الحكومات التقية.. الكهنوت ليس مجرّد رجل دين!

الحكومات التقية.. الكهنوت ليس مجرّد رجل دين!

مشاهدة

31/05/2020

الثيوقراطية أو "Theocracy"، مستوحاة من كلمة يونانية الأصل، تعني "حكم الربّ"، كان (Flavius Josephus)، وهو أديب ومؤرخ عسكري من أصول رومانية يهودية، اسمه العبراني "يوسف بن ماتيتياهو"، أول من استخدم كلمة الثيوقراطية، لـُيعبّر بها عن أنظمة الحكم الدينية.

وُلد يوسف بن ماتيتياهو في القدس، وهو سليل عائلة من الكهنة اليهود، اختلفت بعض المصادر حول تاريخ مولده بالضبط، لكنّه ولد عام 38 ميلادية تقريباً، قاد بن ماتيتياهو تمرداً لليهود ضدّ الرومان، وحين استخدم لفظ ثيوقراطية (حكم الرب)، لم يكن المقصود استخدامها في إطار سلبي؛ بل كان يستخدم لفظ الثيوقراطية بشكل إيجابي، ليعبّر عن حكم الرب من منطلق الديانة اليهودية، وهنا أسّس بن ماتيتياهو نظرية مفادها "الحكم بشريعة اليهود، من أجل الصلاح المجتمعي وإرضاء السماء".

العالم العربي يعيش في ظلّ حكومات ثيوقراطية دينية بدرجات متفاوتة  بعضها أكثر تحرراً من الأخرى

وأصبحت الثيوقراطية، دلالة تعبّر عن الحكومة التقية التي تحكم باسم الله، ظلّ الأمر على هذا المنوال، حتّى تحطمت هذه النظرية، معرفياً، على يد الفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831) في نقده للثيوقراطية.

ومن هنا، يتّضح أنّ الثيوقراطية استُخدمت عبر القرون الماضية، للتعبير عن الأنظمة السياسية، التي تعدّ الله هو السلطة السياسية العليا، وتحتاج هذه الأنظمة إلى كهنوت يحكم باسم الله على الأرض؛ كوسيط بين الذات الإلهية في السماء، والبشر على الأرض؛ حيث تجلّت الثيوقراطية في شكل أنظمة للحكم في أوروبا في العصور الوسطى، إلى أن جاءت العلمانية لتحرّر تلك البلاد من سطوة الكهنوت المسيحي.

كلمة الثيوقراطية، لها أصول غير إسلامية أو عربية، لهذا قد يرى البعض أنّ الثيوقراطية والحكم الإسلامي لا يجتمعان، ممّا يأخذنا في جدل المصطلحات، الذي نبتعد فيه عنه المضمون؛ لأنّ المضمون هو أنّ البلاد الإسلامية لم تتخلّص من سطوة الحكم الديني بأشكاله المختلفة.

وحين نضع هذه الحقائق نصب الأعين، نجد العالم العربي يعيش في ظلّ حكومات ثيوقراطية دينية (بدرجات متفاوتة)، بعضها أكثر تحرراً من الأخرى، أو بعضها أقلّ تزمتاً من الأخرى.

هناك ثيوقراطية حُكم الله في عديد من الأنظمة في البلاد ذات الأغلبية الإسلامية حتى لو لم يحكمها رجل دين

بكلّ تأكيد هناك ثيوقراطية "حكم الله" في عديد من الأنظمة، في البلاد ذات الأغلبية الإسلامية، حتى لو لم يحكمها رجل دين، أو فقيه، في أعلى سلطة فيها، فالثيوقراطية الإسلامية لها أشكال عديدة، كما تختلف سطوتها من بلد إلى آخر.

الثيوقراطية في نهاية المطاف، هي تصور لتنفيذ شريعة الله على الأرض، على يد الحكّام، سواء كان هؤلاء الحكام رجال دين، أو كانوا رجال سلطة يستعينون برجال الدين في الحكم، وتقتنع شعوبهم كذلك، (إلّا القليل)، بأنّ شريعة الله لا بدّ من أن تحكم الوطن، فيتم تفريغ مفهوم الوطن من مضمونه؛ لأنّ الأوطان يعيش فيها مواطنون على اختلاف عقائدهم، ولا يجب أن تطغى عقيدة على أخرى في التشريع، حتى إن كانت عقيدة الأغلبية.

بعض المفكرين العرب مثل؛ الدكتور عبد الوهاب المسيري، وهو باحث إسلامي متخصّص في علم الاجتماع، من أشهر مؤلفاته؛ كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (2002)، يعترض على استخدام لفظ ثيوقراطي في وصف حال أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية، لكن ليس لديه أدنى مشكلة في استخدام لفظ الحكم بالشريعة، وفي حقيقة الأمر؛ فإنّ لفظ ثيوقراطية يعني "حكم الله"، والحكم بالشريعة هو الحكم بشريعة الله، فالثيوقراطية والحكم بالشريعة هنا، وجهان لعملة واحدة.

لطالما كان مفهوم مدنية بمرجعية دينية عائقاً لكثير من حقوق المواطنة سواء بالنسبة للمرأة أو الأقليات الدينية

للخروج من هذا المأزق؛ بدأت بعض المصطلحات في الانتشار، مثل: مدنية بمرجعية دينية، وهي مصطلحات مبهمة، وغير منضبطة، أشبه بأن نطلب رطلاً من اللّحم، دون قطرة من الدماء، على الطريقة الشكسبيرية في مسرحية "تاجر البندقية".

لطالما كان مفهوم مدنية بمرجعية دينية، حجر عثرة في طريق إقرار كثير من حقوق المواطنة، سواء بالنسبة إلى المرأة أو الأقليات الدينية؛ بل تتدخل هذه المرجعية في سنّ قوانين تسجن بعض الكتّاب أو المواطنين، بتهمة الكفر أو ازدراء الأديان، وأكثر من ذلك، فهي تتدخّل في سنّ قوانين طبيّة أو علمية.

الكهنوت ليس مجرّد رجل دين يشرّع ويحكم إنّما الكهنوت حالة تتقمص مواد القانون ومؤسسات الدولة

هنا يتحقق مبدأ الكهنوت؛ لأنّ الكهنوت ليس مجرّد رجل دين يشرّع ويحكم؛ إنّما الكهنوت حالة تتقمص مواد القانون ومؤسسات الدولة، وهنا ستجد من يقول: لكنّ هذا حكم الله، وهو ما يثبت أنّ القانون في بلادنا ثيوقراطي ديني؛ لأنّ الثيوقراطية هي رغبة البشر، سواء الحكّام أو رجال دين، أو حتى الجماهير، في تطبيق حكم الله بأيديهم، بدون النظر إلى أيّة تطورات مجتمعية، أو إلى اختلاف في الزمان والمكان، الذي جاءت فيه تلك الأحكام.

لا توجد دولة مدنية حقيقية بمرجعية تشريعية دينية؛ لأنّ التشريعات تتطوّر بحسب الزمان والمكان، بينما النصوص الدينية ثابتة، فلا يمكن أن نحذف نصوصاً دينية؛ لأنّ هذا يعدّ تدليساً وطمساً لتاريخية النص، لكن يمكننا طرح فكرة فصل التشريعات المدنية عن النصوص الدينية، أياً كان مصدرها، لسبب بسيط، هو أنّ الدولة شخصية اعتبارية يعيش فيها مواطنون، وحقوقهم ليست مرتبطة بعقائدهم، التي هي أمر شخصي، فحق الاعتقاد مكفول للجميع على قدم المساواة.

ونحن لم نأتِ باختراع جديد؛ لأنّ فصل التشريعات المدنية عن الدينية، كان سبيلاً لمنح كثير من الحقوق، أو إيقاف كثير من أنماط التمييز، وذلك تماشياً مع تطورات العصر ومتطلباته.

عادةً ما نمنح البرلمان والمؤسسة الدينية الرسمية دوراً ثيوقراطياً واضحاً تتحطّم على صخرته مساعي إقامة ركائز الدولة المدنية

هذه النظرية مدخل مبسط لإشكالية التشريع المدني، في البلاد ذات المرجعيات الدينية، وقد يجد بعض المواطنين أنفسهم تحت سطوة بعض القضاة، الذين يحكمون بمرجعية دينية في محاكم مدنية، كما حدث للدكتورة ابتهال يونس، أستاذة الأدب الفرنسي في جامعة القاهرة، وزوجة المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد، وواجهت معه حكماً بالتفريق، حين قرّر القاضي أنّ أبو زيد مرتدّ، فوجدت ابتهال يونس نفسها مطلقة من زوجها بغير إرادتها؛ لأنّ القاضي حكم بنصّ من القانون مستمدّ من الشريعة الإسلامية، وقرّرت المحكمة أنّ الفرقة تقع على الفور بين المرتدّ وزوجته، ووجد أبو زيد نفسه مرتدّاً أمام المحكمة، إثر ما كتبه في كتاب "الإمام الشافعي وتأسيس الأيدلوجية الوسيطة"، في عام 1992.

هناك عدة تشريعات أخرى، تتمّ مناقشتها في المجالس النيابية في البلاد العربية مثل؛ لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب المصري، التي علّقت على رفض تعديل في قانون الأحوال الشخصية في أيار (مايو) 2017، تحت مسمّى مخالفته للشريعة الإسلامية، وعادة فإنّ تلك اللجان تستند إلى رأي الأزهر، من منطلق مرجعية الأزهر التي كفلها الدستور، وهنا ندخل في معادلة منح البرلمان، والمؤسسة الدينية الرسمية دوراً ثيوقراطياً واضحاً، تتحطّم على صخرته مساع لإقامة ركائز دولة مدنية حقيقية؛ فالحكومة المدنية تنظّم العلاقة بين المواطنين، لا تنظّم العلاقة بين المواطنين والله.

الصفحة الرئيسية