الحضور العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط... 5 ركائز واعتبارات تحكم مستقبله

الحضور العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط... 5 ركائز واعتبارات تحكم مستقبله

مشاهدة

14/07/2021

شهد شهر حزيران (يونيو) 2021 صدور تأكيد عن وزارة الدفاع الأمريكية أنها بدأت خفض أنظمتها للدفاع الجوي في الشرق الأوسط، بعد أن كان قد تم تعزيزها في عامي 2019 و2020، على خلفية توترات مع إيران. وصرّحت المتحدثة باسم البنتاغون جيسيكا ماكنولتي أنّ وزير الدفاع لويد أوستن (أمر بأن يتم خلال صيف 2021 سحب بعض القوات والقدرات من المنطقة)، مع الإشارة إلى أنّ الأمر يتعلق بشكل أساسي بمعدات دفاع جوي.

إنّ انسحاباً أمريكياً عسكرياً فورياً وكاملاً سيكون باهظ التكلفة، ‏على مستوى الأمن الإقليمي والدولي، وكذلك على المصالح ‏الأمريكية

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، فقد بدأ البنتاغون أوائل حزيران (يونيو) 2021 بسحب 8 بطاريات مضادة للصواريخ من العراق، والكويت، والأردن، والسعودية، بالإضافة إلى درع "ثاد" المضاد للصواريخ الذي كان قد تم نشره في السعودية، ومن ثم تلا ذلك إغلاق 3 قواعد في قطر ونقل معداتها إلى الأردن. ويتزامن ذلك مع تخفيض عدد القوات الأمريكية في العراق إلى (2500)، فضلاً عن استكمال سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، بحلول أيلول (سبتمبر) 2021.

اقرأ أيضاً: تأملات في الانسحاب الأمريكي من أفغانستان

فهل يعني ذلك أنّ المنطقة ستشهد انسحاباً عسكرياً أمريكياً في المدى المنظور؟ كما حصل مثلاً في فترة سابقة عندما انسحبت بريطانيا أوائل السبعينيات من القرن الماضي؟ أم أنّ اعتبارات وتفاصيل أخرى تحكم وتحدد شكل ومستوى الحضور المستقبلي للتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة؟

مبدأ كارتر... التواجد بالخليج ومنظومة الأمن القومي الأمريكي

أعلن الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر عن مبدئه الشهير في 23 كانون الثاني (يناير) من العام 1980، والذي نصّ على استخدام الولايات المتحدة القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها في منطقة الخليج العربي. وجاء هذا المبدأ في حينها رداً على غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان عام 1979، إذ اعتبر كارتر أنّ القوات السوفييتية في أفغانستان تشكل تهديداً لحرية حركة نفط الشرق الأوسط، وبأنّ وجود القوات الأمريكية في الخليج مهم لضمان استمرار استخراج وتدفق موارد الطاقة وشحنها بأمان.

حاملة الطائرات الأمريكية نيميتز... أمر البنتاغون بتحريكها إلى مياه الخليج في تشرين الثاني  2020

ومع مرور العقود اقترن التواجد العسكري الأمريكي بالخليج ومنطقة الشرق الأوسط بحفظ المصالح الأمريكية في المنطقة، والتي تلخّصت في ترسيخ حالة توازن القوى، وبما يعزز الاستقرار الإقليمي ويحمي حلفاء الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم إسرائيل، ومكافحة التهديدات الإرهابية، ومنع الانتشار الإقليمي لأسلحة الدمار الشامل، وتشجيع التجارة الثنائية والازدهار الاقتصادي بما يحقق انعكاسات إيجابية على المصالح الأمريكية.

انسحاب جزئي... وإعادة انتشار

بسبب التراجع النسبي في الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، قياساً مع المناطق الأخرى من العالم، إثر تراجع حاجة الولايات المتحدة لشحنات النفط القادمة من المنطقة، ومع إمكان ضبط أسعار النفط عن طريق الدول الحليفة لأمريكا، من الأعضاء في "أوبك" و"أوبك +"، فإنّ التوجه الأمريكي بات يفضّل خيار تخفيض حجم الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

اقرأ أيضاً: الانسحابات الأمريكية.. مَن غير إيران يملأ فراغ الخراب؟

ولكنّ الحديث لا يدور عن انسحاب يرقى إلى مستوى الخروج الكامل من الشرق الأوسط، على غرار الانسحاب البريطاني في أوائل عقد السبعينيات من القرن الماضي، فإنّ انسحاباً أمريكياً عسكرياً فورياً وكاملاً سيكون باهظ التكلفة، ‏على مستوى الأمن الإقليمي والدولي، وكذلك على المصالح ‏الأمريكية، وخصوصاً في ظل ‏كثافة المصالح الاقتصادية المشتركة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون ‏الخليجي. ‏

يرتبط الانسحاب الجزئي العسكري الأمريكي من المنطقة بشكل أساسي بالتوجه نحو التركيز على التهديدات الصادرة من مناطق أخرى، يزداد فيها حضور وسطوة القوى المنافسة

سوف تبقى الحسابات الأمريكية حريصة على استمرار الوجود السياسي والعسكري الأمريكي في المنطقة، تحسباً لأي تطورات، ولكنّ الاتجاه هو لإعادة تنظيم هذا التواجد، من حيث العدد، والعتاد، والمهام، وأماكن التمركز. ومن أهم التحوّلات المتوقعة والتي بدأت ملامحها تظهر هي تقليل تواجد القوّات البرية، والمنظومات الصاروخية، وذلك في مقابل زيادة الاعتماد أكثر فأكثر على القوّات البحرية المتمركزة بشكل أساسي في مياه الخليج، التي بات التوجه يزداد نحو اعتبارها كافية لمجابهة المخاطر والتهديدات التي تمسّ المصالح الأمريكية الرئيسية ‏في المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بتأمين الممرات المائية وضمان تدفق شحنات النفط، وذلك دون الحاجة للاستعانة بقوات برية مرابطة بشكل دائم على أراضي دول المنطقة.

إعادة ترتيب مصفوفة مخاطر الأمن القومي الأمريكي

يرتبط الانسحاب الجزئي العسكري الأمريكي من المنطقة بشكل أساسي بالتوجه نحو التركيز على التهديدات الصادرة من مناطق أخرى، يزداد فيها حضور وسطوة القوى المنافسة، وفي مقدمتها مناطق بحر الصين الجنوبي والشرقي، والمحيط الهادئ، والبحر الأسود، وبحر البلطيق، وأوروبا، وبالنهاية هناك عدد محدود من صواريخ "باتريوت" و"ثاد" الأمريكية، وهي بحاجة لها بشكل أكبر في تلك المناطق.

جانب من القوّات الأمريكية العائدة من أفغانستان في العام 2020

وبالتالي، فإنه يمكن قراءة التوجه المستجدّ باعتباره يأتي في إطار ‏إعادة ترتيب مصفوفة مخاطر الأمن القومي الأمريكي، وهنا يُشار إلى أنّ إدارة بايدن تصنّف روسيا والصين على أنهما "الخطر الأهم"، وليس إيران، وقد نصَّ الدليل الاستراتيجي المؤقت الصادر عن إدارة بايدن في 3 آذار (مارس) 2021 على أنه: (سيكون وجودنا العسكري الأقوى في منطقة ‏المحيط الهندي والمحيط الهادئ وأوروبا، وفي الشرق ‏الأوسط، سنترك القدر اللازم من القوة للقضاء على الشبكات الإرهابية، وردع العدوان الإيراني، ‏وحماية المصالح الأمريكية الرئيسية الأخرى).

استراتيجية إنهاء الحروب

ويأتي التوجّه لسحب القوّات البرية خاصة، والتقليل من عددها، استكمالاً للاتجاه العام للاستراتيجية الأمريكية التي أعلنت عنها وشرعت بها إدارة باراك أوباما، وتابعتها إدارة ‏ترامب، والقائمة على إنهاء حروب الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج، والحدّ من ‏التورط العسكري المباشر في بؤر الصراع، وهذا التوجه تم تضمينه كذلك في وثيقة "الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأمريكي"، التي أعلنت عنها إدارة بايدن، والتي ‏تعهدت بإنهاء (الحروب الأبدية التي كلفت الآلاف من الأرواح وتريليونات الدولارات). وفي هذا الإطار، حددت إدارة بايدن تاريخ 11 أيلول (سبتمبر) 2021 موعداً للانسحاب النهائي للقوات الأمريكية ‏من أفغانستان؛ أي بعد عقدين من حادثة "هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001". ويأتي في السياق نفسه أيضاً القرار الأمريكي عام 2020 بتقليص عدد القواعد العسكرية بالعراق، وخفض تعداد القوّات الموجودة هناك.

تفعيل الدفاع الذاتي

من المنظور الأمريكي فإنّ دول مجلس التعاون الخليجي ليست عاجزة عسكرياً، بل هي تمتلك منظومات دفاع صاروخية متقدمة، بما في ذلك "باتريوت" ونظام "ثاد"، والتي يمكن لها بالتأكيد أن تتصدى لأيّ تهديدات صاروخية إيرانية.

وزير الدفاع الأمريكي السابق مارك إسبر في زيارة لموقع إحدى منظومات باتريوت في السعودية العام 2019

وقد صرّح الرئيس الأمريكي جو بايدن في آذار (مارس) 2021 بأنّ (شركاء الولايات المتحدة الأمريكية في الخليج قادرون على ‏تولي المهام العسكرية بأنفسهم بنجاح، وهم قادرون على حماية المنطقة، وليس بالضرورة وجود ‏قوات على الأرض).

يتوقع أن يكون تراجع مستوى الحضور العسكري الأمريكي مقترناً بتعزيز ترتيبات بديلة لتلبية الاحتياجات الأمنية في المنطقة، وخاصّة تعزيز قنوات التواصل الدبلوماسية بين دول المنطقة

ويبرز في هذا الإطار التوجّه الأمريكي نحو تشجيع قوى إقليمية للمشاركة في إرساء معادلة الأمن وتوازن القوى الإقليمي، وخاصّة مصر، التي تحظى بالقبول الخليجي. ففي 13 نيسان (أبريل) 2021 جاء الإعلان عن انضمام مصر للقوات البحرية المشتركة في منطقة الخليج، وهو تحالف متعدد الجنسيات للأمن ومكافحة الإرهاب وتأمين الممرات ‏والمضايق المائية من قناة السويس وحتى مضيق هرمز. ‏وقد رحَّب قائد الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية صمويل بابارو جونيور ‏بمساهمة مصر قائلاً: (إنها شريك مهم في ضمان الاستقرار بالمنطقة). ويبدو هذا التوجّه للجمع في التنسيق والتعاون العسكري والأمني ما بين مصر ودول الخليج بمثابة تفعيل غير معلن لمخطط  "الناتو العربي"، الذي أعلن عنه قبل أعوام.

ترتيبات بديلة... والعودة إلى الدبلوماسية

أظهرت تجربة أعوام إدارة الرئيس ترامب، وما شهدته من اعتماد سياسة "الضغط الأقصى"، أنّ الابتعاد عن القنوات الدبلوماسية وتجميد عمليات التفاوض والاعتماد حصراً على فرض العقوبات هو الذي عرّض تدفقات النفط للخطر؛ إذ أسهم تطبيق تلك السياسة في زيادة الهجمات على ناقلات النفط ومنشآت النفط السعودية، في حين فشل الوجود العسكري الأمريكي في ردع تلك الهجمات.

اقرأ أيضاً: ملامح المشهد الأفغاني بعد الانسحاب الأمريكي

وخلافاً لذلك، وفور العودة إلى مسار المفاوضات مع بداية عهد الرئيس بايدن، جرت محادثات بين السعوديين والإيرانيين في نيسان (أبريل) 2021، واستمرّت قنوات التواصل بهدف تخفيف حدّة التوترات بين البلدين. ويبدو أنّ أيّ انسحاب عسكري أمريكي يدفع باتجاه تعزيز هذا المسار؛ أيّ إن دول المنطقة سوف تتجه لصياغة ترتيبات بديلة لتلبية احتياجاتها الأمنية، ومن بينها تعزيز قنوات التواصل الدبلوماسية. في حين أنّ الخلافات بين إيران والمملكة العربية السعودية بلغت ذروتها مع زيادة الحضور العسكري المباشر للولايات المتحدة في المنطقة، مما عرّض أسواق النفط لمزيد من المخاطر، أمّا هذه "الترتيبات البديلة"، فسوف تسهم في تحقيق استقرار إقليمي بصورة أكبر ممّا شهدته أعوام زيادة التدخّل العسكري الأمريكي.

الناقلة البريطانية "ستينا إمبيرو"... احتجزتها إيران في تموز من العام 2019

وبالتالي، فإنّ محور التفكير والتوجه الدفاعي الأمريكي بات يتجه لرؤية التهديدات للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط باعتبار أنها قابلة للإدارة بأساليب لا تتطلب كثافة الحضور العسكري المباشر، وأنّ الوجود العسكري الأمريكي هناك يؤدي إلى نتائج عكسية إلى حد كبير، وأنّ التخفيض في القوات العسكرية الأمريكية سوف يعزز من فرص تحسين القنوات الدبلوماسية، ومن فرص الوصول إلى اتفاقيات تعاون وتفاهم بين القوى في الإقليم. وأنه من أجل حماية المصالح الأمريكية ينبغي على الولايات المتحدة الاستثمار بشكل أكبر في الاستخبارات، وأنظمة الإنذار المبكر، والسعي إلى تنسيق وثيق مع الدول الإقليمية، والانخراط في دبلوماسية قوية وفعّالة.

الصفحة الرئيسية