
أصدر مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية العدد التاسع من سلسلة "دراسات مسارات" تموز (يوليو) 2026، متضمنًا دراسة بعنوان "الحملات الإعلامية المناهضة للقوات المسلحة المصرية (2021-2025): دراسة في ديناميات حروب المعلومات وتأثيراتها الإدراكية"، من إعداد الباحث الدكتور محمد حسام ثابت، مدير برنامج الإرهاب والتطرف بالمركز. وتأتي الدراسة في إطار اهتمام المركز برصد التحولات في البيئة الإعلامية والأمنية وتحليل أنماط التأثير الحديثة على الوعي العام، مع التركيز على توظيف أدوات الاتصال الاستراتيجي في فهم التحديات المعاصرة.
وتقدّم الدراسة قراءة تحليلية لمسار الحملات الإعلامية المناهضة للقوات المسلحة المصرية خلال أربع سنوات، انطلاقًا من فرضية رئيسية مفادها أنّ هذه الحملات لم تعد تقتصر على بث رسائل دعائية أو نشر معلومات مضللة، وإنّما أصبحت جزءًا من حروب معلومات تستهدف تشكيل الإدراك الجمعي، وإعادة بناء التصورات الذهنية تجاه المؤسسة العسكرية بوصفها أحد أعمدة الدولة المصرية. وترى الدراسة أنّ هذا التحول ارتبط بالتطور المتسارع في أدوات الاتصال الرقمي، وبالانتقال من الخطاب السياسي المباشر إلى أنماط أكثر تعقيدًا تستثمر في التأثير النفسي والإدراكي طويل المدى.
من الخطاب المعادي إلى "حروب الإدراك"
تنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أنّ الحملات الإعلامية المناهضة للقوات المسلحة المصرية شهدت تحولًا نوعيًا خلال الفترة محل الدراسة. فبعدما كانت تعتمد في بداياتها على انتقاد قرارات أو سياسات بعينها، تطورت تدريجيًا إلى حملات أكثر تنظيمًا تستهدف، بحسب الدراسة، التأثير في الصورة الذهنية للمؤسسة العسكرية وإضعاف الثقة المجتمعية بها، وذلك من خلال إنتاج سرديات متكررة تتجاوز التعامل مع الأحداث اليومية إلى إعادة صياغة إدراك الجمهور لدور القوات المسلحة داخل الدولة.
وفي هذا السياق، تميز الدراسة بين الدعاية التقليدية، التي تستهدف التأثير في الرأي العام عبر رسائل مباشرة، وبين حروب المعلومات التي تقوم على إدارة بيئة معلوماتية كاملة، تتداخل فيها الأخبار، والمحتوى المرئي، والمنشورات الرقمية، والمقاطع القصيرة، والتفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف التأثير في الإدراك الجمعي بصورة تراكمية وطويلة الأمد. وترى الدراسة أنّ هذا التحول فرض أنماطًا جديدة من المواجهة، تتجاوز تصحيح المعلومات إلى بناء استراتيجيات اتصال قادرة على التعامل مع البيئة الرقمية المعاصرة.
البنية الخطابية للحملات
خصص الباحث الفصل الأول لتحليل البنية الخطابية التي استندت إليها هذه الحملات، موضحًا أنّها لم تعتمد على خطاب واحد، وإنّما على مجموعة من السرديات المتكررة التي يعاد إنتاجها بصيغ مختلفة وفقًا لطبيعة الحدث والظرف السياسي. وتحدد الدراسة عدة مرتكزات رئيسية لهذا الخطاب، من بينها إعادة تعريف دور القوات المسلحة داخل المجال العام، وإعادة توظيف الأحداث الأمنية والتحديات الإقليمية في سياقات تخدم روايات مضادة، إلى جانب الانتقال من التركيز على الوقائع الجزئية إلى بناء صورة كلية تستهدف المؤسسة العسكرية بوصفها فاعلًا رئيسيًا في المجال السياسي والاجتماعي.
وتشير الدراسة إلى أنّ هذه السرديات لا تعتمد على المواجهة المباشرة دائمًا، بل تلجأ في كثير من الأحيان إلى أساليب غير مباشرة، مثل صناعة الشك، وإثارة التساؤلات، وإعادة تفسير الوقائع، وربط أحداث متباعدة ضمن إطار تفسيري واحد، بما يمنح الخطاب قدرًا أكبر من القابلية للانتشار والتداول داخل البيئة الرقمية. وترى الدراسة أنّ هذا النمط يمثل أحد أبرز سمات الحملات الإعلامية الحديثة، التي تسعى إلى التأثير في الإدراك أكثر من سعيها إلى إقناع المتلقي برسالة مباشرة.
كيف تُدار الحملات؟
في الفصل الثاني، تنتقل الدراسة من تحليل الخطاب إلى دراسة آليات تشغيل الحملات، موضحة أنّ تطور البيئة الرقمية أدى إلى تغير طرق إنتاج المحتوى وتوزيعه وإعادة تدويره. ووفقًا للباحث، لم تعد الرسائل الإعلامية تُنتج بصورة منفردة، وإنّما ضمن شبكات مترابطة من الحسابات والمنصات، يجري بينها تبادل المحتوى وإعادة نشره بما يضمن وصوله إلى شرائح أوسع من الجمهور. وتتناول الدراسة دور المنصات الرقمية في إعادة تدوير السرديات، واستثمار التفاعل الجماهيري في منح الرسائل الإعلامية قدرًا أكبر من الانتشار، فضلًا عن الاعتماد على التكرار واستدامة الرسائل باعتبارهما من الأدوات الرئيسة لبناء الأثر الإدراكي طويل المدى.
تطور أدوات الاستهداف... من إعادة تدوير المحتوى إلى الذكاء الاصطناعي
تخصص الدراسة فصلًا كاملًا لرصد التحول الذي طرأ على أدوات الحملات الإعلامية خلال الفترة من 2021 إلى 2025، معتبرة أنّ هذا التطور يمثل أحد أهم مؤشرات الانتقال من الدعاية الرقمية التقليدية إلى أنماط أكثر تعقيدًا من حروب المعلومات. ويقسم الباحث هذا التطور إلى خمس مراحل متتابعة، لكل منها خصائصها وأدواتها، بما يعكس تغير البيئة الرقمية وسلوك مستخدميها خلال هذه السنوات.
وترى الدراسة أنّ المرحلة الأولى، خلال عام 2021، اتسمت بالاعتماد على إعادة تدوير المحتوى، من خلال إعادة نشر المواد القديمة وربطها بالأحداث الجارية لإنتاج دلالات جديدة تخدم الرسائل المستهدفة. أمّا في عام 2022، فقد شهدت الحملات انتقالًا إلى إنتاج سرديات أكثر كثافة، مع تنويع أشكال المحتوى واستخدام المنصات الرقمية بصورة أكثر احترافية، بما سمح ببناء روايات إعلامية متماسكة تتجاوز التعليق على الأحداث إلى محاولة تفسيرها وإعادة تأطيرها.
وتوضح الدراسة أنّ عام 2023 مثّل مرحلة جديدة اتسمت بدمج المحتوى النصي والمرئي والسمعي في رسائل إعلامية أكثر تكاملًا، مع توظيف المنصات الاجتماعية لإعادة إنتاج المحتوى بأشكال متعددة تناسب طبيعة كل منصة. وفي عام 2024 انتقلت الحملات إلى مرحلة أكثر تطورًا من التكامل الوسائطي، حيث أصبحت الرسالة الواحدة تُنتج في أكثر من صيغة، وتُعاد صياغتها باستمرار للحفاظ على حضورها داخل الفضاء الرقمي، مع الاستفادة من التفاعل الجماهيري في توسيع نطاق انتشارها.
أمّا عام 2025، فتعتبره الدراسة نقطة تحول لافتة مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى عملية إنتاج المحتوى، ليس فقط في تحرير النصوص، وإنّما أيضًا في تطوير الصور والعناصر البصرية، بما يزيد من قدرة الرسائل الإعلامية على جذب الانتباه ومحاكاة الواقع. وترى الدراسة أنّ هذا التطور يفرض تحديات جديدة أمام المؤسسات المعنية بالمواجهة، إذ لم تعد القضية تقتصر على رصد المحتوى أو نفيه، بل امتدت إلى التعامل مع أدوات تقنية قادرة على إنتاج مواد إعلامية أكثر إقناعًا وتأثيرًا.
التأثير في الوعي والإدراك الجمعي
لا تكتفي الدراسة بتحليل أدوات الحملات، وإنّما تنتقل إلى مناقشة تأثيرها على المجال الإدراكي، معتبرة أنّ الهدف النهائي لم يعد مجرد إقناع الجمهور بموقف سياسي، بل إعادة تشكيل إدراكه لطبيعة المؤسسة العسكرية ودورها داخل الدولة. ومن هذا المنطلق تستخدم الدراسة مفهوم "الهجوم الإدراكي" بوصفه إطارًا يفسر انتقال الاستهداف من الوقائع الجزئية إلى التأثير في منظومة التصورات والقيم التي تحكم نظرة الجمهور إلى المؤسسات الوطنية.
وتشير الدراسة إلى أنّ هذا النمط يعتمد على تراكم الرسائل وتكرارها، وإعادة إنتاجها عبر وسائط مختلفة، بما يؤدي إلى ترسيخ صور ذهنية يصعب تفكيكها بوسائل الإعلام التقليدية وحدها. وتتناول الدراسة توظيف السخرية، والمحتوى الترفيهي، والمقاطع القصيرة، والمواد البصرية، باعتبارها أدوات أكثر قدرة على الانتشار داخل البيئة الرقمية، فضلًا عن استخدامها في تعزيز الأثر النفسي للرسائل الإعلامية المستهدفة.
وتخلص الدراسة إلى أنّ فهم هذه التحولات يقتضي الانتقال من التعامل مع الحملات الإعلامية باعتبارها ردود أفعال متفرقة، إلى النظر إليها باعتبارها جزءًا من بيئة معلوماتية متكاملة، تتداخل فيها التكنولوجيا، والمنصات، والخطاب، وآليات التأثير النفسي، بما يجعل مواجهتها مرتبطة بتطوير أدوات الاتصال الاستراتيجي، وتعزيز الوعي المجتمعي، وبناء قدرات مؤسسية قادرة على التعامل مع أنماط الاستهداف المستحدثة.
توصيات الدراسة... نحو تطوير الاتصال الاستراتيجي في مواجهة حروب المعلومات
تختتم الدراسة بطرح مجموعة من المسارات التي ترى أنّها تمثل إطارًا عمليًا للتعامل مع التحولات التي شهدتها الحملات الإعلامية خلال السنوات الأخيرة. وينطلق الباحث من أنّ مواجهة هذا النوع من الحملات لا يمكن أن تعتمد على نفي المعلومات أو الردود الإعلامية التقليدية وحدها، وإنّما تتطلب تطويرًا شاملًا في أدوات الاتصال الاستراتيجي، وبناء قدرة مؤسسية على فهم البيئة الرقمية وآليات عملها، واستيعاب التحولات التي طرأت على طبيعة التأثير الإعلامي في عصر المنصات والذكاء الاصطناعي. وتؤكد الدراسة أهمية الاستثمار في بناء الوعي المجتمعي، وتعزيز القدرة على اكتشاف المحتوى المضلل، إلى جانب تطوير آليات الرصد والتحليل المبكر للحملات الرقمية، بما يسمح بالتعامل معها قبل تحولها إلى سرديات راسخة داخل المجال العام. وترى الدراسة أنّ نجاح أيّ استراتيجية للمواجهة يظل مرهونًا بقدرتها على الجمع بين الرصد العلمي، والاتصال الفعال، والتطوير المستمر للأدوات الإعلامية بما يواكب سرعة التحولات التكنولوجية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1_0_1_0.png.webp?itok=bb8cyM5n)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_320_0_0.jpg.webp?itok=1pGg8_vR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=Bkb6ap9t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_4_2_0_3.jpg.webp?itok=Om5UhGSg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1_0_0.jpg.webp?itok=6WVyR_HG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_6_0_0_3_0_1.jpg.webp?itok=1Ir9j3AG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/-cOhk7DvHImFnviinHI1_POoUcLp6irQrZvS8W-7tuond_jTy7tB6j7NtJHmDufCp8YjULkd-tx2Ml1E5-hHOIkg7nxyEtFnGB321apm2GBA7G1TyDW0ZPWA1zuOrnYykAtuomwWA9vCjQplQGSGHqfZGAXtGVQ9QJCK3wI3BiS2T6U65bK8-Oe5X5gKxnh5_0.jpg.webp?itok=P4fM8OxZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/research1691816762-scaled_0.jpg.webp?itok=mEJXygbJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_88_2_1.jpg.webp?itok=wJGLWmUS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1163200-1120451991%20%281%29.jpg.webp?itok=V_X_0Zlf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/u6ZebG64eli-Y2r6Qnb6husVM13bRGzMPE24x4ba1mddxYuHnPufy9fxhgMRhW8Gr9ZRxA8fIssbpWnSPC8a_SRXJT-R_9o2PHqNeIAlQUG_VR9xjkTYZoKFt0a3B6Gtb6TA01vyZK2NeqJRMemR_dxYvk6D5sTHZmfKfa2LNZmbzzYjDLvX-xgjiNyQfNrv%20%281%29.jpg.webp?itok=GqTr_MTz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_92.png.webp?itok=o1aX7qby)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%85%D9%8A%D9%86%D9%8A_6_0_0.jpg.webp?itok=h4S_Zv6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A70_1_0_2_1_0_0_0.jpg.webp?itok=x8NqAeAZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41_1.jpg.webp?itok=oWLmKDJD)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A7%D9%87%D8%B1_7_0_1_2_0_0.jpg.webp?itok=nrhStReo)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/OUPg0it56SjYbmFDi4OF0nlf_FStDEHV2ojDF_t-Cw2iTlRBWllNC8ebxr9y9QOJX4CDQhRNvVcvQvua9p1cQo2UTjfYSRTxcNJW0CMcoEORJhiYa0oxX385O8m1MeztnRonJLeLnRw_dt-2wIq7VCZ15z0LP5HKDqceGgoRod6WS1yOo4Bd1uGhc3c9WSoR%20%281%29.jpg.webp?itok=eMHkqEvP)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_14.jpeg.webp?itok=r1ivFgQk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_3.jpg.webp?itok=JqgGrr-Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

