من يسعى لتدوير الجولاني بثوب إخواني؟ ولماذا؟

من يسعى لتدوير الجولاني بثوب إخواني؟ ولماذا؟

مشاهدة

13/06/2021

تعيد الولايات المتحدة تدوير أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، ليس بصورة الجهادي، الذي كان متماهياً من قبل مع تنظيم (داعش)، بل بصورة الإخواني البراغماتي، الباحث عن المصلحة والبقاء مهما كان حجم التنازلات، ومهما كان مقدار التلون وخلع الشعارات الدينية، ويمكن أن يحال ذلك إلى حاجتها إلى أن تكون إدلب ورقة تساهم في عدم سيطرة الروس بشكل كامل على الملف السوري، إضافة إلى مبادلة قبوله مع الأتراك بالاعتراف بـ(قسد)، التي لم تخجل أن تتلون أيضاً بإعلان قطيعتها مع حزب العمال الكردستاني.

في الوقت الذي كان يتخلص فيه من سلفيته الجهادية واصل الجولاني الظهور كشخص حريص على الأمن في إدلب

الجديد في الأمر هو الحوار الذي نشره موقع "فرونت لايت" الأمريكي، مؤخراً وأجراه الصحفي الأمريكي مارتن سميث مع الجولاني، الذي مرر رسائل منها هجومه اللاذع على القاعدة وأحداث 11 سبتمبر، وتأكيده على احترام الأقليات، ورفضه لأية عمليات خارج سوريا.

الجولاني من اللثام للقبعة

أفصح الجولاني للمرة الأولى عن نسبه وسيرته الذاتية، حيث قال إنّ اسمه "أحمد الشرع" وينحدر من الجولان المحتلة، ونشأ في حي "المزة" بدمشق وسط مجتمع وصفه بـ"الليبرالي"، قبل أن يلتحق بـ"تنظيم القاعدة" ويبدأ حياته "الجهادية".

وقال إنّ "تحرير الشام" لا تشكل خطراً أمنياً أو اقتصادياً على أمريكا، ولا تخطط لتنفيذ هجمات ضدها، كما أنّه كرر عدة مرات أنّ الفصيل الذي يقوده "جزء من الثورة والشعب السوري".

سعى "الجولاني" خلال الحوار إلى تقديم صورة مغايرة لـ"تحرير الشام" بأنها تشكيل محلي وطني، تمكن من السيطرة على محافظة إدلب، وقادر على التحكم في إعادة تشكيل الفضاء الجهادي في شمال غربي سوريا، وأنه لا بد للغرب من أن يدعم هذه الحركة!

الجولاني: هيئة تحرير الشام لا تشكل خطراً أمنياً أو اقتصادياً على أمريكا ولا تخطط لتنفيذ هجمات ضدها

بالنظر إلى سيرة أبي محمد الجولاني سنجد أنه اعتقل في سجن بوكا في العراق، حيث كان يشارك تنظيم داعش قتالهم، ولما أُفرج عنه ارتقى في المراتب القيادية، ووثق فيه أبو بكر البغدادي ونائبه حجي بكر، وأرسلاه لبناء فرع للتنظيم بسوريا، أطلق عليه فيما بعد (جبهة النصرة)، وفي هذه الفترة استطاع التماهي مع المشروع الداعشي ونسج علاقات متينة له مع الفواعل المحلّيّة والسلفية الجهادية، وكان تنظيمه محطة استقبال للمهاجرين للقتال في الأراضي السورية.

اقرأ أيضاً: في وقت يحاول فيه تلميع نفسه... جرائم الجولاني تعود إلى الواجهة

عقب مسيرة طويلة فك الجولاني ارتباط "جبهة النصرة" بتنظيم داعش، وأوقع ذلك القاعدة وداعش في مشاكل لا حصر لها، حتى انقلب على الظواهري وفك ارتباطه أيضاً به العام 2016، وقدم حركته التي أطلق عليها "فتح الشام" كحركة سورية وطنية لا صلة لها بالجهاد المعولم، وفي هذه الفترة ظهر في قناة الجزيرة ملثماً ويرتدي الزي الشامي.

كان واضحاً منذ سنوات أن هناك ترتيبات كثيرة تجري لإعادة تأهيل الجولاني وتدويره بشكل رجل إخواني براغماتي

كان يبدو أنّ هناك ترتيبات كثيرة تجري لإعادة تأهيل الجولاني وتدويره في شكل رجل إخواني باحث عن المصلحة والبقاء بتغيير جلده عشرات المرات، بدءاً من فك ارتباطه بالتنظيمين الكبيرين القاعدة وداعش، وحتى إعلانه إنشاء جبهة تحرير الشام، التي تضم: لواء الحق الإخواني، أنصار الدين، ونور الدين زنكي (انسحبت فيما بعد)، وفتح الشام، وفصائل أخرى، وانتهاءً بالتخلص من أصحاب نظرية عولمة الجهاد، مثل مفتيه الشرعي أبو اليقظان المصري، سامي العريدي، أبو جليبيب الأردني.

هل ينجح الجولاني؟

بكل القوة واجه الجولاني التنظيمات القريبة من القاعدة كحراس الدين بنفس القوة التي واجه بها جيش التحرير الوطني، المنضوي تحته الجيش السوري الحر، وكان في الوقت الذي يتخلص فيه من سلفيته الجهادية يواصل الظهور كشخص حريص على الأمن في إدلب، فمرة يظهر مع أطفال قال إعلام "تحرير الشام" إنهم أولاد شهداء، في مشهد بدا إنسانياً، ومرة وهو يلف في الأسواق، وأخرى وهو يلتقي بقادة العشائر.

اقرأ أيضاً: في أول مقابلة مع صحفي أمريكي‏.. ماذا قال الجولاني؟

وتحت عنوان "الجهاد والسياسة الشرعية بين الثوابت والمتغيرات" نشرت "هيئة تحرير الشام"، في حزيران (يونيو) 2018، بيان التحولات، الذي أوضحت فيه طبيعة علاقاتها مع بعض الدول، ومعنى المصالح المعتبرة، وعقب ذلك أعلنت مباشرة قبولها بمخرجات اتفاق سوتشي، وبناء جهازٍ إداريٍّ وهو (حكومة الإنقاذ)، التي تغلغلت في كافة مفاصل المجالس المحليّة في شمال غرب سوريا وريف حماة، ومسحت الشعارات الإرهابية من على الجدران في إدلب، وسمحت لعمال الإغاثة الأجانب من المنظمات غير الحكومية بالعمل في المنطقة.

وانطلق الإعلام التابع للهيئة في الترويج للجولاني على أنه قطع كل علاقته بالقاعدة وداعش وأنه يدير الإقليم بطريقة مختلفة، وإنه وتنظيمه لا يتشددون في لبس المرأة النقاب!.

ترى مجموعة الأزمات الدولية أنّ الجولاني نجح في تسويق أنّ الهيئة رغم تجاوزاتها في الملف الحقوقي وعدم نضوج خطابها السياسي، فإنّها باتت تشكِّل حالة مختلفة تماماً عن تنظيم "داعش" أو تنظيم "القاعدة"، وهي بخطابها اليوم وسياستها على الأرض أقرب ما تكون إلى حالة "حزب الله" في لبنان أو حركة "حماس" في غزة، والتي تُعبر عن حالة "جهادية" محلية وسلطة أمر واقع، حيث تقوم الهيئة في إدلب بالواجب الخدمي والضبط الأمني لمنطقة مكتظة بالنازحين وخارجة عن سلطة نظام الأسد، إضافة لقيامها بمحاربة التنظيمات الأكثر تطرُّفاً مثل "حراس الدين" وخلايا "داعش".

روّج الجولاني أنّه قطع كل علاقته بالقاعدة وداعش وأنه يدير الإقليم بطريقة مختلفة

ويأتي التصنيف الذي قدمته مجموعة الأزمات الدولية في سياق ترويج الولايات المتحدة وبعض حلفائها للتسويق للجبهة لتوظيفها باعتبارها سلطة واقع ستساهم في عدم انفراد الروس بالملف السوري، كما يمكنها تقديم خدمات استخبارية، كما حدث في قتل زعيم داعش أبو بكر البغدادي.

ويرى القيادي الجهادي السابق نبيل نعيم، في تصريح صحفي، أنّ أمريكا فرقت بين جناح حزب الله السياسي والعسكري، حيث أعلنت الأخير إرهابياً، وهذا معناه أنها يمكن أن تقبل جناح تحرير الشام السياسي، لأنّ انهيارها سيؤدي إلى ظهور "حراس الدين" جناح القاعدة السوري، وكونها تمثل حائط صد أمام المقاتلين الذين قد يتسللون إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، وهذا معناه أنّها ستبقى قيد المراقبة طوال الوقت، من أجل دفعها لتقديم مزيد من التنازلات، وتدوير الجولاني ليصبح أكثر إخوانية.

الصفحة الرئيسية