
لم تعد معاناة الحرب في غزة مقتصرة على البشر وحدهم، فالحيوانات التي تحولت، بفعل تدمير آلاف المركبات ونقص الوقود، إلى شريان حياة بديل، تواجه اليوم أزمة وجود حقيقية مع انهيار القطاع البيطري، واختفاء الأدوية واللقاحات، وتدمير العيادات، ونفاد الأعلاف، ممّا يهدد بخسارة آخر وسائل النقل والرزق التي يعتمد عليها آلاف السكان.
وفي شوارع تغطيها الأنقاض باتت عربات الخيول والحمير وسيلة النقل الأساسية لنقل الناس، والمياه، والمواد الغذائية، وحتى الجرحى، لكنّ هذه الحيوانات تعمل في ظروف قاسية، بينما يقف أصحابها عاجزين عن علاجها مع اختفاء الأدوية البيطرية وارتفاع أسعار ما تبقى منها إلى مستويات لا يمكن تحملها.
ووزعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) نحو 600 طن من الأعلاف الحيوانية شهرياً داخل غزة، أي ما يعادل خمسة أضعاف متوسط ما كان يوزع قبل وقف إطلاق النار، لكنّها حذرت من أنّ مخزون الأعلاف المتبقي يكفي لنحو 2200 مُربٍّ فقط، وإذا استمر منع دخول الأعلاف، فلن تتوفر أيّ كميات للتوزيع خلال آب/ أغسطس.
ووفق المنظمة، ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، لم يعد صالحاً للزراعة سوى 4.6% من الأراضي الزراعية في غزة (نحو 688 هكتاراً) نتيجة الدمار الواسع، وهو ما أثر أيضاً في تربية الحيوانات وتوافر الأعلاف المحلية.
وارتفع سعر الشعير في غزة إلى 9 شواقل للكيلوغرام (نحو 3 دولارات)، أي ثلاثة أضعاف سعره منذ شباط/فبراير 2026، وتضاعف تقريباً سعر الأعلاف المركزة إلى 6 شواقل للكيلوغرام.
وأفادت تقارير إنسانية بأنّ العيادات البيطرية المتنقلة التابعة لمبادرات الإغاثة عالجت أكثر من 7 آلاف حمار وآلاف الحيوانات الأخرى منذ اندلاع الحرب، في ظل اعتماد السكان المتزايد على الحيوانات كوسيلة للنقل بعد تدمير المركبات ونقص الوقود.
حين يصبح الحصان طوق نجاة
يجلس المواطن محمود أبو ناجي (46 عاماً) إلى جوار حصانه الهزيل، يربت على عنقه بين الحين والآخر، وكأنّه يواسي رفيق رحلة طويلة من الحرب والجوع والعمل المتواصل.
يقول أبو ناجي بصوت يختلط فيه القلق بالحزن: "قبل الحرب كنت أعمل سائق مركبة أجرة، وكانت حياتي مستقرة نسبياً، لكنّ سيارتي دمرت بالكامل، ولم يبقَ أمامي سوى شراء عربة وحصان لأواصل إعالة أسرتي المكونة من سبعة أفراد، ومنذ ذلك اليوم أصبح هذا الحصان مصدر رزقي الوحيد".
ويتابع: "أنقل الناس من مكان إلى آخر، وأحمل خزانات المياه، وأوصل الطحين والأمتعة للنازحين، وأبدأ العمل منذ ساعات الفجر حتى غروب الشمس، والحصان يعمل أكثر ممّا يحتمل، لأنّه لا يوجد بديل، ولا توجد مركبات، ولا وقود".
ويشير إلى ساق الحصان المتورمة قائلاً: "منذ أسابيع بدأ يعرج، ثم فقد شهيته للطعام، وظهرت عليه علامات الإرهاق الشديد، فبحثت عن طبيب بيطري فلم أجده بسهولة، وعندما وجدته أخبرني أنّ العلاج غير متوفر".
ويصمت أبو ناجي قليلاً قبل أن يضيف: "حتى لو وجدت الدواء، فلن أستطيع شراءه، فسعر الحقنة الواحدة أصبح يعادل ما أجنيه خلال عدة أيام، وبعض الأدوية اختفت تماماً".
