الانتخابات النيابية في لبنان: معركة مفصلية لتفكيك شبكة حزب الله السياسية

الانتخابات النيابية في لبنان: معركة مفصلية لتفكيك شبكة حزب الله السياسية

الانتخابات النيابية في لبنان: معركة مفصلية لتفكيك شبكة حزب الله السياسية


11/09/2025

تشكل الانتخابات النيابية اللبنانية المقررة في مايو 2026 محطة حاسمة في تاريخ لبنان السياسي، وتعد معركة مصيرية على نحو غير مسبوق. فهذه الانتخابات ليست مجرد عملية ديمقراطية روتينية، بل هي مواجهة إستراتيجية بين إرادتين متعارضتين، أولاهما تتمثل في استمرار حزب الله في الهيمنة السياسية والعسكرية، وثانيتهما تنبثق من رغبة شريحة متزايدة من اللبنانيين في إعادة بناء الدولة على أسس سيادية بعيداً عن الهيمنة الميليشياوية.

ويمثل حزب الله منذ تأسيسه قوة موازية للدولة اللبنانية، ليس فقط من حيث التسليح والقدرة العسكرية، بل أيضا عبر شبكة متشابكة من النفوذ السياسي والاجتماعي داخل الطائفة الشيعية.

وتتقاطع هذه الشبكة مع حلفائه، وعلى رأسهم حركة أمل بزعامة نبيه بري، الذي يمثل أحد أبرز اللاعبين السياسيين في لبنان وأحد دعائم هذا التحالف الذي يعزز وجود الحزب في مؤسسات الدولة ويسيطر على قطاعات واسعة من الحياة السياسية والاقتصادية.

وجعل هذا الواقع المعقد مهمة الدولة اللبنانية في فرض سيادتها على كامل التراب الوطني أمرا في غاية الصعوبة، بل ومصدرا لمخاوف أمنية وإقليمية، لاسيما في ظل تزايد القلق من إمكانية اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين حزب الله وإسرائيل.

نجاح البدائل المعتدلة سيعزز فرص إعادة بناء الدولة، وتقوية مؤسساتها، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي

ومن هنا جاءت خطة الحكومة اللبنانية والجيش التي تم تقديمها في سبتمبر 2025، والتي نصت على نزع سلاح حزب الله من خلال أربع مراحل جغرافية تبدأ من الجنوب وتمتد إلى العاصمة وبقية المناطق.

ورغم الترحيب الرسمي بالخطة، ظل غياب جدول زمني واضح وملزم عائقًا كبيرا أمام تنفيذها، حيث ربطت المرحلة التالية من الخطة بمطالب سياسية من الجانب الإسرائيلي، ما أتاح قنوات لتأجيل التنفيذ واستمرار الوضع الراهن.

وجاء هذا التردد أيضا تحت ضغط التحالف السياسي بين حزب الله وحركة أمل، حيث يرفض نبيه بري وحلفاؤه الدخول في صدام مباشر قد يهدد مصالحهم السياسية، رغم أن القدرات العسكرية لحزب الله قد شهدت تدهورا في بعض الجوانب، ما يشكل فرصة للجيش اللبناني لإعادة فرض سيادته.

ومنذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، حاولت الدولة اللبنانية مرارا وتكرارا فرض سيادتها على كامل التراب اللبناني ونزع السلاح من كافة الجماعات المسلحة، ولكن هذه المحاولات اصطدمت بعقبات كبيرة، خاصة مع حزب الله الذي ظل يمتلك قوة عسكرية كبيرة وامتدادًا سياسيًا واجتماعيًا.

أولى المحاولات كانت خلال اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب، حيث نص الاتفاق على “حصر السلاح في يد الدولة،” لكن التطبيق ظل محدودًا بسبب التوازنات السياسية الطائفية، وضعف الدولة، وعدم رغبة حزب الله في التخلي عن سلاحه، مدعوما بتبريره أن سلاحه هو مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وفي عام 2006، وبعد حرب تموز التي شهدت مواجهة بين حزب الله وإسرائيل، برزت دعوات دولية لإعادة تسليح الجيش اللبناني وتعزيز دوره. وأُقرت قرارات أممية مثل القرار 1701 الذي نص على نزع سلاح كل الميليشيات، لكنه ترك استثناءات لحزب الله باعتباره “مقاومة”، ما جعل تطبيق القرار غير متكافئ وعملية نزع السلاح شبه مستحيلة.

ولاحقا، حاولت الحكومة اللبنانية فرض سيطرتها على بعض المناطق مثل الجنوب، مع دعم من قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، لكن حزب الله تمكن من الحفاظ على مواقع عسكرية قوية، وتطوير ترسانته، مستفيدا من الدعم الإيراني والتفاهمات السياسية الداخلية التي كانت تتيح له هامش تحرك واسع.

وباءت مبادرات نزع السلاح التي قُدمت في العقد الماضي، خصوصًا خلال فترات الاضطراب السياسي والاقتصادي في لبنان، بالفشل بسبب عدم وجود توافق سياسي حقيقي، وعدم وجود إرادة دولية حازمة، إلى جانب تهديد حزب الله باستخدام القوة في حال محاولة مصادرة سلاحه.

وتوضح تجارب هذه المحاولات الفاشلة أن أيّ خطة ناجحة لنزع سلاح حزب الله تتطلب توافقًا داخليًا غير مسبوق، ودعمًا دوليا قويا متكاملا، وضغطًا متواصلا على جميع الأطراف السياسية لمنع تعطيل العملية، بالإضافة إلى تقديم بدائل سياسية وشعبية تحمي الدولة من فراغ السلطة أو الانزلاق إلى صراعات داخلية.

وتعد الانتخابات النيابية المقبلة فرصة تاريخية للبدائل السياسية الشيعية المعتدلة من أجل كسر احتكار حزب الله وحلفائه للمقاعد الشيعية في البرلمان.

وتُمثل هذه المقاعد ركيزة أساسية لتمكين حزب الله من السيطرة على مفاصل الدولة، سواء من خلال تشكيل الحكومات أو التأثير في صنع القرار، وحتى التحكم في الاقتصاد النقدي غير الرسمي. وترى الباحثة حنين غدار في تقرير نشره معهد واشنطن أن النجاح في هذه الانتخابات يعني قدرة على تحجيم النفوذ السياسي للحزب، وهو ما سيمهد الطريق أمام تنفيذ خطة نزع السلاح بجدية وفاعلية.

لكن مواجهة شبكة حزب الله وحركة أمل السياسية لا تقتصر على الانتخابات فقط، بل تتطلب إستراتيجية شاملة تشمل دعم البدائل المعتدلة داخل الطائفة الشيعية، وتعزيز حضورها في المجتمع عبر بناء تحالفات اجتماعية واقتصادية قوية.

ويستدعي هذا أيضا دعم المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة، التي تلعب دورا محوريا من خلال فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على المسؤولين الذين يعطلون جهود نزع السلاح أو يقدمون الدعم للحزب.

وتتضمن الأدوات الأميركية تقديم مساعدات عسكرية ولوجستية للجيش اللبناني، وربط هذه المساعدات بتحقيق تقدم ملموس في خطة نزع السلاح، واستخدام العقوبات لاستهداف الشخصيات التي تعرقل المساعي الحكومية، بالإضافة إلى دعم البدائل السياسية باعتبارها بديلا حيويا يحول دون استمرار هيمنة حزب الله.

