الحوار بين الأديان وسؤال المرجعية التاريخية

الحوار بين الأديان وسؤال المرجعية التاريخية

الحوار بين الأديان وسؤال المرجعية التاريخية


20/08/2025

 

يقف كثيرون أمام فكرة الحوار بين الأديان بشيء من التوجس والريبة؛ وذلك كلّما نوقشتْ مبادئه وقواعده في المحافل الدولية، أو خصّصت في إثره الدراسات والكتابات. ويكشف ذلك عن العلّة والدّاء العضال الذي ما يزال يؤخّر النقاش المستفيض حول هذه المسألة، وأخذها إلى آفاقها التي تُعيد مراجعة الموروث الدينيّ كلّه لدى الطرفين بما يسمح بمدِّ الجسور مع الآخر، حتى يتسنّى لنا الخروج من الأطر المغلقة التي شكَّلت وعينا الديني ومعه "هويتنا" الحضارية. تقتضي هذه المراجعات فيما تقتضيه النظر إلى ماهية الحوار بين الأديان ـ وخاصة في الأديان الإبراهيمية الثلاثة ـ مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذه الأديان ليست ذات بنية واحدة ومنسجمة، بل يطبعها كثيرٌ من التنوّع والاختلاف.

يُقصد بالحوار بين الأديان ذلك النقاش المستمر بين أطراف بمعتقدات متباينة ومختلفة، التي تحترم قناعات الآخرين، وتجتنب كل ما من شأنه أن يذكي التناقضات، أو أشكال النفي والإقصاء المتبادل، ويكون كل طرف موقناً من جدّيته وموضوعيته في التعاطي مع الآخر، والتعلم منه ومناقشته مناقشةً بنّاءة. يقف هذا التحديد عند البُعد الأنطولوجي في استحضار الآخر بوصفه تجربة واعية تنتمي إلى الذات، ويستحضر، أيضاً، البُعد القيمي الأخلاقي الذي يحدّد ويرسم معالم تلك العلاقة. غير أنّه ما كان لتحديد معنى الحوار بين الأديان أن يستقيم من دون النظر في منطلقاته وأسسه التي ينبني عليها، ولسنا نقصد التفكير في تلك المبادئ والأسس كلّها، بل يعنينا أن نفكر في المرجعية التاريخية تحديداً.

هل يسعفنا التاريخ في تحقيق الحوار بين الأديان؟

ثمّة كثيرٌ من الفرضيات التي يمكن أن نؤسّس عليها جوانب التأثير التاريخي على الحوار بين الأديان، ويمكن أن نجمل القول فيها على جهتين، هما جهتا: الحقيقة والحرية؛ فمن الناحية الأولى تُتمثّل الوقائع والأحداث التاريخية الماضية في الوجدان الديني على أنّها حقائق لا يمكن تجاهلها، وهي تحمل دلالات رمزية تربط باستمرار بين السماوي والأرضي. على أنّه في الأديان ذات الموروث المشترك ـ نظير الأديان الإبراهيمية في هذا السياق ـ ما كان بالإمكان أن يقع التوافق حول دلالات وتأويلات تلك الوقائع، أو تأمُّلها كما هي لدى الآخر، ومنه يصير مدار النقاش قائماً حول حقيقة ما جرى، وكيف جرى، ولماذا جرى، بل يمضي النقاش إلى الجدل حول طبيعة وقدسية الأحداث، والوقائع، والأشخاص، والأماكن، وبالتالي، تعيق تلك الفروق الدقيقة إعادة تمثّل الحقيقة بما يسمح بإقامة التوافق بين الأديان. ومن جهة ثانية، فإنّ مساحة الحرية التي ينعم بها الفرد في نقد دين آخر تكون أوسع نطاقاً من داخل ديانته، بعكس نقده لموروثه الخاصّ ومرجعياته، وتلك الحرية العكسية هي التي تعطّل المسار الفعلي لحركة الحوار بين الأديان.

