التعليم عن بعد.. هل يمهّد لانتهاء دور المعلم؟

التعليم عن بعد.. هل يمهّد لانتهاء دور المعلم؟

مشاهدة

28/10/2020

يعاني الكثير من المجتمعات العربية من تكلس العملية التعليمية وعدم تطورها، ورغم تفاوت المخرجات التعليمية قلّما نجد مجتمعاً عربياً متفقاً أنّ المدرسة تقوم بمهمتها كما ينبغي، بل كثيراً ما نطالع شكاوى أولياء الأمور من تصرفات المعلمين أو المعلمات التي لا تتوافق مع رؤيتهم لتربية أبنائهم في المنزل.

ومع جائحة كورونا المستجد واتباع العالم لأسلوب التعلم عن بُعد، استبشر بعض المهتمين خيراً بالقضاء على الأسلوب التعليمي العتيق والمعيق للتطور، بما فيه من تلقين وتقييم غير موضوعي للطالب الناجح، والتسابق على الحصول على الدرجات بدلاً من التحصيل المعرفي والثقافي، فهل نجح التعليم عن بعد فيما فشل فيه التعليم التقليدي، من تحصيل معرفي راقٍ ومن ثورة ثقافية، أو تغيير في مفاهيم سلبية في المجتمع؟ هل أصبح التعليم عن بعد هو خطوتنا الأولى نحو مستقبل متطور مشرق أم العكس، وأنه سيجلب علينا أضراراً أكبر ممّا نتوقع؟

مجتمعاتنا أهدرت فرصاً متكررة أُتيحت لها لتطوير العملية التعليمية

لا أشك لحظة في أنّ ثمة عطباً كبيراً في العملية التعليمية والتربوية يعيق المدرسة عن القيام بمهمتها التعليمية والتربوية، وأنّ مجتمعاتنا أهدرت فرصاً متكررة أُتيحت لها لتطوير العملية التعليمية وتحسين المنتج النهائي (الطالب). ومنظومة العملية التعليمية المشكو منها ترتكز على 5 أركان: (معلم وطالب ومنهج ومكان "مدرسة" وتقييم)، ويحتلّ المعلم القيمة الكبرى في هذه المنظومة، فهو المنوط به تقديم الشق المعرفي، وهو المطالب بأن يقوم بتربية طلابه كأنهم أبناؤه، بل إنّ نجاح العملية لا يتم إلا بمساعدة المعلم، فالمعلم بما يتصف به من كفاءات وما يتمتع به من رغبة وميل للتعليم هو الذي يساعد الطالب على التعلم ويهيئه لاكتساب الخبرات التربوية المناسبة، وهو العنصر الرئيسي في منظومة العملية التعليمية الذي يجعل عملية التعلم والتعليم ناجحة، وما يزال هو الشخص الوحيد المؤهل الذي يساعد الطالب على التعلم والنجاح في دراسته.

اقرأ أيضاً: تجربة التعليم عن بعد.. هل يمكن أن نبني لَبِنةً في الهواء؟

 ومن هذه النظرة المجتمعية للمعلم أصبح هو المسؤول الأول عن المعرفة والتربية، ويعمل على تحقيق أهداف المجتمع وتطلعاته في أبنائه، وأيّ فشل في العملية التعليمية أو الأخلاقية في المجتمع، أصبح هو المسؤول الأول والأخير فيها، وتلقى عليه اللائمة، ولذلك فهو مطالب بأن يكون نموذجاً لتلاميذه في اتجاهاته وسلوكياته، وأن يكون واعياً بدرجة كافية بأهمية هذا الأمر بالنسبة إليـه شخصياً وبالنسبة إلى تلاميذه، بحيث يشعرون بأنه يتصرّف بشكل تلقائي دون تمثيل أو افتعال، وهنا يصبح المعلم قادراً على التأثير في تلاميذه، بمعنى أنهم يصبحون أكثر قابلية واستعداداً لتعلم هذه السلوكيات واكتساب الكثير من الاتجاهات المرغوب فيها.

السعادة التي استقبل بها الطلاب توقف العملية التعليمية تحتاج إلى إعادة النظر

كل هذا كان قبل آذار (مارس) 2020، عندما أصيب العالم بجائحة كورونا، وأجبرت الأسر على البقاء في المنازل هم وأبناؤهم، واستكمال العملية التعليمية من المنزل. وتفاوتت الإجراءات الاحترازية والتجاوب معها، لكنّ السعادة التي استقبل بها الطلاب توقف العملية التعليمية تحتاج إلى إعادة النظر في جدوى العملية التعليمية، ومدى قيام تلك المؤسسات بأفرادها بتحقيق أهداف المجتمع، وكيف سيكون مستقبل التعليم بعد الجائحة؟ فهل التعليم عن بعد وسيلة استثنائية لظروف استثنائية، أم هو وسيلة التعليم في المستقبل؟

 

اقرأ أيضاً: هل تفرض اليونسكو ولايتها على مؤسسات التعليم الفلسطينية؟

ومع طرح فكرة التعليم عن بعد، سواء بقنوات تعليمية أو عبر تطبيقات المحادثات المختلفة، أو حتى بالمنصات التعليمية المعتمدة، طرح السؤال نفسه على الجميع: هل التعليم عن بعد كافٍ للتعليم وللتربية، أم أنه فرصة أُتيحت للطلاب للتهرّب من التعلم ومن التربية معاً؟

لست هنا لرصد المشكلات المادية التي تعيق تطبيق العملية التعليمية عن بعد، مثل ضعف الشبكات، وانقطاع الإنترنت، وتكلفته العالية لبعض الأسر الفقيرة، وثقافة الأسر، وطبيعة عمل الأمهات والآباء، وأنّه ليس الجميع مؤهلين لمواكبة تعلم أولادهم عن بُعد، كما أنّ أولياء الأمور الذين يعملون من المنزل لا يستطيعون أن يتركوا عملهم ليتابعوا مع أولادهم دراستهم عبر المنصات الإلكترونية، فضلاً عن الأهل الذين يعملون في أماكن عملهم خارج المنزل، ولا يمكنهم أن يتابعوا أولادهم... إلخ، ومع تقديرنا لأهمية هذه العقبات في المنظومة، لأنها ركن يساعد على تقييم التجربة، إلا أننا سنفترض أنّ التقنية في أحسن حالاتها، وأنّ عملية التعلم عن بعد ليس فيها أيّ مشاكل مادية، وأنّ أولياء الأمور في أعلى درجات التفهم والمشاركة الفعالة في العملية التعليمية عن بعد، فهل التجربة قابلة للتطور، أم أنها تقتل التعليم في سويداء القلب، لو تمّ اعتمادها أسلوباً تعليمياً بعد انتهاء الجائحة؟

 

اقرأ أيضاً: تحذيرات: كورونا تعصف بقطاع التعليم.. ما المخاطر المستقبلية؟

هل انتهى دور المعلم التقليدي الذي كان يستخدمه الآباء للتهديد به أو للشكوى إليه من سوء سلوك الأبناء في البيت؟ هل انتهى دور المعلم كآخر سفن نجاة للمراهقين بنصائحهم المخلصة عمّا يجب أن يكون وما لا يجب أن يقوم به المراهق دون تقريع كبير، بدلاً من الآباء المتوترين والخائفين على أبنائهم؟ هل انتهى أثر المعلم في تكوين المفاهيم المطلقة، مثل "الوطن والوطنية، الانتماء، الحق، الخير، التعاون، الأمانة، كيفية تحقق الذات، الحلم بمستقبل أفضل... إلخ"؟ وهي المهمة التي كان يقوم بها المعلم، وخاصة في مراحل التعليم المبكرة التي ساعدت كثيراً على تطوير الجوانب الشخصية للتلاميذ، ممّا كان لها أثر بالغ في حياتهم المستقبلية الواقعية.

 

اقرأ أيضاً: "للمرة الأولى في تاريخ البشرية".. جيل كامل من الأطفال ينقطع عن التعليم

اليوم، وفي ظل اعتماد أسلوب التعليم عن بعد، انتهت المواجهة بين المعلم وطلابه، وأصبح التفاعل بينهم  في حدود ما يمكن أن تنقله الكاميرا، وستختفي مهارات وتوجيهات صامتة كان يقوم بها المعلمون بنظراتهم المشجعة أو المحفزة أو المتجهمة أو المعاتبة أو حتى المخيفة لطلابهم، والتي كان يستقبلها الطلاب كأنها رسالة مستقلة، أو نظرات الحيرة وعدم الفهم أو القلق لدى الطلاب، والتي كان يتلقاها المعلمون كمفتاح لمشاكل ربما يواجهها الطالب بعيداً عن التعليم ذاته.

 

اقرأ أيضاً: الإمارات الأولى عربياً والـ 20 عالمياً ضمن أفضل الأنظمة التعليمية

الملاحظة المباشرة أو غير المباشرة كانت أهم نتائج المواجهة بين المعلم والطالب، كما انتهت أيضاً التفاعلية بين الطالب وأقرانه، بما فيها من إيجابيات مباشرة وإيجابيات غير مباشرة، كما سيحرم الطالب في ظل اعتماد التعلم عن بعد من ممارسة الأنشطة المتنوعة التي تفجّر مواهب وإمكانيات الطالب، حتى في ظل تدهور العملية التعليمية ورتابتها وأدائها الروتيني كان وما يزال إلقاء الشعر والخطابة وبرامج الإذاعة المدرسية فرصة مناسبة لممارسة الطلاب لهوياتهم أو اكتشافها على أقل تقدير.

قتل التعليم عن بعد دور المعلم الموجّه والمتابع والملاحظ، واكتفى بالمعلم ناقل المعلومات، فضلاً عن أنّ التقنية التي يعتمد عليها أسلوب التعلم عن بعد لا تسمح بإثارة الأسئلة المتبادلة بين المعلم وأبنائه من الطلاب، وبهذا ستنتهي علاقة البنوّة بين المعلم والطلاب. 

إنّ التعليم التقليدي الذي نعاني منه كان يعتمد على التلقين، ويضع قواعد عقيمة للتقييم تقيس قدرة الطالب على التذكر واسترجاع المعلومة، ولم تهتم بالعمليات العقلية الأخرى، فهل الانتقال بالتعليم من المدرسة إلى الفضاء الإلكتروني سيكون سبباً في إحلال التفكير المنطقي والعمليات العقلية العليا مثل (المعرفة والفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والتقييم)؟

بالتعليم عن بعد ستختفي مهارات وتوجيهات صامتة كان يُقوِّم بها المعلمون بنظراتهم

هل سيتمكن التعليم عن بعد من توفير الأجواء التربوية لغرس قيم المجتمع، أم أننا في لحظة تقلص دور المعلم في نقل المعرفة، وسيتكفل مجتمع عالم ما بعد الحداثة في فرض ثقافته وقيمه على الناشئة، وهي قيم عالمية لا تهتم بالوطن ولا بالمواطنة ولا بالحرّية ولا بالتضحية ولا بالأرض ولا بالأهل؟ هل التعليم عن بعد سيكون باباً لولوج قيم السوق والشركات عابرة للقارات ومتعددة الجنسيات؟ قد تكون هذه الأسئلة مجرّد تشبث بالماضي ومخاوف من المستقبل، وقد تكون حقيقية، لهذا فإنّ الأمر يحتاج إلى أكثر من مجرّد مقال، بل يحتاج إلى حوار مجتمعي واسع، وتكوين ثقافة وعقل جمعي مناسب لما بعد الجائحة.

الصفحة الرئيسية