التحول في أفغانستان والحسابات الروسية... لماذا تقبلت موسكو حكم طالبان؟

التحول في أفغانستان والحسابات الروسية... لماذا تقبلت موسكو حكم طالبان؟


01/01/2022

بالرغم من وضع روسيا لحركة طالبان عام 2003 على قوائم الإرهاب، إلّا أنّ المشهد اختلف تماماً بالتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في العام 2021، إذ تكررت زيارات قادة الحركة ولقاءاتهم بالمسؤولين الروس؛ ممّا أوحى بوجود رضا وترحيب من قبل الروس إزاء وصول الحركة إلى موقع الحكم في أفغانستان، فما أسباب هذا التحول؟ وما الذي استجدّ في الحسابات الروسية والموقف الروسي تجاه الحركة؟

القبول بحكم طالبان... والمواجهة مع "الدولة الإسلامية"

في تموز (يوليو) 2021، وبالتزامن مع سيطرة حركة طالبان على مناطق في شمالي أفغانستان، وصف زامير كابولوف، مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى أفغانستان، تقدّم طالبان بـ "التطور الإيجابي" الذي "يوفر أمن شركاء روسيا في آسيا الوسطى". فمن المنظور الروسي بات تمدد طالبان في أفغانستان يُعتبر ضماناً للأمن والاستقرار هناك، وذلك بعدما كانت روسيا قد صنفت الحركة في العام 2003 حركة إرهابية، ويعود هذا التحوّل إلى أنّه بعد بروز تنظيم داعش منذ العام 2014، وما أعلن عن تبنّيه وممارسته لفكرة ومبدأ الجهادية العالمية، وهو الجهاد المتجاوز لحدود الجغرافيا، والذي يضرب في مختلف الدول، فإنّ الحذر والمواجهة الروسية انصبّت على هذا التنظيم وفروعه، أمّا حركة طالبان، فإنّه قد ثبت عبر الأعوام أنّها لم تعد تنتهج وتتبنّى أيّ نهج يدعو لـ "الجهاد العالمي"، وإنّما باتت بمثابة حركة وطنية تحصر إطار عملياتها ونشاطها في الداخل الأفغاني.

         من المنظور الروسي، فإنّ تمدّد طالبان في أفغانستان يُعتبر ضماناً للأمن والاستقرار

وبالتالي، فإنّ قرار روسيا بالانفتاح على طالبان يستند إلى فكرة أنّ طالبان لم تعد تهدد أمن روسيا بقدر ما يفعل تنظيم داعش. وبما أنّ دُولاً أخرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، تتواصل علنياً مع حركة طالبان، فقد ارتأى المسؤولون الروس، وبهدف ضمان مصالح روسيا، بأن يتجهوا كذلك إلى عقد اللقاءات العلنية مع حركة طالبان. وبناءً عليه؛ فقد استضافت العاصمة الروسية موسكو منذ العام 2018 قياديين من طالبان في جولات حوارية عدّة، فضلاً عن لقاء المسؤولين الروس مع ممثلي طالبان لمرّات عدّة في قطر.

إقرأ أيضاً: "طالبان" نموذجاً... هل ينجح الجولاني في تغيير نظرة العالم لهيئة "تحرير الشام"؟

وقبل سيطرة طالبان على العاصمة الأفغانية كابول، استقبلت موسكو في 9 تموز (يوليو) 2021 وفداً لحركة طالبان، وخلال هذا اللقاء طمأن أعضاء الوفد الروسَ بخصوص هواجسهم في أفغانستان، ووعدوهم بعدم انتهاك حدود بلدان آسيا الوسطى، والتصدي للإرهاب، والقضاء على تجارة الهيروين في أفغانستان.

وزير الخارجية الروسي لافروف يلتقي بقادة طالبان في موسكو عام 2019

الهاجس الأكبر... آسيا الوسطى وأمنها

تُعتبر منطقة آسيا الوسطى بدولها الـ5: (تركمانستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان) وأمنها الهاجس الأهمّ بالنسبة إلى الروس فيما يتعلق بالتطوّرات والتحوّلات الجارية في أفغانستان، وذلك بالنظر إلى اعتبارها منطقة عمق حيوي وخاصرة جنوبية لروسيا تمسّ أمنها بشكل مباشر.

وتنظر روسيا إلى التطورات في أفغانستان وانعكاساتها على منطقة آسيا الوسطى باعتبار أنّها قد تتسبب في بعث وتعزيز تهديدات الإسلاميين المتشددين القادمة من آسيا الوسطى. وفي حين أنّه لا يوجد لروسيا حدود مباشرة مع أفغانستان، إلّا أنّ دول آسيا الوسطى لها حدود مباشرة مع أفغانستان (وتحديداً: تركمانستان، وأوزباكستان، وطاجيكستان).

إقرأ أيضاً:بعد واشنطن الجولاني يتغزّل بروسيا وإيران!

ويُعتبر التحوّل الأخير في أفغانستان، والمتمثل باستلام حركة طالبان زمام الحكم في البلاد، بمثابة أكبر حَدَث وتحوّل جيوسياسي بالنسبة إلى منطقة آسيا الوسطى منذ اندلاع حرب أفغانستان عام 2001 والإطاحة بحكم طالبان في حينه على يد القوّات الأمريكية وحلفائها. وتبرز الخشية الروسية تحديداً من احتمالية أن يؤدي هذا التحوّل، وما قد يرافقه من حالة عدم استقرار في أفغانستان، إلى تحفيز وتنشيط الأفراد والمجموعات الجهادية المحلية في دول آسيا الوسطى، وذلك مع تزايد احتمال انتقال أفراد لتلقي التدريب والتجنيد في أفغانستان، أو تأثرهم بقيام حكم وإمارة إسلامية في أفغانستان، وزيادة الحافز لديهم لإحداث تحوّل مماثل في بلادهم.

تبرز الخشية الروسية من احتمالية أن يؤدي التحوّل في أفغانستان إلى تحفيز المجموعات الجهادية المحلية في دول آسيا الوسطى

ولا يقتصر القلق الروسي من انتقال الحركات الإرهابية وحسب، وإنّما يبرز القلق أيضاً من احتمالية وصول موجات من اللاجئين إلى هذه الدول ومنها إلى روسيا، وكلّ ذلك يدفع الروس إلى التنسيق مع دول آسيا الوسطى والتواصل مع حركة طالبان لضمان تحقيق الاستقرار في أفغانستان خلال المرحلة الجديدة، وضمان استتباب الحكم والقضاء على أيّ حركات وجماعات متشددة.

وعلى مستوى آخر، فإنّ روسيا تحرص دائماً على ضمان هيمنتها العسكرية على مستوى منطقة آسيا الوسطى، وهو ما يظهر مع حرصها على التواجد في قواعد عسكرية وتوقيع اتفاقيات عسكرية مع دول آسيا الوسطى، وذلك عبر ضغطها على هذه الدول لعدم استضافة أيّ قواعد عسكرية لأيّ من الدول الغربية، أو توقيع أيّ معاهدات واتفاقيات عسكرية معها.

وبهذا الخصوص، تنظر روسيا إلى مغادرة الولايات المتحدة لأفغانستان، وما خلّفه من فراغ، باعتبار ذلك يهيّئ الفرصة لها لمدّ نفوذها باتجاه منطقة جديدة متصلة بآسيا الوسطى، وتشكل امتداداً لها باتجاه الجنوب، وذلك مع انحسار الحضور العسكري الغربي فيها، وهو ما يعني المزيد من الضمان لابتعاد وانحسار احتمالية التموضع العسكري الغربي (دول حلف الناتو)، والأمريكي خاصّة، في منطقة آسيا الوسطى، العمق الحيوي لروسيا، الواقع في منطقة حسّاسة عند خاصرتها الجنوبية.

قوات روسية تشارك في تدريبات مشتركة مع طاجيكستان وأوزبكستان على مقربة من الحدود الطاجيكية ـ الأفغانية، آب 2021

الوصول إلى جنوب آسيا

بينما تواصل الصين امتدادها نحو منطقة جنوب آسيا والمحيط الهندي، وذلك عبر تطوير "الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني"، أحد الممرات الرئيسية لمبادرة "الحزام والطريق" الاستراتيجية الصينية، تعمل روسيا على تعزيز تعاونها الاقتصادي مع باكستان، فضلاً عن بروز التوجّه الروسي مؤخراً لتوثيق أشكال مختلفة من التعاون مع الهند، من التعاون الدفاعي، والاستخباراتي، والاقتصادي، وذلك كجزء من استراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الروسي في منطقة جنوب آسيا والمحيط الهندي.

وتمثل باكستان والهند أسواقاً ضخمة محتملة أمام البضائع الروسية، وخاصّة المنتجات النسيجية والجلدية والمنتجات الزراعية والغذائية. وتتطلع روسيا أيضاً لتطوير طرق برّية في كل الهند وباكستان تساعدها على الوصول ببضائعها إلى موانئ المحيط الهندي وبحر العرب، بحيث يؤدي ذلك إلى التنويع من خياراتها فيما يتعلق بطرق التصدير واختصار المسافات المقطوعة للوصول لبلدان أفريقيا وجنوب شرق آسيا، وبما يفضي إلى تعزيز مستويات التبادل التجاري معها كذلك، وكلّ ذلك يتحقق ويتعزز عبر ضمان وتحقيق الاستقرار في أفغانستان، التي ستمرّ طرق نقل البضائع عبر أراضيها، وهو ما يعزز من الدوافع لدى الروس للإسهام في دعم حكم طالبان، والتنسيق معها لبسط سيطرتها، وتحقيق الاستقرار في البلاد.

تنظر روسيا إلى مغادرة الولايات المتحدة لأفغانستان، وما خلّفه من فراغ، باعتبار ذلك يهيّئ الفرصة لها لمدّ نفوذها باتجاه المنطقة

أمّا أكبر الصفقات الروسية في جنوب آسيا، فتتركز في مجال الطاقة، ففي 28 أيار (مايو) 2021 وقّعت روسيا مع باكستان اتفاقية تسمح بالبدء في التنفيذ العملي لمدّ خط الأنابيب "السيل الباكستاني"، الذي يربط محطات استقبال الغاز المُسال في مدينة كراتشي الساحلية (في جنوب باكستان) مع مدينة لاهور في الشمال (بالقرب من أفغانستان)، وتصل طاقته الاستيعابية إلى (12.4) مليار متر مكعب من الغاز سنوياً.

إقرأ أيضاً: من يسعى لتدوير الجولاني بثوب إخواني؟ ولماذا؟

ومن ثمّ، فإنّ التخطيط الروسي وعلى المستوى الأبعد يتجه لأن يكون هذا الخط هو البداية لبناء خط أنابيب الغاز الممتد بين تركمانستان، وأفغانستان، وباكستان، والهند. وكان الروس قد طرحوا المشروع على الحكومة الأفغانية السابقة، والآن ومع وصول طالبان إلى الحكم والتواصل الروسي معها فإنّه من المُرَجّح أن يكون هذا المشروع مطروحاً ضمن قائمة المشاريع المشتركة (الروسية - الأفغانية) القادمة، ولكنّ ذلك يتطلب بلا شك تحقيق وضمان الاستقرار في أفغانستان.

ويُعتبر هذا المشروع استراتيجياً بالنسبة إلى روسيا؛ لأنّه يسمح لتركمانستان بتصدير غازها إلى مناطق مختلفة من آسيا وأفريقيا، وبالتالي إبعاده عن أوروبا، بحيث تحافظ روسيا بذلك على هيمنتها على سوق الطاقة الأوروبي، وتخشى روسيا باستمرار من طرح أيّ مشاريع لمد أنابيب تنقل الغاز التركماني باتجاه أوروبا.

تحتلّ أفغانستان موقعاً استراتيجياً مهمّاً بالنسبة إلى المصالح الروسية، لأنّه يربط بين وسط آسيا وجنوبها

يدرك الروس أنّ حسابات مرحلة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وما فتحته من فصل في الصراع الدولي عُرف باسم "الحرب على الإرهاب"، أنّها مجرّد مرحلة عابرة في فصول ومراحل الصراع الدولي الممتدة، وأنّها جاءت كحلقة ضمن مسلسل التنافس الأكبر على مدّ النفوذ في الأقاليم الجغرافية حول العالم، وبالتالي فإنّ روسيا تتجه نحو تجاوز حسابات الصدام مع طالبان من منظور كونها حركة متشددة إلى مدّ جسور التواصل والتنسيق معها، وذلك وفق ما يخدم ويعزز مصالح روسيا الاستراتيجية على مستوى أقاليم وسط وجنوب آسيا، باعتبارها فناءً خلفيّاً وعمقاً حيوياً للمصالح الروسية والأمن القومي الروسي.

الصفحة الرئيسية