"الترامبية" وشقاء السياسة الأمريكية: رقصة الرئيس الأخيرة

"الترامبية" وشقاء السياسة الأمريكية: رقصة الرئيس الأخيرة

مشاهدة

19/01/2021

"أنا صوتك.. وأنا وحدي القادر على إصلاحه"؛ لا تبدو الجملة الأخيرة التي دأب الرئيس الأمريكيّ، المنتهية ولايته، دونالد ترامب، على استعمالها في دعايته الانتخابية، أنّها سوف تفقد تأثيراتها، أو ينمحي أثرها بين مؤيديه، وقد حصد أصوات سبعين مليوناً، بينما ظفر منافسه، جو بايدن، بنحو أربعة وسبعين مليون آخرين، في سابقة تعدّ الأولى بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث يتقارب المرشحان إلى هذا الحدّ.

الترامبية السياسية ستستمر وسيكون ترامب أحد الركائز القوية فيها، كما أنّ الحزب الجمهوري هو ترامب الآن، وسيكون له تأثير في الانتخابات القادمة

وفي ظلّ حالة الاستقطاب القصوى التي شهدتها الانتخابات الأمريكية الأخيرة، برزت سوابق أخرى، خالفت الأعراف السياسية والديمقراطية للولايات المتحدة، لا سيما اقتحام مبنى الكابيتول، تحت وطأة إصرار ترامب على التشكيك في نزاهة وصحّة جمع الأصوات الانتخابية، ومواصلة تعبئة أنصاره، ورفض تهنئة بايدن.

الترامبيّة من ظاهرة رئاسيّة إلى تيار سياسيّ

وبخلاف سمات الرئيس الأمريكيّ المنتهية ولايته، السياسية والشخصية، التي تتناسب في بعضها وميراثه قبل انخراطه في السياسة، عام 2016، حيث نشط في الإعلام الترفيهي بالولايات المتحدة، ضمن أنشطة أخرى له كرجل أعمال، فإنّه تمكّن من تشكيل اصطفافات مهيَّأة، بالأساس، لاستقبال خطابه الشعبوي، الذي عمد إلى صياغة مقولاته بالدرجة التي تمسّ إحباطات وواقع الشرائح المستهدفة، وتحديداً المجموعات التي خضعت لتأثيرات السياسات النيوليبرالية، المعتمدة منذ دونالد ريغان.

الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ريغان

صعود ترامب عكس مساراً ليس جديداً تماماً في السياسة الأمريكية، لكنّه رافق جملة تحولات نجمت عن العولمة والنيوليبرالية، التي تسبّبت في تقليص المزايا الاجتماعية، وانتقال الرأسمالية الأمريكية من التصنيع إلى الرأسمالية المالية، ثم الاعتماد على الوسائل التكنولوجية الكبرى، ونبذ مراكز الإنتاج الصناعي من الولايات المتحدة، للبحث عن تمركزات أخرى في مناطق تضمن عوائد استثمارية ضخمة ومتسارعة، الأمر الذي كان كلفته تنامي البطالة، وضعف شرائح وقطاعات من الطبقة العاملة.

اقرأ أيضاً: هذا آخر قرار لترامب قبل الرحيل عن البيت الأبيض

وعليه، ألحّ رجل الأعمال الأمريكي على توظيف هذه التناقضات، واستهداف الكتل التي تعاني التهميش بخطاب شعبوي وقومي راديكالي، بواسطة تبني لغة محافظة ومتشددة في السياسة والدين، وقد تراوحت بين العداء للأجانب، والتهكّم على المهاجرين (الملونين)، وحتى البيض الأقلّ تعليماً بأمريكا.

السياسات النيوليبرالية وصعود الشعبوية بأمريكا

وإثر هذا الواقع المتخم بالتعقيدات الاجتماعية، والذي يعد ترامب أحد اشتقاقاته السياسية؛ فإنّ الأخير أعلن مغادرته، فجر الأربعاء، واشنطن، إلى منتجعه في فلوريدا، عبر طائرة رئاسية، ليقاطع حفل تنصيب الرئيس المنتخب، بالتالي، يسجّل من جديد سابقة في تقاليد انتقال السلطة بالولايات المتحدة، وبالدرجة نفسها، يكرّس مشهدية أخرى عن احتمالات عودته، أو بالأحرى بقائه، في هامش غير معلن، كأنّما تبدو نهايته مفتوحة، وتأويلاته السياسية مستمرة، فيما باتت تُعرف بـ "الترامبية السياسية".

وقد تحوّلت العاصمة الأمريكية، واشنطن، إلى منطقة ملغومة بالتوترات، تطوقها عناصر الشرطة بالآلاف، بينما تنغلق ساحة "ناشونال مول" أمام أنصار الرئيس الديمقراطي السادس والأربعين لأمريكا.

اقرأ أيضاً: هل تعود الفوضى إلى واشنطن خلال تنصيب بايدن؟.. أنصار ترامب يخططون

وفي حديثه لـ "حفريات"، يشير الكاتب الصحفي المصري، المقيم في واشنطن، محمد المنشاوي، إلى أنّ ترامب الذي نجح في حصد نحو 70 مليون صوت، استطاع تعبئة قواعده الانتخابية، التي على ما يبدو لم يتأثر ولاؤها بعد، بالرغم من التداعيات الصحية الصعبة لفيروس كورونا، والذي نجم عنه إصابة نحو 7.7 مليون أمريكي، ووفاة قرابة مئتي ألف آخرين، وقد حمّل العديد من المراقبين والسياسيين في أمريكا حجم الإصابات والوفيات إلى سوء إدارة ترامب، الصحية والسياسية، للفيروس التاجي.

الكاتب الصحفي المصري المقيم بالولايات المتحدة محمد المنشاوي

ويرى المنشاوي؛ أنّ ترامب يعدّ حالة لافتة في الولايات المتحدة، فقد جاء من "خارج المؤسسات السياسية الأمريكية ليطيح بكل القواعد التقليدية والثابتة، بيد أنّه أضحى الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، وقد تبنى مبدأ "أمريكا أولاً"".

اقرأ أيضاً: منصات التواصل تحظر منشورات ترامب.. ما علاقة اقتحام الكونغرس؟

وفي حفل تنصيب ترامب، قبل نحو أربعة أعوام، قال:"لاحتفال اليوم معنى خاص جداً، لأنّنا اليوم لا نقوم بمجرد نقل للسلطة من إدارة إلى أخرى، أو من طرف إلى آخر، لكنّنا ننقل السلطة من واشنطن، ونعطيها إليكم مرّة أخرى، نعطيها للشعب"؛ لذا يرى الكاتب الصحفي المصري، المقيم بالولايات المتحدة، أنّ "خطاب ترامب الرسمي الأول يعد تأسيساً لسياسة شعبوية أمريكية، تنادي بـ "أمريكا أولاً"، وتعتمد في سبيل ذلك على الضغط باتجاه سلبيات ظاهرة العولمة، التى وجهتها وقادتها الولايات المتحدة، سواء تحت حكم الجمهوريين أو الديمقراطيين، خلال العقود الأخيرة".

الزمن الترامبي

وبحسب المصدر ذاته؛ فإنّ "ترامب غازل العمال الغاضبين، على خلفية الآثار التدميرية للعولمة، وكذا نقل الكثير من المصانع لخارج الولايات المتحدة، بهدف الحصول على أرباح أعلى، وتوفير حجم نفقات العمالة المرتفعة داخل أمريكا؛ لذا كان من بين وعوده إلغاء اتفاقيات التجارة الحرة، وتشغيل المصانع المتوقفة وإعادتها لأمريكا، كما أنّ ترامب انتبه إلى أهمية تحفيز الانتماء الدينيّ والعرقيّ والقوميّ والإثنيّ للأمريكيين، أكثر من طرح أيّ أطر أيديولوجية".

مدير التحالف الشرق أوسطي الأمريكي توم حرب لـ "حفريات": "اقتحام الكونغرس غير لائق، لكنّ الحزب الديمقراطيّ واليسار بأمريكا حاولا توريط ترامب

ولئن يرى الفيلسوف الفرنسي، آلان باديو، أنّ "الحالة الترامبية"، أو "الزمن الترامبي"، على حدّ توصيفه، تبرز "شعبية كاذبة"، كما تعكس سياسة "اللابدائل"، فإنّ "جوهر الحالة الترامبية يتناقض مع الديمقراطية المواطنية التاريخية، ويمثل صورة للأحادية الرافضة للتعددية الثنائية التاريخية في السياسة الأمريكية، والتي تقوم على المنافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين، والتي كانت تعبّر عن الصراع، بدرجة أو أخرى، الصراع النسبي بين يمين ويسار على النمط الأمريكي، ومن ثمّ؛ فإنّ رؤية ترامب وسياساته تصبّ في اتجاه فاشيّ وقوميّ وعنصريّ، وباتت هذه الصيغة وحدها على الساحة، والأهمّ هو التشكيك في مدى جدوى الديمقراطية والمواطنة".

لكن، من ناحية أخرى، يختلف مدير التحالف الأمريكي الشرق أوسطي للديمقراطية، توم حرب، مع هذه التأويلات السياسية والتفسيرات الأيديولوجية، بخصوص ما يصفه بـ "التيار الترامبي"، بينما يعدّ هو أحد مؤيديه ومناصريه داخل الولايات المتحدة.

اليمين يحشد أنصاره

ويقول حرب لـ "حفريات": "اقتحام الكونغرس غير لائق في أعين الأمريكيين والمجتمع الدوليّ، لكنّ الحزب الديمقراطيّ واليسار بأمريكا حاولا توريط ترامب في أحداثه، واعتباره المسؤول عمّا جرى، والأخير بريء إلى حدّ ما في ذلك، إذ إنّه دعا فقط للتظاهر بطريقة سلميّة ووطنيّة، بحسب ما يقرّ الدستور الأمريكيّ، وأعتقد أنّ هناك مندسّين هم الذين بدؤوا في أعمال العنف والتخريب، كما ثمّة سؤال يتصل بفتح شرطة الكابيوتال الأبواب للمحتجين، لا سيما أنّ مكتب الـ "إف بي آي" ووزارة الدفاع الأمريكية اتصلا، قبل يوم، بقائد شرطة الكابيوتال وعمدة المدينة، وحذّراهما من احتمالات حدوث عنف، وعرضا إرسال تعزيزات، لكنهما رفضا".

مدير التحالف الشرق أوسطي الأمريكي توم حرب

وفيما يخصّ محاولات عزل ترامب، شدّد حرب على أنّ "الكونغرس إذا حاول عزله، فسوف تكون مهزلة؛ لأنّ المؤسسين الأوائل للولايات المتحدة، أكدوا أنّ هذه النقطة تجب ممارساتها بناء على محاكمة قضائية كبرى، وقد تمّ عزل جونسون بعد محاكمة استمرت 83 يوماً، ومثله كلينتون، بينما ترامب يجري عزله من دون محاكمات، وهو أمر معيب على الحزب الديمقراطي، الذي يستخدم سلطاته بصورة غير قانونية، وفي تصوّري؛ فإنّ مجلس الشيوخ لن يتمكن من محاكمته؛ لأنّه عندما تصل الأمور إليه ستكون مدة ولاية ترامب انتهت، ولا يستطيع محاكمة شخص لم يعد في موقع المسؤولية، وترك مهامه".

ووفق مدير التحالف الأمريكي الشرق أوسطي للديمقراطية؛ فإنّ "الترامبية السياسية الأمريكية أضحت أحد روافد السياسة بالولايات المتحدة، كما أنّ الجمهوريين الذين اتخذوا مواقف معارضة لترامب سوف يتم نبذهم".

اقرأ أيضاً: وزراء دفاع أمريكيون يحذرون ترامب... ماذا جاء في رسالتهم؟

ويلفت إلى أنّ "صعود ترامب الذي ترافق مع تنامي اتجاهات اليمين بأوروبا والولايات المتحدة، يؤكد أنّ المجموعات القومية والوطنية اليمينية، إنّما تقوى عندما يكون هناك خلل في السياسات الداخلية، كما هو الحال الآن؛ إذ تضغط باتجاه دعم المشاكل المحلية الوطنية، قبل الاستدارة لدعم الآخرين؛ فأيام أوباما حدث انهيار للاقتصاد بدرجة كبيرة، وشركات كبيرة ذهبت للصين، كما حدث خلل في عملية التوازن التجاري بين أمريكا وكندا والمكسيك، ولم يفِ الأوروبيون بوعودهم فيما يخص الرسوم المالية التي تدفع لحلف شمال الأطلسي، وهو ما تغير بالجملة مع ترامب".

ويردف: "ترامب كانت لديه نجاحات فيما يخصّ الاقتصاد الأمريكي؛ فقد انخفضت البطالة إلى معدل 3%، وأبرمَت اتفاقية بين المكسيك وكندا لمصلحة الولايات المتحدة، كما فرض على الصين رسوماً جمركية، فضلاً عن اتفاقيات سياسية في العالم العربي، شكلت تحالفات جديدة لضبط سلوك إيران العدائي، وكذا قمع حركة داعش وهزيمتها".

ويختتم: "الترامبية الأمريكية، باختصار؛ هي "إن وعدت شيئاً لمناصريك تنفذه، ولا تتراجع عنه، وأن تخاطب الشعب على مستوى وعيه، دون طرح نظريات متعالية"، فعلى سبيل المثال؛ استطاع ترامب أن يحضر 20: 40 مليون لقاح للمواطنين، رغم التشكيك في قدراته ونجاحه في ذلك، وأتصور أنّ الترامبية السياسية سوف تستمر، وسيكون ترامب أحد الركائز القوية فيها، كما أنّ الحزب الجمهوري هو ترامب الآن، وسيكون له تأثير مهم ولافت في الانتخابات الرئاسية القادمة، والذين ساروا من الجمهوريين عكس الاتجاه، سيكون هناك منافسين لهم، وسوف يتكبدون الهزيمة في الاستحقاقات الانتخابية، والترامبيون هم الذين سينجحون".

الصفحة الرئيسية