلى تسريع تحقيق هدفه بتحويل نظام الدولة من برلماني إلى رئاسي، بعد أن تأكّد من صعوبة الرهان على الحزب، ولذلك اتجه إلى التحالف مع القوميين، لتأمين الأصوات البرلمانية ونتائج الاستفتاء المطلوبة لتمرير التعديلات الدستورية.

اقرأ أيضاً: منصور يافاش: هل وجدت تركيا رجلها البديل لأردوغان؟

وخارجياً؛ مع فقدان أردوغان أحلامه التوسعية، التي روّج لها بشكل إسلامي، بعد إخفاق مشروع الإسلام السياسي في المنطقة، ومع ظهور اكتشافات الغاز الكبرى في منطقة شرق المتوسط، بدأ أردوغان في التصعيد ضدّ اليونان وقبرص، بإعادة إحياء قضية الحدود البحرية.

ولم يكن بمقدور أردوغان حشد مؤسسات الدولة خلفه، خاصة العسكرية، وتعزيز شعبيته، وضمان الأغلبية البرلمانية، دون التحالف مع القوميين، واقتضى ذلك انتهاج أردوغان سياسة عدائية ضدّ الأكراد، وساعدته في ذلك العلاقة القوية التي جمعته بالرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: أردوغان.. من سبي عفرين إلى عسكرة إدلب

وتنبع قوة القوميين من كونهم يمثّلون الدولة العميقة في تركيا، وحول ذلك يقول المحلّل السياسيّ التركيّ، ياوز أجار: "تحالف أردوغان مع حزب الحركة القومية، عام 2015، ومنذ ذلك أضاف إلى خطابه الإسلاموي، خطاباً قومياً، وبدأ ينفّذ سياسات قومية - إسلاموية، وأصبح هذا الحزب أقوى بعد انتخابات 2018، النيابية والرئاسية، وأردوغان لم يتحوّل إلى النظام الرئاسيّ، إلا بدعم القوميين الأتراك".

ويردف أجار، لـ "حفريات": "يرى أردوغان أنّ التحالف مع القوميين يفقده الشعب، لكن إذا تخلى عن هذا الحزب سيفقد قوة الجهاز البيروقراطي، الذي يسيطر عليه هذا الحزب القومي، فهو بين نارين؛ فقدان الشعب أو نفوذه في الجهاز البيروقراطي".

 بهجلي: الرجل الحديدي  

ويشكّل حزب الحركة القومية، برئاسة دولت بهجلي، مع حزب العدالة والتنمية، تحالف الشعب الحاكم، وحظي أردوغان بتأييد مطلق من بهجلي في العديد من القضايا، الداخلية والخارجية، دون أن يعني ذلك تماهي القوميين مع أردوغان، وتسليمهم بقيادته.

وشهدت العلاقة بين الطرفين توترات متقطعة، وعقب الانتخابات البلدية، عام 2019، أعلن بهجلي نيته خوض الانتخابات البلدية المقبلة منفرداً، بعد الهزيمة الثقيلة التي نالها تحالف الشعب.

عناصر من الذئاب الرمادية في جبهات القتال

وأبرزت عدّة أحداث قوة الحركة القومية، منها؛ رفض الحركة استقالة وزير الداخلية، سليمان صويلو، والتي تقدّم بها في نيسان (أبريل) العام الماضي، إثر خلاف مع صهر أردوغان، وزير المالية، بيرات البيرق، واستجابةً للحركة، رفض أردوغان الاستقالة، وتمت الإطاحة بصهره، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

اقرأ أيضاً: لماذا تستهدف حكومة أردوغان جامعة البسفور؟

وعن ذلك، يقول ياوز أجار: "مع مرور الوقت، أصبح الحزب القوميّ هو الذي يوجه أردوغان، وبات الأخير لا يستطيع الخروج عمّا رسمه هذا الحزب له، حتى أنّه اضطر إلى التخلّي عن صهره بضغوط من القوميين، وتراجع عن تنفيذ إجراءات وإصلاحات في مجالي القضاء والاقتصاد بضغط منهم".

وموقف آخر يكشف قوة تأثير القوميين، وهو تراجع أردوغان عن الانسحاب من اتفاقية إسطنبول، حول العنف ضدّ المرأة، لعام 2011، بعد إعلانه عزمه الانسحاب منها، العام الماضي، انطلاقاً من رؤية الحزب الدينية.

حظر حزب الشعوب الكرديّ

وأطلق حزب الحركة القومية دعوة إلى غلق حزب الشعوب الديمقراطيّ الكرديّ، في الشهر الأخير من العام الماضي، وخلال اجتماع رؤساء المقاطعات لحزبه، قال دولت بهجلي: "نحن نقف خلف القرار الذي يدعو إلى إغلاق حزب الشعوب الديمقراطيّ".

دعوة بهجلي لم ترضِ حزب العدالة والتنمية، وصرّح وكيل رئيس حزب العدالة والتنمية، نعمان قورتولموش، لقناة تركية، قائلاً: إنّ "مقترح زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، بخصوص إغلاق حزب الشعوب الديمقراطيّ، ليس صائباً".

ويتّهم أردوغان حزب الشعوب بدعم حزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابياً، والذي يخوض قتالاً مع الدولة منذ 40 عاماً، ويعدّ أردوغان وبهجلي حزب الشعوب ذراعاً سياسية لحزب العمال.

الباحثة السورية لامار إركندي: لو أقدم أردوغان على حظر حزب الشعوب ستنفجر مظاهرات عارمة في معظم المناطق، وربما تكون بمثابة شرارة ربيع تركي

وقام أردوغان بزيارة دولت بهجلي في منزله، في منطقة "تشاي يولو"، في العاصمة أنقرة، في الخامس من الشهر الجاري، ولم تُفصح الرئاسة عن مجريات اللقاء، الذي استمرّ لمدة ساعة.

ويريد بهجلي قطع التمويل الحكومي عن حزب الشعوب، وعزل أعضائه في البرلمان، ومحاكمة قيادات الحزب بتهم دعم وتمويل الإرهاب، ويعارض بشدة الإفراج عن رئيس الحزب السابق، صلاح الدين دميرتاش.

ومن جانب آخر، أكّدت الرئيسة المشتركة لحزب الشعوب، بروين بولدان؛ أنّ الأحاديث الدائرة حول التضييق على الحزب تكشف وجود صدع كبير في تحالف الشعب الحاكم.

اقرأ أيضاً: هكذا حوّل أردوغان دبلوماسييه إلى مافيات لاختطاف المعارضين

وتقول الباحثة السورية في شؤون الجماعات الإرهابية، والمتخصصة في الشأن التركي، لامار إركندي: "يتبنى حزب الحركة القومية سياسة متشددة تجاه الأكراد، ويضغط بقوة على الحكومة للقضاء على حزب العمال الكردستاني عسكرياً، واعتقال كلّ أعضاء حزب الشعوب والموالين له، ويدفع نحو إنزال عقوبات قاسية بحقّ قائد حزب الشعوب السابق، صلاح الدين دميرتاش، والقيادات الأخرى، وتفكيك الحزب".

الباحثة في شؤون الإرهاب وتركيا، لامار إركندي

وتتابع إركندي، لـ "حفريات": "يمارس الرئيس التركيّ، قبل كلّ جولة انتخابية، سياسة الترغيب والترهيب ضدّ معارضيه، وخلال الجولتَين الرئاستَين تودّد إلى الأكراد، مناوراً بحلّ القضية الكردية سلمياً، وعقد السلام مع حزب العمال، لكن هذه المرة يرفض حزب الشعوب بقاء أردوغان في الحكم، وهو ما يدفع أردوغان لاتّباع سياسة الترهيب ضدّه، بطرح القوميين مطلب حظر الحزب، بعد أن نفدت كلّ وسائله؛ بتضييق الخناق، وحرق المقرات، وإيقاف رؤساء البلديات الأكراد، والاعتقالات".

إمكانية حظر حزب الشعوب

ويرفض حزب العدالة والتنمية حظر حزب الشعوب، وفق ما أعلن رسمياً، وكيل رئيس الحزب، لكنّ العديد من المحللين يرون أنّ دعوة بهجلي جاءت بالتنسيق مع أردوغان.

اقرأ أيضاً: بعد الاحتجاجات الطلابية.. هكذا رد رئيس جامعة بوجازيتشي الذي عينه أردوغان

ومن غير الوارد لجوء أردوغان لهذا الخيار، خشية حصول حليفيه السابقَين؛ داود أوغلو، وعلي باباجان، على الكتلة التصويتية الكردية، فضلاً عن أنّ المنافس القوي، حزب الشعب، لا يحظى بكتلة تصويتية داخل المكوّن الكردي، طالما بقي حزب الشعوب الديمقراطي.

وربما لا يريد أردوغان الصدام مع الأكراد مباشرةً؛ حيث يتذرع بوجود علاقة بين حزب الشعوب والعمال الكردستاني لتبرير قمعه لأعضاء الحزب، دون أن يخسر نهائياً الورقة الكردية، من خلال فتح قنوات خلفية للتواصل مع أحزاب كردية صغيرة، والتواصل مع عثمان أوجلان، شقيق زعيم حزب العمال المعتقل، عبد الله أوجلان.

وتقول الباحثة لامار إركندي: "لو أقدم أردوغان على حظر حزب الشعوب ستنفجر مظاهرات عارمة في معظم المناطق، وربما تكون بمثابة شرارة ربيع تركي، تشتبك فيه الأزمة الاقتصادية والقمع السياسي بالمطالب الكردية، خاصة أنّها ستلقى تأييداً أوروبياً وأمريكياً".

تجمع لأنصار حزب الشعوب الديمقراطي

ويقول المحلل السياسي التركي، ياوز أجار: "القضية عند أردوغان براغماتية، فإذا رأى أنّ مكاسبه مع القوميين ربما يتجه لحظر حزب الشعوب، ولو رأى خلاف ذلك فمن الوارد أن يتخلى عنهم، بل ويتصالح مع الأكراد".

ويردف آجار، لـ "حفريات": "أردوغان بات يلاحظ أنّ تحالفه مع الحركة القومية يتسبب في فقدانه الشعب، لأنّ السياسات الإسلامية والقومية لم تعد تلقى قبولاً، ويريد الشعب نهجاً جديداً يحتضن الكلّ في تركيا، وأردوغان في وضع صعب؛ فلا يستطيع التخلي عن القوميين، أو مجاراتهم بشكل تامّ".

وفي عام 2009 حلّت تركيا حزب "المجتمع الديمقراطي" الكردي، وحظرت خليفته حزب "السلام والديمقراطية"، عام 2014، وخلفه حزب "الشعوب الديمقراطي"، الذي يواجه تهديدات مماثلة.

الصفحة الرئيسية