يسمح الحوار بين الأديان ببناء صور مغايرة عن الآخر بما هو واقع يتجلّى ويحضر هنا والآن، ولكنّ تلك الصور متى ما تسلّحت بالماضي والتاريخ المتخيّل، فإنّها تتلاشى ويتحوّل الآخر في ضوئها إلى عدو دائم، والأصل أنّ كلّ حوار يقتضي إعادة النظر في تلك الصور المتخيّلة التي بناها مخيالنا حول "الآخر التاريخيّ"؛ والحقّ أنّ محاكمة الحاضر من خلال سلطة الماضي مدار تساؤل واستشكال، فهل يحقّ لنا فعلاً أن ننظر إلى الحاضر من خلال عدسة التاريخ؟ وهل التاريخ الديني هو على التحقيق التاريخ الإنساني؟ ألا يؤدّي الجدل بين الأديان إلى قلب الواقع وتقديمه معكوساً؟ ثمّ، وفق أيّ منظور يمكن لإعادة قراءة تاريخ الأديان أن تجد خطوط التماس وأشكال التوافق بين الأديان؟ وكيف ينعكس ذلك إيجاباً على حال الحوار بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة؟

كان مبنى فكرة "صراع الحضارات" لدى صمويل هنتنغتون (Samuel Huntington) على قراءة معينة للتاريخ، تقتضي أنّ الغالب على كلّ تدافع حضاريّ الميل إلى العنف والصراع (Huntington, The Clash Of Civilizations, p186)، لكن ينبغي لنا أن نتساءل ما التاريخ الذي عدّه هنتنغتون منطلقاً لكلّ التاريخ البشري؟ وهل ينسحب تاريخ الغرب على تاريخ الإنسانية كلّه؟ ربما في هذه الأسئلة ما يثير التفكير من أجل تحرّي المنطلقات التي تجعل من الحوار بين الأديان أمراً ممكناً، وذلك من خلال تجاوز التمثّلات القائمة حول التاريخ، وبناءً عليه يمكن فحص الكيفية التي يستطيع من خلالها التاريخيّ أن يفرض نفسه معياراً لتشكيل العلاقات بين البشر. ومع أنّه لا سبيل إلى التفكير خارج التاريخ، فهو أيضاً يعمل بمثابة الحامل للفكر، وبه تستطيع الأفكار الصمود والانبعاث في انتقالها من جيل إلى جيل، بل يمكن القول إنّها تتقوّى وتزدهر في حركة تطوّرها تلك، وترتوي من معين التمثلات والإيديولوجيا. وإذا كانت هذه حال الفكر الإنساني، بعامّة، فالفكر الديني ليس حالةً خاصّةً، وإنّما هو المعنيّ في المقام الأوّل؛ لأنّه أكثر الميادين الإنسانية نشاطاً.

والحق أنّ كلّ حضارة في لحظات وهنها واستشعارها للتهديد الخارجي سرعان ما تنكفئ إلى ماضيها الأسطوري، وإلى عدوّها الأزلي تُعلّق عليها خيباتها، وترفعه إلى مكانة الخصم المتوهَّم، وفي تلك الحال تكون في شبه عزلة وجدانية، وتحضّر نفسها من أجل الدخول في طور المقاومة والممانعة. وعلى هذا الأساس تكون المرجعية التاريخية سبباً مباشراً في العزلة الأنطولوجية للحضارات، بدلاً من إسهامها في التأسيس لقيم الحوار.

