الحيدري لـ "حفريات": إيران بين عودة الحرب وانفلات الشارع... والحرس الثوري يستعد للداخل

الحيدري لـ "حفريات": إيران بين عودة الحرب وانفلات الشارع... والحرس الثوري يستعد للداخل

الحيدري لـ "حفريات": إيران بين عودة الحرب وانفلات الشارع... والحرس الثوري يستعد للداخل


24/08/2026

حوار/ رامي شفيق

في ظل مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تقف المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، بعد جولات من التصعيد العسكري والميداني أظهرت حجم التوتر القائم بين الطرفين، من دون أن تنهي جذور الصراع أو تحسم مساراته. وبينما تبدو التهدئة الحالية أقرب إلى توقف مؤقت للاشتباك منها إلى تسوية سياسية نهائية، تظل احتمالات عودة التصعيد العسكري قائمة، في ضوء استمرار الخلافات حول الملفات الأمنية والنووية وحماية وتأمين المرور من مضيق هرمز.

وفي تزامن لافت بين تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي وارتفاع منسوب الضغوط داخل إيران، حيث  تتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع القدرة على احتواء حالة الاحتقان المتراكمة في شرائح واسعة من المجتمع، فضلًا عن اتساع الفجوة بين السلطة وقطاعات متزايدة من الشعب، ما يبدو معه واقعًا، احتمالات عودة الاحتجاجات الشعبية واتخاذها أشكالًا أكثر اتساعًا وتنظيمًا، خصوصًا في ظل زخم الأوضاع السياسية والمعيشية.

إلى ذلك، تبرز أيضًا مطالب الشعوب غير الفارسية، التي ترى أنّ أزمتها لا تقتصر على الحقوق الثقافية أو الاقتصادية، وإنّما تمتد إلى قضايا الهوية والتمثيل السياسي والحقوق الوطنية وتقرير المصير.

في هذا السياق التقت "حفريات" عبد الرحمن الحيدري، المتحدث الرسمي للتيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز، لمناقشته في آخر تطورات  المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمالات تجدد التصعيد العسكري، وانعكاسات ذلك على بنية النظام الإيراني وأذرعه الإقليمية، إلى جانب سيناريوهات الاحتجاج الداخلي، ومستقبل الحراك الشعبي، ومطالب الشعوب غير الفارسية، خاصة الشعب العربي الأحوازي، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها إيران والمنطقة.

نص الحوار:

في ضوء التطورات الأخيرة، كيف تقرؤون آفاق مستقبل الهدنة بين إيران والولايات المتحدة؟

ـ أعتقد أنّ ما نشهده اليوم ليس هدنة بالمعنى التقليدي، وإنّما وقف اشتباك مؤقت فرضته اعتبارات عسكرية واستراتيجية لدى الطرفين. فالولايات المتحدة تسعى إلى منع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، بينما يحاول النظام الإيراني إعادة ترتيب قدراته العسكرية والأمنية بعد الضربات التي تعرض لها، وليس الدخول في مرحلة سلام أو تسوية حقيقية.

المشكلة الجوهرية تكمن في أنّ القرار داخل إيران ليس قرارًا أحاديًا، فهناك مستويات متعددة لصناعة القرار تضم مكتب المرشد، والحرس الثوري، والأجهزة الاستخباراتية، والمؤسسات العقائدية والاقتصادية المرتبطة بها. وهذا التداخل يجعل أيّ تفاهم خارجي هشًا؛ لأنّ الجهة التي توقّع أو تتفاوض ليست بالضرورة الجهة التي تمتلك السيطرة الكاملة على التنفيذ.

ومن هنا، فإنّ أيّ تفاهم مستقبلي لن يكون قابلًا للاستمرار ما لم يعالج بنية النظام نفسه، وليس فقط سلوكه الخارجي. وقد أثبتت التجارب السابقة أنّ النظام الإيراني يوظف فترات التهدئة لإعادة بناء أدواته العسكرية وتفعيل شبكاته الإقليمية، وهو ما يفسر حالة الحذر التي تتعامل بها القوى الإقليمية والدولية مع أيّ اتفاق محتمل.

إلى أيّ مدى أصبح الحرس الثوري الإيراني صاحب التأثير الحاسم في صناعة القرار؟

ـ الحرس الثوري لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل أصبح الدولة العميقة داخل النظام الإيراني. فهو يسيطر على القرار الأمني، ويمتلك نفوذًا واسعًا في الاقتصاد، ويتحكم بجزء كبير من السياسة الإقليمية عبر فيلق القدس وشبكة الميليشيات التابعة له.

كما أنّ المؤشرات الأخيرة داخل إيران توحي بأنّ المؤسسة العسكرية والعقائدية تستعد لمرحلة مواجهة داخلية أكثر منها خارجية. فالتغييرات التي طالت قيادة قوات التعبئة (الباسيج)، وتعيين المعمم حسين طائب قائدًا لهذه الميليشيا، وما رافقها من إعادة ترتيب للقيادات الأمنية، تعكس استعدادًا واضحًا لاحتواء موجة احتجاجات شعبية محتملة، أكثر من كونها مجرد تغييرات إدارية. وتشير تحليلات عدة إلى أنّ هذه التعيينات ترتبط بتعزيز أدوات الضبط الداخلي في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية.

وأعتقد أنّ تنامي نفوذ الحرس الثوري يجعل التهدئة الإقليمية أكثر صعوبة؛ لأنّ بقاء هذه المؤسسة مرتبط عمليًا باستمرار حالة الصراع والتوتر، فهي تستمد شرعيتها وميزانياتها ونفوذها من مفهوم "المواجهة الدائمة"، وليس من الاستقرار.

كيف تقرؤون مستقبل النظام الإيراني؟

ـ برأيي، نحن لا نشهد مجرد إعادة ترتيب لموازين القوى داخل النظام، بل أزمة بنيوية شاملة تضرب أركانه السياسية والأمنية والاقتصادية، وتضعه أمام أخطر اختبار منذ تأسيسه.

وعلى أقلّ التقديرات، يواجه النظام أربع أزمات متزامنة: أزمة شرعية سياسية نتيجة التراجع الحاد في ثقة الشعوب داخل إيران بمؤسسات الحكم، وأزمة اقتصادية خانقة تتمثل في التضخم وانهيار القوة الشرائية واتساع رقعة الفقر والبطالة، وأزمة أمنية داخلية ناجمة عن تصاعد الاحتقان الشعبي، وأزمة خارجية تتمثل في المواجهة مع الولايات المتحدة وتداعيات السياسات العدوانية للنظام تجاه دول الخليج العربي والمنطقة.

وفي الوقت نفسه، فإنّ اختفاء المرشد مجتبى خامنئي عن المشهد العلني، بالتوازي مع اتساع نفوذ الحرس الثوري، يعكس انتقال مركز الثقل داخل النظام إلى المؤسسة الأمنية والعسكرية. وتأتي إعادة حسين طائب إلى قيادة قوات التعبئة (الباسيج) مؤشرًا بالغ الدلالة على أنّ النظام يستعد لمرحلة مواجهة داخلية، ويعيد بناء منظومة القمع تحسبًا لاحتجاجات شعبية واسعة، بدلًا من الاتجاه نحو الإصلاح أو الانفتاح السياسي.

التاريخ يعلمنا أنّ الأنظمة الشمولية تبدو قوية في ظاهرها، لكنّها تكون أكثر هشاشة عندما تعتمد على القبضة الأمنية وحدها. لذلك، فإنّ مستقبل النظام لن يُحسم بقدرته على مواجهة الخارج، بل بقدرته على احتواء شعوبه في الداخل، وهي معركة تبدو أكثر تعقيدًا بالنسبة إليه يومًا بعد آخر.

وبناءً على مجمل المؤشرات الداخلية والإقليمية، أرى أنّ النظام الإيراني دخل مرحلة تآكل استراتيجي؛ فقد ينجح في تأجيل لحظة الانهيار عبر القمع وإعادة ترتيب أجهزته، لكنّه فقد جانبًا كبيرًا من شرعيته ومقومات استقراره، ممّا يجعله يواجه أخطر مرحلة في تاريخه الحديث.

كيف تصفون العلاقة بين الحرس الثوري والأذرع الإيرانية في اليمن ولبنان والعراق؟

ـ العلاقة ما زالت تقوم على مركزية استراتيجية ولا مركزية تكتيكية. بمعنى أنّ طهران تحدد الاتجاهات الكبرى: من هو العدو، ومتى يتم التصعيد، وما الأولويات الإقليمية؟ أمّا الميليشيات، فتتمتع بهامش في اختيار أدوات التنفيذ بما يتناسب مع ظروفها المحلية.

لقد تضررت هذه الشبكة خلال العامين الأخيرين نتيجة الضربات العسكرية والعقوبات واستهداف البنية اللوجستية، لكنّ ذلك لا يعني انتهاء المشروع الإيراني، بل يعني أنّ الحرس الثوري يعيد هيكلة هذه الأذرع لتصبح أكثر مرونة وأقلّ اعتمادًا على القيادة المركزية المباشرة.

وفي اليمن ولبنان والعراق أصبحت الأولوية لدى هذه الجماعات هي الحفاظ على بقائها الداخلي بقدر اهتمامها بتنفيذ الأجندة الإقليمية، وهو تحول مهم في طبيعة العلاقة بينها وبين طهران.

 كيف أثرت الأزمات الراهنة على القوميات والشعوب داخل إيران؟

ـ الشعوب غير الفارسية كانت تاريخيًا الأكثر تضررًا من سياسات النظام الإيراني، لكنّها اليوم تتحمل العبء الأكبر من تداعيات الأزمة الاقتصادية والأمنية. وهذه الشعوب لا تناضل من أجل مطالب ثقافية أو حقوق جزئية فحسب، وإنّما تناضل من أجل حقوقها الوطنية والسياسية، وفي مقدمتها حقها في تقرير مصيرها.

في الأحواز، على سبيل المثال، يعيش شعبنا فوق أكبر حقول النفط والغاز في المنطقة، ومع ذلك يعاني من الفقر والبطالة والتلوث البيئي وشح المياه وسياسات التغيير الديموغرافي. وهذه المفارقة تكشف طبيعة النظام الذي يحوّل الثروة إلى أداة للهيمنة والسيطرة، بدلًا من استخدامها لتحقيق التنمية والازدهار.

وينطبق الأمر، بدرجات مختلفة، على البلوش والأتراك والكرد والتركمان وغيرهم من الشعوب غير الفارسية. ولذلك، فإنّ قضايا الهوية والحقوق لم تعد مجرد مطالب ثقافية، بل أصبحت مرتبطة بالعدالة الاقتصادية وتوزيع الثروة والتمثيل السياسي والحق في تقرير المصير.

وأعتقد أنّ الشعوب غير الفارسية تمثل اليوم "كعب أخيل" النظام الإيراني؛ فهي تشكل عمقًا اجتماعيًا وجغرافيًا وسياسيًا مهمًا لأيّ تحول حقيقي في إيران. وكلما اتسعت قدرتها على تنظيم مطالبها الوطنية والسياسية والتعبير عنها بصورة مشتركة، ازدادت الضغوط على النظام؛ لأنّ الأزمة لم تعد أزمة معيشية عابرة، وإنّما أزمة عقد اجتماعي كامل لم يعد النظام قادرًا على الحفاظ عليه.

ومن هنا، فإنّ مستقبل الاستقرار داخل إيران سيتوقف إلى حد كبير على كيفية التعامل مع حقوق هذه الشعوب ومطالبها المشروعة، وعلى استعداد أيّ نظام سياسي مستقبلي للاعتراف بحقها في تقرير مصيرها، بدلًا من إعادة إنتاج سياسات الإقصاء والهيمنة التي أوصلت البلاد إلى أزمتها الحالية.

هل تتوقعون عودة الاحتجاجات الشعبية على نطاق واسع؟

ـ الاحتجاجات ليست احتمالًا بعيدًا، بل هي مسألة توقيت. جميع المؤشرات الاقتصادية تشير إلى استمرار الضغوط على المجتمع، بينما تستعد الأجهزة الأمنية لسيناريو احتجاجات واسعة عبر تعزيز قوات الباسيج والأجهزة الاستخباراتية وتوسيع أدوات المراقبة والسيطرة، وهذا يعني أنّ النظام نفسه يتوقع انفجارًا اجتماعيًا في المستقبل القريب.

لكنني أرى أنّ الاحتجاجات القادمة ستكون مختلفة عن سابقاتها، فهي قد تتسم بدرجة أعلى من التنسيق بين الفئات الاجتماعية والشعوب المختلفة، خاصة إذا استمرت الأزمات الاقتصادية وتراجعت قدرة الدولة على تقديم حلول حقيقية.

وفي المقابل، فإنّ القمع وحده لن ينتج استقرارًا دائمًا، فكلما توسعت الفجوة بين المجتمع والنظام، ازدادت كلفة الحفاظ على السلطة، وأصبحت أدوات القوة أقلّ قدرة على معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة.

هل ثمة رؤية استراتيجية جديدة للمنطقة؟

ـ إنّ الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي، حيث تتزايد أهمية الشراكات الأمنية بين الدول العربية والقوى الإسلامية المعتدلة. واتفاق مكة، الذي يعكس التقارب العسكري والاستراتيجي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، يمثل أحد أبرز المؤشرات على بناء منظومة ردع إقليمية جديدة تهدف إلى حماية أمن الخليج العربي والبحر الأحمر، ومواجهة مشاريع التوسع والميليشيات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، فإنّ القضية الأحوازية ليست قضية محلية تخصّ شعبًا واحدًا، بل أصبحت جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي. فاستقرار الخليج العربي يظل مرتبطًا بإنهاء السياسات التوسعية للنظام الإيراني، وبتمكين الشعوب داخل الجغرافية السياسية الإيرانية من حقوقها المشروعة في تقرير مصيرها، وفي مقدمتها الشعب العربي الأحوازي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية