التوقّف والتبيّن: جماعة لا همّ لها سوى تكفير الناس

مصر

التوقّف والتبيّن: جماعة لا همّ لها سوى تكفير الناس

مشاهدة

21/08/2019

تستفيض أدبيات الإخوان في شرح حالات التعذيب التي تعرّض لها من انتموا للجماعة في المعتقلات، عام 1965، وتصوّر كيف كان السجن جحيماً على الأرض في تلك الفترة، غير أنّ المسألة الأهم التي ربما لم ينتبه لها كثيرون، ليست حالات التعذيب بعينها، ولكن ما نتج عنها من أفكار سيطرت على عقول البعض داخل السجن، ثم تمدّدت حتى تأسّست عليها أقوى فرق التكفير في العصر الحديث، بداية بجماعة التكفير والهجرة، ثمّ السماويين، ثم جماعة "الناجين من النار"، ثم "الشوقيين"، نهاية بما نراه في تنظيم داعش.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
وكان من أبرز تلك الأفكار؛ مبدأ التوقف والتبيّن، والذي قسّم المجتمع إلى ثلاث فئات، هي: مسلم دون شبهة، وكافر دون شبهة، وثالث يتوقفون عن الحكم بكفره من عدمه حتى يتبين لهم هل هو مسلم أم لا!
شكري مصطفى

جماعة المسلمين
الصدفة وحدها هي التي ساقت عضو جماعة الإخوان السابق، شكري مصطفى، إلى جدران المعتقل، حيث يوضح الباحث في شؤون جماعات الإسلام السياسي، ماهر فرغلي، في تقرير منشور؛ أنّ مصطفى أحبّ فتاة ورغب بالزواج منها، وتقرّب إلى أخيها في البداية، بيد أنّ ذلك الأخ كان عضواً في جماعة الإخوان، فلما اعتقل قبضت الأجهزة الأمنية على أصدقائه المقربين؛ بتهمة محاولة إحياء تنظيم الإخوان من جديد، عام 1965، وكان من بينهم شكري مصطفى.

كان التعذيب فوق طاقته البشرية فنزع شكري مصطفى إلى أفكار التطرّف والغلوّ التي استهوته داخل السجن

كان التعذيب فوق طاقته البشرية، فنزع شكري مصطفى إلى أفكار التطرف والغلوّ التي استهوته داخل السجن، عن ذلك كتب محمد سرور زين العابدين، في كتابه "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"، الجزء الثاني، عن نشأة فكر "التوقف والتبين" قائلاً: "نشأت أفكار أهل التوقف داخل أسوار معتقلات ليمان طره في مصر، وكان الشيخ الأزهري علي عبده إسماعيل أول من نادى بهذه الأفكار، وشاء الله أن يتراجع الشيخ، ويتبرأ من هذه  البدعة، ومع ذلك فقد استمرت الفتنة عندما سارع الشاب شكري مصطفى إلى اتهام شيخه بالكفر، وتولى قيادة هذه الجماعة".
 كتاب "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"

التصوّر الإسلامي للجماعة
في كتابه "الفرق الإسلامية بين الفكر والتطرف"؛ كتب اللواء حسين صادق: "تبلورت لدى شكري مصطفى مجموعة من الأفكار الدينية تمثّل إضافات جديدة للفكر القطبي، كان أبرزها:
• التصوّر الإسلامي للجماعة؛ ويقوم على أنّ الإسلام قد عاد غريباً، وأنّ المجتمعات القائمة سوف تنهار، وسيبدأ الإسلام من جديد على يد الصفوة المؤمنة بحدّ السيف، انطلاقاً من جبال اليمن، واستناداً إلى بعض الأحاديث الدينية المكذوبة "أحاديث آخر الزمان".
• فكرة الهجرة؛ وهي نتيجة لضرورة الانفصال عن المجتمع القائم والانعزال عنه، وبدء التحرك الإيجابي لتحقيق نواة المجتمع الإسلامي المنشود، وذلك باللجوء للجبال والمغارات.
• مبدأ التوقف والتبين؛ الذي يقوم على رفض الاكتفاء بتوافر أركان الإسلام الخمسة ليكون المرْء مسلماً، والمطالبة بحتمية تجنّب المعاصي وإلا يعدّ الفرد كافراً.

اقرأ أيضاً: السلفّية التجريبية.. الصراع بين واقعية ابن تيمية ومثالّية سيد قطب
كان لشكري مصطفى في المعتقل صديق آخر، يعدّ المنظّر الأهم لفكر التوقف والتبين، وهو عبد المجيد الشاذلي، يقول عنه موقع "أنا السلفي" في ترجمته: إنّه أحد خواص سيد قطب، وينسب نشر فكر التوقف والتبين إلى عبد المجيد الشاذلي بشكل خاص؛ "يمكن اعتبار كلّ من الشاذلي ومحمد قطب منظرَين أساسيين لهذا الفكر، إلا أنّ عبد المجيد كان مقلّاً في كتاباته، ولم تُنسب له سوى عدة كتب، أبرزها كتاب "حدّ الإسلام وحقيقة الإيمان "، أما محمد قطب فله مؤلفات عديدة وضع فيها خلاصة أفكاره، كما ضمّن فيها أفكار عبد المجيد الشاذلي، ولكن بعبارات أدبية أقلّ عمقاً وأسهل تناولاً من الطرح الأصولي الذي قدمه عبد المجيد الشاذلي".

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
يضيف موقع "أنا السلفي": "عبد المجيد الشاذلي كان زميلاً لشكري مصطفى في الأسرة الإخوانية الخاصة، حين كان كلّ منهما عضواً في جماعة الإخوان، وقد تأثّر كلّ منهما بسيد قطب باعتباره أستاذهما الأول، وسيد كانت لديه فكرتان أساسيتان؛ الأولى تخصّ الحكّام، وهي ما عبّر عنها باسم "الحاكمية"، والثانية تخصّ المجتمع، وهي ما عبر عنها باسم "جاهلية المجتمع"، وقد ظلّ المسار الفكري لهاتين القضيتين واضحاً في أذهان تلامذة سيد قطب، إلّا أنّ الأفهام قد تنوّعت في عمق المضمون لكلّ قضية من هذه القضايا، ولأنّ كلام سيد كان كلاماً أدبياً مرسلاً وكانت تعوزه الأدلة الشرعية،  فانطلق كلّ واحد من هؤلاء باحثاً عن أدلة شرعية يستشهد بها للقضايا التي تشربها واعتنقها، كي يدعم بها كلامه، لا أن يختبر بها فهمه، هل وافق الشرع أم لا".
 عبد المجيد الشاذلي

أهم صفاتهم وأشهر أقوالهم
محمّد سرور زين العابدين، في كتابه "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"، الجزء الثاني، رصد أهم صفات فكر التوقف والتبين، الذي روّج له تلامذة قطب؛ شكري مصطفى والشيخ الشاذلي، ومحمد قطب؛ "يرى أهل التوقف أنّ الناس ساكتون على الحكم بغير ما أنزل الله، ولهذا فهم شركاء للحكّام في كفرهم، .... والأصل عندهم أنّ المجتمع بعمومه رايته راية كفر ما دام يحكم بغير ما أنزل الله".

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
من صفاتهم أيضاً، كتب زين العابدين: "السرية؛ يسرف غلاة أهل التوقف في هذا الجانب، إذا كنت لا تعرفهم يتعذّر عليك تمييزهم عن غيرهم من عامة الناس، فهم لا يرتادون المساجد، ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ويحلقون لحاهم، ويحرصون ألّا يعلم الناس عنهم أنهم دعاة إلى الله، أما جلساتهم التنظيمية فمحدودة العدد، وتتألف المجموعة من ثلاثة أفراد أو اثنين، والعضو يمر بمراحل شاقة حتى يحظى بهذا اللقاء، وقد يستمر نشاطهم ومتابعتهم له أكثر من عامَين، ويتعرض خلال هذه المدة لاختبارات كثيرة".
يشير زين العابدين، في كتابه، إلى أنّه "من صفاتهم أيضاً الجهل والغرور؛ "دخل أصحاب هذه البدعة السجن ومعظمهم في سنّ العشرينيات، وكان قليلون منهم في سنّ الثلاثينيات، ولم يكن بينهم علماء أو طلاب علم شرعيّ، على الأقل، وكان أكثرهم يدرسون في كليات تقنية لا تدرس فيها العلوم الشرعية".
كلام سيد قطب كان كلاماً أدبياً مرسلاً وكانت تعوزه الأدلة الشرعية

جماعة التوقّف والتبين
لم يقتصر مبدأ التوقف والتبين على أنه مجرد نظرية مجردة؛ فقد بدأ أتباع ذلك الفقه في العمل المسلح من أجل الوصول إلى حلم الدولة المسلمة، فأسّس شكري مصطفى "جماعة المسلمين"، المشهورة إعلامياً باسم جماعة "التكفير والهجرة"، وبعده بعدة أعوام؛ كان هناك طبيب شاب قد انشقّ حديثاً عن فكر الجهاد، وبدأ في البحث عن غايته في أفكار أخرى، حتى استهوته نظرية التوقف والتبين، فقرّر تأسيس تنظيم بالاسم نفسه، عن ذلك كتب عبد المنعم منيب، في كتابه "دليل الحركات الإسلامية": "في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين؛ تخلّى الطبيب الشاب، مجدي الصفتي، عن انتمائه إلى فكر تنظيم الجهاد، وتبنى فكر التوقف والتبين، وسرعان ما كوّن جماعة خاصة به مزج فيها بين فكر الجهاد في العمل المسلح، وعقيدة جماعات التوقف والتبين المنتشرة، وقرّر أنّ الطريق الأقصر إلى نشر فكر التوقف والتبين بين الحركات الإسلامية هو إثبات أنّ معتنقي هذا الفكر هم أهل جهاد وعمل، وليسوا أهل كلام فقط، كما كان يرميهم خصومهم، خاصة من تنظيم الجهاد المصري، الذي كان يصف جماعات التوقف بأنّها "لا همّ لها سوى تكفير الناس، دون القيام بأيّ عمل إسلامي فعليّ".

الصفحة الرئيسية