واجهت فكرة هنتنغتون انتقادات كثيرة، وذلك من أجل التأكيد على أهمية قراءة التاريخ خارج المركزية الغربية، والنظر إلى المجتمعات الإنسانية على أنّها مجتمعات متفرّدة في تجاربها التاريخية، ولا يسعُ الباحث أن يهمّ إلى نتائج بعينها فيطبّقها على التاريخ البشري كاملاً، وإنّما الأصل أن يهدف البحث إلى تحرّي النسبية وتوسُّل الموضوعية في التعاطي مع الوقائع التاريخية. لكن قد يعرض لنا سؤالٌ محوريّ في هذا السيّاق؛ فإذا كان التاريخ مليئاً بالبياضات والفراغات التي لا تقول شيئاً، والأقوال حولها متعارضة متضاربة، فما الموقف الذي ينبغي للمؤرّخ العالم والناقد أن يتبنّاه بصددها؟ يمكن القول إننا أمام خيارين: أوّلهما تبنّي الفرضيات التي تؤسس للتوافق بين الجماعات البشرية والسعي إلى تبريرها وفق تأويل معيّن لمسار الأحداث، وثانيهما تعليق الحكم والعمل على تفكيك الفرضيات المؤيّدة لمنطق الصراع والتطاحن لعدم حجّيتها.

ومن هذا المنطلق يكون التاريخ العالم قاعدةً لبناء الحوار بين الأديان، وركيزةً من أجل تقويم تاريخ العلاقة مع الآخر. صار هذا الحوار ضرورياً بالرغم من الصعوبات والتحديات النظرية التي يواجهها، وخاصة تلك التي ترتبط بما نسعى إلى بيانه عندما يتعلّق الأمر بالتاريخ المشترك بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة التي ترتكز في بناء حوارها على ما يؤدّي إلى التوافق وتحقيق التعايش المشترك، من دون النظر إلى حقيقة الاختلاف التي يكتنزها التاريخ المرجعي لتلك الثقافات الدينية التي عمّرت طويلاً، ومنه نكون أمام خيارين، إمّا تجاوز التاريخ من أجل بناء الحوار الفعال بين الأديان، وإمّا إعادة النظر في فروضه التي قام عليها بما يسمح ببناء تاريخ مشترك (Vogels, Abraham “Notre Père”, p153 ).

تتغذّى الطائفية من قراءة معينة للتاريخ الديني، مثلما يتغذّى التطرّف والإرهاب، فيكون التاريخ المرجعي الذي يستند إليه كلّ فريق مبايناً للآخرين، لأنّه قراءةٌ تعكس مصلحة الفرد الآنية، ويبني من خلاله مروياته وسردياته الكبرى، حتى يصيرَ ـ عنده ـ حقيقة مطلقة، وما عداها كذب وزور وبهتان. وبقدر ما يكون المرء حرّاً في شيطنة الآخر من أجل بناء ماضيه وأمجاده، بقدر ما تكون لديه المساحة من أجل بناء ماضيه الخاص وحقيقته المطلقة. وبالتالي، تكون السرديات الدينية الكبرى صروحاً قائمةً ومتماسكةً، ويرجعُ الفضل في تماسكها إلى الترميمات التي أجرتها عليها الأجيال المتعاقبة، ولكن وحده التاريخ النقدي بوسعه تفكيك تلك العمارة المتداعية التي لا تسمح بقيام حوار حقيقي بين الأديان؛ لأنّه يسمح للعقل الحرّ بتفكيك البنيات الواهية التي يقوم عليها اللاشعور الجمعي للمؤمنين، ويمكنهم بذلك من إعادة التساؤل حول الأسس التي تقوم عليها معتقداتهم.

لا بدّ للحوار بين الأديان، إذن، من الاستناد إلى شرعية التاريخ النقدي وإلى العقل الناقد، حتى يضمن استمرارية مشروعه وعدم الانكفاء إلى حالة العنف والصراع. يقوم الحوار بين الأديان على الصّفح المتبادل بين أطراف المختلفة، على أن يكون هذا الحوار بنّاءً في علاقة كلّ طرف بالآخر، وأن يكون نقديًّا في علاقته بالذات من أجل تفكيك البنيات الدوغمائية التي تعتبر الآخر عدوًّا أبديًا.

المراجع:

-Vogels, Walter, Abraham "notre père”, Paris: Les Éd. du Cerf, 2010.

-Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking Of World Order, New York: Ed. SIMON & SCHUSTER, 1996.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية