
في أعقاب الانهيار الميداني الذي تعرّض له تنظيم "داعش" في العراق وسوريا، لم يتفكك التنظيم كما كان متوقعًا، بل أعاد إنتاج نفسه في صورة مختلفة تمامًا عن النموذج الذي حكم به "الخلافة" ما بين عامي 2014 و2017. هذا التحوّل لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج مراجعات داخلية عميقة أعادت تعريف الأولويات وأعادت رسم بنية القيادة وآليات التمويل والانتشار.
فقد انتقل التنظيم من هياكل الدولة الصلبة إلى شبكات مترابطة أكثر مرونة، تُدار وفق معايير أمنية دقيقة ومتكيفة مع المتغيرات الجغرافية والأمنية.
المتغير الجديد في المشهد الجهادي ليس في ظهور خلايا جديدة أو انبعاث فروع في مناطق الهشاشة الأمنية، بل في التحول البنيوي العميق الذي جعل التنظيم شبكة معقدة يصعب اختراقها أو السيطرة عليها بالوسائل التقليدية.
فهم “داعش” أن الحفاظ على مشروعه الأيديولوجي لا يتطلب السيطرة على الأرض بقدر ما يحتاج إلى بنية خفيفة الحركة
لقد فهم “داعش” أن الحفاظ على مشروعه الأيديولوجي لا يتطلب السيطرة على الأرض بقدر ما يحتاج إلى بنية خفيفة الحركة، قائمة على التفويض المحلي، والتخفي، وتوزيع القيادة، بما يسمح له بالاستمرار في الوجود وإن فقد الحيز الجغرافي.
وقد ورد هذا التحليل في دراسة صادرة عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI) بعنوان: «داعش ـ تحوّل التنظيم إلى هيكل مركزي أم شبكة لامركزية؟»، نُشرت على موقع المركز. وتقدم الدراسة رؤية شاملة حول الهيكل التنظيمي الجديد، وآليات القيادة، وشبكات التمويل، وأشكال العمل الميداني التي تميّز مرحلة ما بعد “الخلافة”.
من السيطرة الإقليمية إلى الهيمنة الشبكية
تشير الدراسة إلى أن “داعش” انتقل من نموذج السيطرة المكانية المباشرة إلى نموذج الهيمنة الشبكية، بعد أن أدرك أن بناء “دولة” بحدود جغرافية يجعل التنظيم هدفًا واضحًا يسهل ضربه عسكريًا. خلال سنوات الخلافة، أقام التنظيم منظومة إدارية متكاملة من الدواوين والولايات، تجاوز عددها الثلاثين، مع هياكل مالية وتعليمية وقضائية تحاكي مؤسسات الدولة.
لكن بعد انهيار تلك البنية، قام بإعادة تعريف مفهوم “الولاية” لتصبح أقرب إلى خلية ذاتية التمويل والإدارة، ترتبط بالتنظيم الأم عبر مبدأ الولاء لا عبر التسلسل الإداري الصارم.
ووفق الدراسة، أصبح التنظيم يعمل وفق مبدأ “التكافل العملياتي” بين الفروع، حيث تتبادل الخلايا الدعم اللوجستي والمعلومات، دون مركزية القرار. هذا ما جعل التنظيم يحتفظ بفاعليته رغم فقدان مناطقه الحضرية الكبرى.
أصبح التنظيم يعمل وفق مبدأ “التكافل العملياتي” بين الفروع حيث تتبادل الخلايا الدعم اللوجستي والمعلومات دون مركزية القرار
ففي أفريقيا، مثلاً، باتت ولايات مثل الصومال وبحيرة تشاد أكثر استقلالاً من المركز، لكنها في الوقت ذاته تلتزم بخطاب موحّد وأهداف متقاربة. هذه المرونة البنيوية منحت “داعش” القدرة على البقاء في بيئات متناقضة جغرافيًا وسياسيًا، وجعلته أكثر قدرة على إعادة الانتشار بعد كل ضربة عسكرية.
كما أن التبدّل في شكل الهيمنة يعكس نضجًا استراتيجيًا داخل التنظيم، إذ بات يدرك أن الكلفة العسكرية للاحتفاظ بالأرض لا تتناسب مع الفائدة الرمزية والسياسية. لذلك انتقل إلى مفهوم “الهيمنة الافتراضية”، أي السيطرة عبر الرسائل الإعلامية والرموز والبيعة، دون الوجود الفعلي في الميدان. هذا النموذج أتاح له الحفاظ على تأثيره الأيديولوجي، مع تقليص الخسائر البشرية والمادية.
إعادة ترتيب القيادة والتمويل
توضح الدراسة أن الهيكل القيادي للتنظيم أعيد بناؤه بعد مقتل العديد من قادته البارزين، حيث أصبح “مجلس الشورى” هو السلطة العليا التي تحدد الاتجاه العام، بينما تتولى “اللجنة المفوضة” التنسيق بين الولايات والخلايا.
هذه الهيئات لم تعد تملك صلاحيات تنفيذية مطلقة كما في الماضي، بل تعمل كجهاز استشاري أكثر منه إداري، فيما تُمنح القيادات المحلية صلاحيات أوسع في اتخاذ القرار الميداني والمالي.
أما التمويل، فبقي أحد أعمدة البقاء الأساسية، فبحسب الدراسة، لا يزال التنظيم يمتلك احتياطات مالية ضخمة اكتسبها من فترة الخلافة، تُدار عبر قنوات خفية وواجهات تجارية في أكثر من دولة.
التهديد الحالي لا يكمن في قدرة التنظيم على استعادة الأرض بل في قدرته على الحفاظ على تماسكه العقائدي والتنظيمي رغم الضربات المتتالية
كما يعتمد على أنشطة غير مشروعة مثل تهريب النفط والآثار والابتزاز، إضافة إلى شبكات تحويل الأموال غير النظامية (الحوالة). كل ذلك جعله قادرًا على تمويل عملياته دون الحاجة إلى مركز مالي واحد يمكن استهدافه.
وتكشف الدراسة أن التحول المالي ترافق مع انضباط إداري صارم، إذ تُفرض على كل ولاية نسبة محددة من العائدات تُحوّل إلى القيادة العليا لدعم الفروع الضعيفة أو المناطق التي تشهد ضغطًا أمنيًا.
ومع ذلك، فإن استقلالية التمويل عززت التنافس بين بعض الفروع، ودفعت بعض القادة المحليين إلى تبنّي سياسات ميدانية متشددة لإثبات الولاء والفاعلية. هذا البعد المالي أصبح عنصرًا حاسمًا في تماسك التنظيم، كما جعله أكثر قدرة على التكيّف مع الظروف المتغيرة في مناطق نشاطه.
التكتيكات المستقبلية والتحديات الأمنية
تخلص الدراسة إلى أن “داعش” طوّر استراتيجيات جديدة تقوم على اللامركزية العملياتية وتكتيكات الاستنزاف. فبعد أن كان يشنّ هجمات واسعة للسيطرة على المدن، بات يعتمد أسلوب حرب العصابات والكمائن، إضافة إلى العمليات الرمزية التي تُحدث صدى إعلاميًا أكبر من تأثيرها الميداني. فالمناطق الصحراوية والحدودية أصبحت اليوم المساحات المفضّلة لنشاطه، نظرًا لصعوبة تغطيتها أمنيًا من قبل الحكومات المحلية.
كما تعتمد الخلايا النائمة على اختراق المجتمعات المحلية من خلال العمل المدني والديني، مستغلة الفقر والفراغ الأمني.
ووفق الدراسة، فإن “داعش” بات يستخدم أدوات رقمية أكثر تطورًا للتجنيد والتواصل الداخلي، منها تطبيقات مشفّرة ووسائط بديلة عن شبكات التواصل التقليدية، لتفادي المراقبة.
ويُلاحظ أن التنظيم يعيد بناء قاعدته الفكرية عبر خطاب “التمكين المؤجل”، الذي يعد الأتباع بأن مرحلة الكمون مؤقتة تمهيدًا للعودة الكبرى.
كذلك، تشير الدراسة إلى أن التهديد الحالي لا يكمن في قدرة التنظيم على استعادة الأرض، بل في قدرته على الحفاظ على تماسكه العقائدي والتنظيمي رغم الضربات المتتالية. فكل خلية جديدة تُولد من رحم الخسارة، تحمل معها خبرة أكبر في التخفي والتكيّف.
هذا ما يجعل التحدي الأمني مضاعفًا، إذ لم يعد “داعش” هدفًا جغرافيًا يمكن قصفه، بل منظومة فكرية-تنظيمية متحركة تتغذى من الفوضى وتعيد إنتاجها.
إلى ذلك، تؤكد الدراسة أن تنظيم “داعش” يعيش اليوم مرحلة إعادة تموضع استراتيجي أكثر منها انحسارًا فعليًا. فقد تحوّل من كيان ترابي إلى شبكة مرنة عابرة للحدود، تجمع بين المركزية الفكرية واللامركزية التنفيذية. ورغم الخسائر الكبيرة التي مُني بها، فإن قابليته للبقاء وإعادة التشكل ما زالت مرتفعة بفضل قدرته على التكيّف، وتمويله الذاتي، واستيعابه دروس الانهيار السابق. وهذا ما يجعل المواجهة معه ليست مسألة عسكرية فقط، بل معركة فكرية وأمنية واستخباراتية طويلة الأمد.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_1_0_0_0_0_3_0_1_0.jpg.webp?itok=2QgRc-Y1)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)









![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)