شريك البقاء الأخير
ويؤكد أبو ناجي أنّ حالته النفسية أصبحت مرتبطة بصحة حصانه أكثر من أيّ وقت مضى، ويكمل: "إذا مات الحصان، فسأفقد عملي فوراً، ولن أجد وسيلة أكسب منها قوت أطفالي، فالحرب لم تترك لنا شيئاً، والآن أصبحت تهدد آخر ما نملك".
ويستعيد موقفاً ما يزال يلاحقه: "في أحد الأيام سقط الحصان أثناء جر عربة محملة بالمياه، وبقي ممدداً على الأرض، وظننت أنّه لن يقف مجدداً، فحاول المارة مساعدتي، وأحضرنا له الماء، وبعد وقت طويل نهض بصعوبة، وشعرت يومها كأنّ أحد أفراد أسرتي هو الذي كان يصارع الموت".
ويضيف: "حتى الطعام الذي يحتاجه لم يعد متوفراً، فالأعلاف قليلة جداً، وإن وجدت فهي باهظة الثمن، وأحياناً أقتسم معه جزءاً من الطعام الذي أحصل عليه لأنني لا أملك شراء العلف".
ويردف بنبرة يملؤها الأسى: "الحصان ليس مجرد حيوان بالنسبة إليّ، فهو شريك حياتي في هذه الحرب، وعندما يمرض أشعر أنّ البيت كله يمرض معه، موضحاً: "الجميع ينسى أنّ هذه الحيوانات تحتاج إلى علاج ورعاية وغذاء، وإذا انهارت أو نفقت، فستتوقف معها خدمات يعتمد عليها آلاف المواطنين يومياً".
ويؤكد أبو ناجي أنّ عربات الخيول أصبحت تؤدي أدواراً لم تكن تخطر على بال أحد، ويواصل: "نقلنا مرضى إلى المستشفيات عندما تعذر وصول سيارات الإسعاف، وحتى الأمتعة بين مناطق النزوح، وكثير من الناس لم يعودوا قادرين على الحركة إلا بوساطة العربات".
الحمار رأس المال الأخير
هذه الحال لا تختلف لدى الشاب تيسير الهندي (29عاماً)، من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، الذي يقول إنّه لم يتخيل يوماً أن يصبح حماره الذي قام بشرائه بعد بيع ما تبقى من مدخراته لإعالة أسرته كل شيء في حياته".
ويضيف الهندي وهو يمسح العرق عن جبين حماره: "في البداية كان العمل جيداً، لأنّ الناس جميعاً احتاجوا إلى العربات بعد اختفاء السيارات ونقص الوقود، وكنت أنقل المياه والخبز والأمتعة، وأحياناً المصابين الذين لا نجد لهم سيارات إسعاف".
ويتابع حديثه: "بعد أشهر من العمل المتواصل بدأ الحمار يضعف بصورة واضحة، وصار يتعب بسرعة، ويتوقف فجأة أثناء السير، ثم ظهرت جروح عميقة في كتفيه بسبب احتكاك أدوات الجر، وبعدها أصيب بحمى وامتنع عن الطعام".
ويتنهد قائلاً: "بعض الأطباء البيطريين قالوا إنّ العلاج غير موجود، وآخرون أخبروني أنّ الدواء متوفر بكميات قليلة وبأسعار خيالية، وعدت إلى البيت وأنا أشعر بالعجز، لأنني أعرف أنّ مرضه يعني توقف عملي".
ويستذكر الهندي موقفاً مؤلماً قائلاً: "في أحد الأيام كنت أنقل خزانات مياه لعائلات نازحة، وفجأة سقط الحمار على الأرض ولم يعد يقوى على الوقوف، وكنت أخشى أن يموت أمامي".
ويضيف: "عدت به إلى الخيمة وربطته، وبقيت طوال الليل أسكب الماء على جسده وأحاول إطعامه بيدي، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أقلل ساعات العمل رغم حاجتي الشديدة إلى المال، لأنني أخاف أن ينهار تماماً، لكنّ تقليل العمل يعني أنّ أولادي ينامون أحياناً دون طعام كافٍ".
ويختتم الهندي حديثه قائلاً: "إذا فقدت حصاني، فلن أجد مالاً لشراء غيره، وسأعود بلا عمل ولا دخل، لذلك أصبحت أراقب خطواته كل صباح، وإذا لاحظت أنّه يمشي ببطء أشعر بالخوف طوال اليوم، لأنّ أيّ إصابة بسيطة قد تتحول إلى كارثة في ظل غياب العلاج".
القطاع البيطري على حافة الانهيار
بدوره، يقول الطبيب البيطري ميسرة سمور: إنّ "الحرب تسببت في نقص حاد بالأدوية واللقاحات البيطرية، ممّا أدى إلى تزايد إصابات الحيوانات بالإجهاد والتهابات المفاصل والجروح وسوء التغذية والجفاف، في ظل عجز الأطباء عن توفير العلاج الكامل، الأمر الذي يفاقم الإصابات ويتسبب أحياناً في نفوق الحيوانات التي تمثل مصدر الرزق الوحيد لآلاف الأسر".
ويضيف سمور: إنّ "نقص الأدوية يجبر الأطباء على الاكتفاء بالإسعافات الأولية أو بدائل أقلّ فاعلية، ويؤجل كثير من المربين العلاج بسبب التكلفة وانعدام الدواء، ممّا يحول الإصابات البسيطة إلى أمراض مزمنة ويرفع معدلات نفوق الخيول والحمير نتيجة العمل الشاق وغياب الرعاية الصحية".
ويشير إلى أنّ "الخيول والحمير أصبحت شرياناً أساسياً لنقل المياه والغذاء والمرضى والبضائع بعد تدمير المركبات ونقص الوقود، محذراً من أنّ فقدانها سيعطل حركة النقل ويزيد معاناة السكان، خصوصاً في المناطق النائية، وسيؤثر سلباً في الثروة الحيوانية والأمن الغذائي".
ويؤكد سمور أنّ "إنقاذ القطاع البيطري يمثل ضرورة إنسانية عاجلة، داعياً إلى إدخال الأدوية واللقاحات والأعلاف والمستلزمات الطبية، لأنّ حماية الحيوانات العاملة ضمان لاستمرار مصادر رزق آلاف الأسر ووسائل النقل البديلة، محذراً من أنّ إهمال هذا القطاع سيضاعف الخسائر الاقتصادية والإنسانية في غزة".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7_11_1_0_0.jpg.webp?itok=BexPd0sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_5_0.jpg.webp?itok=ngaaISlJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D9%8A%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AD%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA..%20%D9%85%D9%86%20%D9%87%D9%88%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vAy5hbNG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/mnyr_0_6.jpg.webp?itok=rQl6wEvW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_38_0_1.jpg.webp?itok=Ss7Oynoz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_1_0_0_3_0.jpg.webp?itok=3Zhw-Qwm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AF%D8%A8_0.jpg.webp?itok=nRv3-VvG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_3.jpg.webp?itok=8LH0Zveq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/LUmDCU9nEJkRIOikaC46rPDoYCHEymI_1NimLwC6x_7cjSYjJjtwGxvGag56bJXpJ9kdGNCtN4tMd7CPctfdotIfIFAJ5UDEhuMa0JPvIfWDi7CvCLe6j_5-TrU5jPCY3jBrXYHOfkj2SN0Ox1O0a2p0T_ddIBcNn39biHGmDj93eX1w6qvhHDrI6MQ3q-6b.jpg.webp?itok=3IHuCMIN)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_3.jpg.webp?itok=JqgGrr-Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_4_0_0_0.jpg.webp?itok=uCZJ0EQW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZlRsBiu6yFZYReAlbHSOwC_F2t6hm6ZfCfN_1U33lmvCVYHRYTxDqjAM4-xCNrblEp-Ua32wUd-fqxgFqIcJ3utIM2-SqW9F8DN3DHUZT7CyotVEgxH2x-B89og7T-WNJZQ78jPANB4ZimKCl7pO5K8K-XXzEtA8uycEAwCo-z-pjg2oyF-zquR7TwO4A4wB%20%281%29.jpg.webp?itok=1JRO_fDi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_14.jpeg.webp?itok=r1ivFgQk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_1.jpg.webp?itok=xDkoZQ_x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86_50_1.jpg.webp?itok=lVttV-Fk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/OUPg0it56SjYbmFDi4OF0nlf_FStDEHV2ojDF_t-Cw2iTlRBWllNC8ebxr9y9QOJX4CDQhRNvVcvQvua9p1cQo2UTjfYSRTxcNJW0CMcoEORJhiYa0oxX385O8m1MeztnRonJLeLnRw_dt-2wIq7VCZ15z0LP5HKDqceGgoRod6WS1yOo4Bd1uGhc3c9WSoR%20%281%29.jpg.webp?itok=eMHkqEvP)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