وتأتي العقوبات في وقت حساس يسبق الانتخابات، حيث يزداد الضغط على حزب الله وحلفائه لضمان استمرارهم في السيطرة على النظام السياسي. ومن الضروري أيضا وضع جدول زمني واضح ومحدد لإنجاز خطة نزع السلاح، إذ أن الغموض الحالي يسمح بالاستمرار في التسويف وتأجيل التنفيذ. وعلى الإدارة الأميركية والجهات الدولية الضغط على المسؤولين اللبنانيين لإعلان مواعيد نهائية ملزمة تنهي حالة المماطلة، وتضمن عدم التراجع عن تنفيذ الخطوات الضرورية، مع مراعاة أن يكون الجدول واقعيا وقابلا للتنفيذ.

كما يجب التأكيد على القدرات التاريخية للجيش اللبناني في مواجهة الجماعات المسلحة بنجاح سابق، ما يثبت أن مواجهة حزب الله وإن كانت أكثر تعقيدا، ليست مستحيلة إذا ما توافرت الإرادة السياسية والدعم الدولي المناسب.

ولطالما اعتبر الجيش اللبناني العمود الفقري للأمن والاستقرار في لبنان، وهو المؤسسة الوطنية الوحيدة التي تحظى بدعم واسع من مختلف الطوائف والفئات السياسية. ولهذا السبب، حظي بدعم دولي كبير على مدار السنوات الماضية، من أجل تعزيز قدراته وتمكينه من القيام بدوره في الحفاظ على سيادة الدولة وأمنها.

ويأتي الدعم الدولي للجيش اللبناني في سياق رغبة المجتمع الدولي في استقرار لبنان ومنع انفجار الوضع الأمني فيه، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة وتنامي تأثير الجماعات المسلحة غير الحكومية، وعلى رأسها حزب الله. ولذلك، كان الدعم متعدد الأوجه يشمل التمويل والتدريب والتسليح.

وإضافة إلى الولايات المتحدة، هناك دول أخرى مثل فرنسا، التي تربطها بلبنان علاقات تاريخية وثقافية وأمنية، وتلعب دورا مهما في دعم الجيش اللبناني عبر تقديم مساعدات تقنية، وتدريب ضباط، وتحديث البنية التحتية العسكرية. وكذلك، تقوم دول أوروبية أخرى بتقديم دعم مالي ولوجستي ضمن إطار برامج متعددة الأهداف لتعزيز الاستقرار اللبناني.

ولم يقتصر الدعم الدولي للجيش اللبناني على الجانب العسكري فقط، بل شمل أيضا الدعم في مجال بناء القدرات المؤسسية، مثل تحسين نظم القيادة والسيطرة، وتعزيز القدرة على مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، إلى جانب دعم جهود الإصلاح الأمني والعدلي في لبنان. ويتجاوز هذا الدعم مجرد تقديم العتاد العسكري، بل يرتكز على بناء مؤسسة عسكرية مهنية قادرة على فرض سلطة الدولة وتطبيق القانون على جميع الأراضي اللبنانية، ما يُعتبر خطوة أساسية لإعادة بناء الدولة الوطنية وتعزيز وحدتها في وجه التحديات.

وفي حال فشل الانتخابات في كسر تحالف حزب الله وحركة أمل سيظل لبنان عرضة لتصاعد التوترات الأمنية، وقد يؤدي ذلك إلى مواجهة عسكرية جديدة قد تكون أشد دمارا على المستويين الداخلي والإقليمي. وعلى العكس، فإن نجاح البدائل المعتدلة سيعزز فرص إعادة بناء الدولة، وتقوية مؤسساتها، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.

وتقول غدار إن الانتخابات النيابية المقبلة ليست مجرد استحقاق ديمقراطي، بل معركة وجودية يمكن أن تحدد مستقبل لبنان بأكمله. فنجاحها يعني تفكيك شبكة حزب الله السياسية، ونزع سلاحه، واستعادة الدولة لدورها السيادي، بينما فشلها يعني استمرار أزمات مركبة، وعقود من الهيمنة الميليشياوية التي تهدد أمن واستقرار لبنان والمنطقة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية