التلفزيون أفيون الشعوب: من يتحكّم؟ من يستلب؟ من يتسيّد؟

التلفزيون أفيون الشعوب: من يتحكّم؟ من يستلب؟ من يتسيّد؟

مشاهدة

16/07/2018

"التلفزيون أفيون الشعوب"، جملة استوقفتني في معرض قراءتي لكتاب "الممانعة" للكاتب الأرجنتيني أرنستو ساباتو، هذه الاستعارة المحوَّرة عن "ماركس"، تستند، إلى حدّ كبير، إلى موضوعية العالِم قبل ذاتية الكاتب. فساباتو قبل أن يصبح كاتباً، كان مختصاً بالفيزياء، وكي لا نكتفي بالدهشة الفارغة أو السخرية من هذه الاستعارة، عمل الكاتب على رصد الآثار الإدمانية للتلفزيون والتي تتقاطع إلى حد كبير مع الآثار الإدمانية للأفيون.

هذا العقار التكنولوجي يمتلك خاصيّة مذهلة في تسطيح الوعي فمجمل الصورة التي ينتجها ستشكل حقائق الإنسان الأخيرة

لا ينفك الفرد أمام التلفزيون، كما يرى ساباتو، أن يدخل في سبات عميق، مشبع بالبلادة والخمول، وحتى حين لا يجد ما هو مهم في الشاشة، فإنه يبقى مع ذلك، خاملاً في مكانه، وغير قادر على النهوض البتة للقيام بشيء أجدى له وأنفع. إنه لورطة شاغلة وإجهاد مشبَع بالعياء والكلل، سرعان ما نعتاد عليه؛ لأننا لا نجد عنه بديلاً نستطيع الانهماك فيه، تعاطي التلفزيون بهذا الشكل يؤدي إلى تخدير للحساسية، وتجريد من الرغبة، وإفتار لهمة العقل، وضمور الحواس، والحط من قدر الروح الإنسانية.

اقرأ أيضاً: التكنولوجيا والثقافة: من يخلق الآخر؟

ما أقرّه سباتو هنا، توصيف سيكولوجي مُحكم لمدمني التلفزيون؛ إذ إنّ هذا العقار التكنولوجي، يمتلك خاصيّة مذهلة في تسطيح الوعي، فمجمل الصورة التي ينتجها ستشكل حقائق الإنسان الأخيرة، ولا شك أنّ صناعة الحقيقة الرائجة اليوم تعود أهميتها إلى الربح الكبير الذي تدرّه؛ فالكثير من علماء الاجتماع قد أطلقوا بالفعل على عصرنا عصر المعلومات، المعلومة السلعة التي أنتجت فائضاً في رأس مالٍ جديد يقوم على الوهم، وهذا الوهم هو الملاذ الآمن لإنسان فقد فاعليته وطبيعته التواصلية، ولا يمكن لهذه التجارة أن تنجح من دون قولبة حواس وحساسيّة الفرد، من خلال تلويثه سمعياً وبصرياً. لسنا هنا بمعرض وصف هذه العلاقة السلبية التي تقوم على أحادية التلقي أو التلقي السلبي، إنما المراد هو قراءة نتائج هذه العلاقة على المستوى الفردي والاجتماعي.

القنوات المخصّصة للأطفال بات أغلبها يفتقر أكثر فأكثر للجانب التربوي والتثقيفي لصالح المتعة المبتذلة

بما أنّ الفرد إلى حدٍّ كبير هو امتدادٌ لما ينشأ عليه في مراحل طفولته، سأكتفي بالقنوات المخصّصة للأطفال، والتي بات أغلبها يفتقر أكثر فأكثر للجانب التربوي والتثقيفي، لصالح المتعة المبتذلة، والإيقاع السريع، والحوار الفظ، والصراخ، والاستهزاء، والتهكم، والاحتيال، والغضب، والقسوة، والاعتداء، والعنف.

وأعتقد أنّ تردي الجانب الأخلاقي لهذه القنوات لا ينفصل عن آليات التردي العام، المؤسَّس على فكرة الربح؛ إذ إنّ قيم هذه القنوات باتت لا تنفصل عن قيم السوق، ولضمان مردود عالٍ، لاشك أنّ تسطيح الوعي هو الطريقة الأنجع. من هنا يمكننا إضافة عامل جديد إلى مجموعة العوامل التي أدت إلى تفشي السمنة بين أطفالنا. نحن نغذي أطفالنا بالتفاهة طوال الوقت؛ فالبرامج الحديثة التي تفتقر للقيم التربوية، تشكل بدورها قيماً مضادة لدى الطفل، وتذكي أنماطاً ثقافية تحاكي آلية عمل السوق، القائمة على التفوق والتنافس والتناحر، مما يغذّي الجانب الأناني بأقصى صوره، الجانب الذي يشكل نواة الإلغاء، ويمارس على الآخر بكل آليات العنف المتاحة، أفعال الإقصاء والإزاحة المتعمّدة، والتي ستُفضي إلى غياب التعاون والتشارك، وبالتالي تعزيز الأنماط القهرية.

اقرأ أيضاً: صدمة.. "الصحة العالمية" تعلن تصنيف إدمان ألعاب الفيديو!

يضاف إلى هذه القنوات ذات الطابع الترفيهي، القنوات الدينية المخصصة للأطفال "سنية، شيعية، مسيحية، بهائية، حوثية، داعشية.."، التي تلعب دوراً ينطوي مع الأسف على خطاب إيديولوجي موجّه، مشبع بالطائفية، ملوّثاً بالمصالح السياسية، فمبادئ مثل؛ المحبة والتعاون والتسامح والاحترام، تتحول إلى ثقافة حصرية بين أفراد الدين الواحد، والتي بدورها ستفرز ثقافة مضادّة، هي ثقافة الرفض والاتهام والإلغاء لكل من هو مختلف مذهبياً أو دينياً، لتمسي التربية التي نشحن بها أذهان أطفالنا بتعبير ساباتو تربية مُوَلِّدة لشر، نقدّمه على هيئة خير.

طالما المصالح تحكم الجميع سيبقى الأطفال لعبة يتقاذفها الكبار سياسياً ودينياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً وفقاً لمآربهم

لم تعد أغلب قنوات الأطفال مجرد قنوات تقدّم برامج للتسلية البناءة أو للتثقيف - وإن كانت برامجها تتضمن ذلك - إنما هي كما يؤكد  "بيير بورديو" في كتابه "التلفاز وآليات التلاعب بالعقول" قد أصبحت أداة للضبط والتحكم السياسي والاجتماعي في المجتمعات الراهنة، أو وفقاً للمصطلح الذي يستخدمه عبارة عن أداة "للعنف الرمزي"، إنها السلطة الناعمة التي تمارسها الطبقات الاجتماعية المهيمنة على هذه الأداة والمسيّرة لها. بالمقابل أطفالنا يتخذون هذه الشاشة التي تزداد بريقاً مع تقدم التقنية، كنافذة يقضون أمامها ساعات طويلة، بدون أي ضوابط، يطلّون منها على العالم، العالم الذي لن يمنحهم من خلالها سوى شحوبه، وكلما أوغلوا في الصورة لن يكون بمقدورهم أن يعيدوا الحياة إلى الحياة، سيكبرون ويبقون عالقين في هذه المراوحة الزائفة المجانية، بين سيل من الصور السريعة المتلاحقة، كما لو أنّهم في حقل أسفوديل "مكان ضبابي ممل تهيم فيه الأرواح دون هدى"، حيث الجميع يحصد اللاجدوى.

اقرأ أيضاً: احذر.. هكذا تؤثر "السوشيال ميديا" في دماغك

طالما المصالح تحكم الجميع، سيبقى الأطفال لعبة يتقاذفها الكبار؛ سياسياً ودينياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً وفقاً لمآربهم. ربما في هذا ما يدعونا بشكل جدّي إلى أن نعيد النظر في شكل علاقتنا مع التلفزيون. التلفزيون الذي كان من الممكن أن يلعب دوراً تثقيفياً مهماً لو كان يستهدف الإنسان لا المصالح الضيقة، ولا شك أنّ شكل علاقتنا مع التلفزيون ينسحب على أطفالنا. فمن الضرورة الآن أن نطلق تساؤلاتنا حتى نتجاوز هذه العلاقة: من يتحكم بمن؟ من يستلب من؟ ومن يتسيّد على من؟ علّنا نأخذ إجازة من إملاءاته واختراقه لكل لحظاتنا، أو يصبح الاقتراب منه لمسح الغبار عنه أكثر من تشغيله، أو كما فعلت شخصياً، منذ عشر سنوات تم ترحيل التلفزيون من منزلنا، وإلى الآن لم نشعر بالحنين إليه.

الصفحة الرئيسية