الحرب والتقشف وغلاء الأسعار... ثالوث يشل الحياة في غزة

الحرب والتقشف وغلاء الأسعار... ثالوث يشل الحياة في غزة

الحرب والتقشف وغلاء الأسعار... ثالوث يشل الحياة في غزة


24/03/2026

في شوارع غزة الضيقة، حيث تتداخل أصوات الباعة مع ضجيج المولدات الكهربائية، يعيش الناس تفاصيل يومية ثقيلة تحت وطأة ثلاثة عناوين كبرى، الحرب، والتقشف، وغلاء الأسعار، ثلاثية باتت تتحكم في إيقاع الحياة، وتفرض على السكان أنماطاً جديدة من العيش تقوم على التكيف القاسي والصبر الطويل.

ومع تراجع القدرة الشرائية، بات التقشف سمة أساسية في معظم البيوت في غزة، وكثير من الأسر خفضت استهلاكها من اللحوم والسلع الأساسية، وبعض الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية لتغطية احتياجاتها.

ووفق اليونيسيف فإنّ 470 ألف شخص في غزة يواجهون جوعاً كارثياً "المرحلة 5 وفق التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي"، ويؤكد البرنامج الدولي أنّ 71 ألف طفل في غزة يحتاجون وبشكل عاجل جداً إلى علاج لمواجهة سوء التغذية، وأنّ قرابة 17 ألف أم يواجهن المصير الكالح نفسه.

ووفق المنظمة، ليس هذا الجزء المشار إليه بالوضعية الكارثية إلا قمة جبل الموت في غزة، حيث يحيط الجوع والتجويع على الأصح بكل سكان غزة، ويواجهون عجزاً كارثياً عن الوصول إلى الغذاء.

ومع اندلاع الحرب والتدمير الواسع للبنية التحتية والمناطق التجارية، تراجع القطاع الخدمي بنحو 76%، في حين فقد الاقتصاد أكثر من 182 ألف وظيفة، وانخفض عدد العاملين فيه إلى نحو 60 ألف عامل فقط من أصل 147 ألفاً قبل الحرب، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ووزارة الاقتصاد الوطني في غزة.

وبحسب بيانات منظمة العمل الدولية وصل معدل البطالة بغزة في حزيران/يونيو الماضي إلى 80%، ممّا رفع المتوسط العام في الأراضي الفلسطينية إلى أكثر من 50% مقارنة بـ23 % فقط قبل اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023.

حياة مُعلقة ومُؤجلة

يقول الشاب تيسير العوضي (27 عاماً)، وهو خريج جامعي يعيش في حي تل الهوا في جنوب مدينة غزة: "الحياة هنا أصبحت معركة يومية من أجل البقاء".

ويضيف وهو ينظر إلى هاتفه الذي يستخدمه أحياناً للعمل عبر الإنترنت: "لم نعد نفكر في المستقبل البعيد، كل ما نفكر فيه هو كيف سنمرّ من هذا الأسبوع، وكيف سندبر احتياجات البيت الأساسية".

ويشرح العوضي ذلك قائلاً: "قبل سنوات كان بإمكان الأسرة أن تشتري حاجاتها الأساسية بسهولة نسبية، اليوم أصبحت قائمة المشتريات أقصر بكثير، وأحياناً نذهب إلى السوق بقائمة طويلة، ونعود بربعها فقط".

ويتابع: "حتى الخضروات التي كانت تُعتبر الأرخص أصبحت أسعارها ترتفع بشكل ملحوظ، ووالدتي باتت تخطط للوجبات بطريقة مختلفة، مثلاً قد نطبخ طبقاً يكفي ليومين بدلاً من يوم واحد".

التقشف أسلوب حياة

ويكمل العوضي: "التقشف هنا ليس خياراً اقتصادياً كما في الدول الأخرى، بل ضرورة، حتى أصبحت عائلتي تؤجل شراء الملابس لأشهر، وكذلك تأجل ترميم أشياء مدمرة في البيت، لأنّ الأولويات دائماً للطعام والشراب والدواء".

ويروي موقفاً يعكس حجم التغيير في نمط الحياة: "كنت أخرج مع أصدقائي إلى المقاهي بين الحين والآخر، الآن أصبحت هذه الرفاهية شبه معدومة، حتى التنقل داخل المدينة نحاول تقليله لتوفير أجرة المواصلات".

ويقول بصوت هادئ: "عندما يعود القصف الإسرائيلي تتوقف الحياة بالكامل، العمل يتوقف، والأسواق تغلق، والناس تبقى في بيوتها، لكنّ المشكلة أنّ آثار الحرب تبقى حتى بعد توقف القصف".

ويوضح العوضي: "الكثير من أصدقائي فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم، وبعضهم كان يملك متجراً صغيراً أو يعمل في ورشة، وبعد الحرب لم يتمكن من إعادة تشغيلها".

ويختصر واقع الحياة في غزة بجملة واحدة: "نحن لا نعيش حياة طبيعية، بل حياة مؤجلة".

حياة يومية تحت الضغط

وفي داخل مخيم الأمل للنازحين شمال قطاع غزة، تجلس ربا صلاح (39 عاماً)، أم لخمسة أطفال، أمام خيمتها المتواضعة، تراقب الشارع بصمت بينما يمر الأطفال بجانبها بملابس بسيطة ووجوه متعبة، وتقول وهي تتنهد: "الحياة هنا لم تعد كما كانت، الحرب أخذت منا الأمان، والتقشف أخذ ما تبقى من القدرة على العيش، وغلاء الأسعار جعل كل شيء بعيد المنال".

وتتابع: "كنت في السابق أستطيع شراء الخضار والفواكه بشكل منتظم، أمّا الآن فأحسب كل شيكل قبل أن أنفقه"، مضيفة وهي تشير إلى حقيبة تسوق صغيرة، "في بعض الأيام نكتفي بالعدس أو الأرز، لأنّ اللحوم أصبحت حلماً".

وتضيف: "الأسعار ترتفع بسرعة، بينما الدخل إمّا ثابت وإمّا غير موجود أصلاً، فزوجي كان يعمل في البناء، لكنّ العمل توقف تماماً، وتمرّ علينا أسابيع دون أيّ دخل".

وتؤكد: "نطبخ مرة واحدة في اليوم، ونحاول أن يكفي الطعام لبقية اليوم، حتى الشاي والقهوة أصبحنا نعدها بحساب".

وتوضح: "أبنائي يدرسون في مدرسة حكومية قريبة، لكنني أخشى أن أضطر في أيّ لحظة لإخراج أحدهم من المدرسة، فالمصاريف الصغيرة أصبحت عبئاً كبيراً، دفاتر، وأقلام، وملابس، وأحياناً أضطر للاختيار بين شراء الطعام أو شراء ما يحتاجه الأطفال للمدرسة".

وتضيف بنبرة امتزج فيها الحزن بالإصرار: "أحاول قدر الإمكان ألّا أحرمهم من التعليم، لأنّ هذا هو الأمل الوحيد".

صمود رغم كل شيء

في سوق الحي تبدو الحركة أقلّ من المعتاد، والناس يأتون للسؤال عن الأسعار أكثر ممّا يأتون للشراء، لكنّ صلاح ترى الأمر من زاوية أخرى، وتكمل: "حتى عندما نذهب إلى السوق، نعود بأقلّ ممّا كنا نشتريه في الماضي، "كيلو الطماطم أو البطاطا قد يبدو رخيصاً لمن لديه دخل ثابت، لكن بالنسبة إلينا كل زيادة تعني أنّ شيئاً آخر سنضطر للتخلي عنه".

وعند سؤالها عن أكثر ما يقلقها، فإنّ الإجابة غالباً لا تتعلق بالحاضر فقط، بل بالمستقبل أيضاً، وتوضح: "نعيش يوماً بيوم، لا نفكر كثيراً في الغد، لأننا لا نعرف ماذا سيحدث".

وتصمت لحظة قبل أن تضيف: "كل ما نريده حياة عادية، وأن نعمل، ونربي أبناءنا بسلام، وأن نستطيع شراء ما نحتاجه دون خوف".

ورغم الظروف القاسية تصر صلاح على التمسك بالحياة، وتقول بابتسامة خفيفة: "نحاول أن نخلق الفرح من أشياء صغيرة، ونجتمع حول وجبة بسيطة ونضحك، لكنّها تعود لتؤكد: "الصمود جميل في الكلام، لكنّ الناس هنا متعبة، ما نحتاجه حقاً هو أن تنتهي الحرب وينتهي الحصار".

بطالة مرتفعة واقتصاد هش

يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد جودة أنّ "الوضع الاقتصادي في قطاع غزة يمكن وصفه بأنّه من أكثر الأوضاع تعقيداً في المنطقة، فالحرب لا تترك آثارها فقط على البنية التحتية، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على الإنتاج والتجارة وفرص العمل، ومع استمرار القيود على الحركة والتبادل التجاري، يصبح الاقتصاد المحلي هشاً للغاية، ممّا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية".

ويضيف جودة: "يعاني السكان في غزة من تحديات متداخلة، أهمها البطالة المرتفعة، وضعف الدخل، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، في حين تعتمد أسر كثيرة على مصادر دخل محدودة وعلى المساعدات الإنسانية، وهو ما يضع العائلات أمام خيارات صعبة تتعلق بتقليل الاستهلاك والاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية".

ويتابع: "عندما ترتفع الأسعار ويبقى الدخل ثابتاً أو يتراجع، فإنّ القوة الشرائية تنخفض بشكل مباشر، وهذا يعني أنّ العائلات أصبحت تشتري كميات أقلّ من السلع، وتستغني عن بعض المنتجات التي كانت تُعتبر جزءاً أساسياً من استهلاكها اليومي".

ويكمل: "التقشف أصبح واقعاً يومياً لمعظم الأسر، وكثير من العائلات خفضت استهلاكها من الغذاء والملابس وحتى الخدمات الأساسية، وأصبح التخطيط للمصروفات أكثر دقة، بحيث يتم توزيع الدخل المحدود على الاحتياجات الضرورية فقط".

ويوضح: "سوق العمل في غزة يعاني منذ سنوات من ضعف شديد، لكنّ الظروف الحالية زادت الوضع صعوبة، والكثير من الأنشطة الاقتصادية تراجعت وتوقفت، ممّا أدى إلى فقدان فرص العمل، وتعدّ فئة الشباب الأكثر تأثراً بهذا الواقع، فهم يجدون صعوبة كبيرة في إيجاد وظائف ومصادر دخل مستقرة".

وبسؤاله عن السيناريوهات الاقتصادية المتوقعة إذا استمرت هذه الظروف، يؤكد جودة: "إذا استمرت الظروف الحالية دون تغييرات جوهرية، فمن المتوقع أن يستمر الضغط على الاقتصاد المحلي، وقد نشهد مزيداً من التراجع في النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية