الاستعارة... وسيلة تجعلنا نفهم العالم

الاستعارة... وسيلة تجعلنا نفهم العالم

الاستعارة... وسيلة تجعلنا نفهم العالم


09/08/2026

ترجمة عبود الجابري

ليستِ الاستعارةُ لونًا من ألوانِ الزينةِ البيانيَّةِ، ولا حيلةً يلجأُ إليها الشاعرُ أو الكاتبُ ليُضفي على عبارتهِ مسحةً من الجمالِ، بل هي من أعمقِ الأدواتِ التي ابتكرها العقلُ الإنسانيُّ لإدراكِ العالمِ وفهمِه. فالإنسانُ لا يعيشُ في كونٍ من الأشياءِ المحسوسةِ وحدها، وإنَّما يعيشُ أيضًا في كونٍ من المعاني، ولا سبيلَ إلى القبضِ على هذهِ المعاني إلَّا بردِّها إلى ما ألفتهُ الحواسُّ، وربطِ المجهولِ بالمعلومِ، والمجرَّدِ بالمحسوسِ. ومن هنا كانتِ الاستعارةُ جسرًا تعبرُ عليهِ الأفكارُ من عالمِ التجريدِ إلى عالمِ الإدراكِ.

ولذلكَ تتغلغلُ الاستعارةُ في نسيجِ اللُّغةِ حتى إنَّنا نستعملُها في حديثِنا اليوميِّ من غيرِ أن نشعرَ بوجودِها. ولو جُرِّدَتِ اللُّغةُ منها لفقدتْ كثيرًا من قدرتِها على الإيحاءِ والتفسيرِ، ولغدتْ ألفاظًا تؤدِّي وظائفَها المباشرةَ، ولكنَّها تعجزُ عن احتضانِ التجربةِ الإنسانيَّةِ بكلِّ ما فيها من عمقٍ وتعقيدٍ.

وقد أدركَ الفلاسفةُ منذُ القديمِ هذهِ الحقيقةَ؛ فرأى أرسطو أنَّ الاستعارةَ تقومُ على نقلِ اسمِ شيءٍ إلى شيءٍ آخرَ لعلاقةِ مشابهةٍ بينهما، غيرَ أنَّ الدراساتِ الحديثةَ تجاوزتْ هذا الفهمَ البلاغيَّ الضيِّقَ، وعدَّتِ الاستعارةَ طريقةً في التفكيرِ قبلَ أن تكونَ طريقةً في التعبيرِ. فالإنسانُ لا يتعلَّمُ أمرًا جديدًا إلَّا إذا وجدَ لهُ نظيرًا في خبرتِهِ السابقةِ، ولذلكَ كانَ العقلُ يُفسِّرُ المجهولَ بالمعلومِ، والغائبَ بالحاضرِ، والمجرَّدَ بالمحسوسِ. وهكذا لا تنقلُ الاستعارةُ الألفاظَ وحدها، وإنَّما تنقلُ معها شبكةً كاملةً من الدلالاتِ والعلاقاتِ والانفعالاتِ.

ومن هنا استعانَ العلماءُ أنفسُهم بالاستعارةِ في شرحِ أعقدِ النظريَّاتِ، لأنَّ الصورةَ قد تُقنعُ حيثُ تعجزُ العبارةُ المباشرةُ. فالاستعارةُ ليستْ ترفًا أدبيًّا، وإنَّما هي وسيلةٌ معرفيَّةٌ تُيسِّرُ الانتقالَ من المعروفِ إلى المجهولِ، وتفتحُ أمامَ العقلِ آفاقًا جديدةً للفهمِ.

ويتجلَّى سلطانُ الاستعارةِ أوضحَ ما يكونُ في لغةِ العاطفةِ؛ إذ لا يستطيعُ الإنسانُ أن يصفَ آلامَهُ أو أفراحَهُ وصفًا مباشرًا دونَ أن يفقدَ شيئًا من صدقِها. فعندما يقولُ المرءُ: "قلبي مكسورٌ"، لا يخطرُ ببالِ أحدٍ أنَّ القلبَ قد انشطرَ حقيقةً، وإنَّما تُنقلُ إلينا شدَّةُ الانكسارِ النفسيِّ بصورةٍ محسوسةٍ تجعلُ الألمَ قابلًا للمشاركةِ. إنَّ الاستعارةَ هنا لا تُزيِّنُ المعنى، بل تخلقُهُ، وتُتيحُ للآخرِ أن يُحسَّ بما لا يمكنُ رؤيتُهُ أو لمسهُ.

ولهذا كانتِ الاستعارةُ دعوةً إلى المشاركةِ الوجدانيَّةِ. فالمتكلِّمُ يفتحُ نافذةً في خبرتِهِ الخاصَّةِ، ويدعو السامعَ إلى أن ينظرَ منها، فإذا أدركَ السامعُ وجهَ الشبهِ نشأتْ بينهما لحظةٌ من الألفةِ الفكريَّةِ والعاطفيَّةِ، كأنَّ عقلَيْنِ قد التقيا عندَ نقطةٍ واحدةٍ. وهذهِ اللحظةُ هي التي تمنحُ الاستعارةَ قوَّتَها، لأنَّها تُحوِّلُ التجربةَ الفرديَّةَ إلى خبرةٍ إنسانيَّةٍ مشتركةٍ.

ولعلَّ أجملَ ما يُجسِّدُ هذهِ القدرةَ ما صاغتْهُ الشاعرةُ سيلفيا بلاث في قصيدتِها "الاستعارات"، وهي تُصوِّرُ تجربةَ الحملِ في سلسلةٍ من الصورِ المتتابعةِ، فتقولُ:

"فيلٌ... وبيتٌ ضخمٌ،
وبطيخةٌ تمشي على غصنين،
...أنا وسيلةٌ، ومسرحٌ، وبقرةٌ حاملٌ".

إنَّ هذهِ الصورَ لا تصفُ الحملَ وصفًا طبِّيًّا، وإنَّما تُجسِّدُ إحساسَ المرأةِ بما يعتملُ في جسدِها من ثقلٍ، وامتلاءٍ، وتحوُّلٍ، فيغدو ما لا يُقالُ بالكلامِ العاديِّ قابلًا للإدراكِ من خلالِ الصورةِ الشعريَّةِ. وهكذا تكشفُ الاستعارةُ عن حقيقةٍ نفسيَّةٍ قد يعجزُ الوصفُ المباشرُ عن بلوغِها.

ومن هنا تُصبحُ الاستعارةُ أشبهَ بلعبةِ شطرنجٍ متعدِّدةِ الأبعادِ؛ إذ يفكِّرُ منشئُها فيما يقولُهُ، وفيما يعنيهِ، وفيما يستبعدُهُ في آنٍ واحدٍ. فإذا أصابتْ غايتَها أحدثتْ في ذهنِ المتلقِّي تلكَ الشرارةَ التي تُولدُ عندَ اكتشافِ تشابهٍ لم يكنْ مرئيًّا من قبلُ، فيشعرُ بلذَّةِ الفهمِ، وبأنَّ العالمَ قد ازدادَ اتساعًا وثراءً. ولذلكَ لا تُقاسُ قيمةُ الاستعارةِ بغرابتِها وحدها، بل بقدرتِها على كشفِ علاقةٍ خفيَّةٍ بين الأشياءِ، علاقةٍ كانتْ موجودةً دائمًا، غيرَ أنَّنا لم ننتبهْ إليها إلَّا حينَ أضاءتها اللُّغةُ.

وإذا كانَ التشبيهُ قريبًا من الاستعارةِ، فإنَّهُ يختلفُ عنها في أنَّهُ يُصرِّحُ بأداةِ المشابهةِ، كقولِنا:"الحياةُ مثلُ علبةِ شوكولاتةٍ". غيرَ أنَّ قيمةَ التشبيهِ، شأنُه شأن الاستعارةِ، لا تُقاسُ بقربِ أطرافِهِ أو بُعدِها، وإنَّما بما يكشفُهُ من علاقاتٍ كانتْ خفيَّةً على الذهنِ. فكلَّما استطاعَ أن يُخرجَ المألوفَ من اعتيادِهِ، ويُعيدَ إليهِ دهشةَ الاكتشافِ، كانَ أبلغَ أثرًا وأبقى حضورًا. ومن أغرب الأمثلةِ على ذلكَ ما جاءَ في قصيدةِ الشاعرِ الأمريكيِّ راندال جاريل، إذ يقولُ:

"كالدُّبِّ الذي يصعدُ إلى جرفِ الجليدِ،
تسلَّقتُ إلى الفراشِ".

وللوهلةِ الأولى يبدو هذا التشبيهُ بعيدًا عن التجربةِ اليوميَّةِ، لكنَّهُ ما يلبثُ أن يُجبرَ القارئَ على إعادةِ النظرِ في فعلٍ عاديٍّ، كالذهابِ إلى النومِ، فيراهُ بمنظارٍ جديدٍ. وهنا تبلغُ الصورةُ غايتَها؛ فهي لا تُفسِّرُ الواقعَ فحسب، بل تُغيِّرُ طرائقَ رؤيتِنا لهُ، فتجعلُ المألوفَ غريبًا، والغريبَ مألوفًا.

ولهذا السببِ كانتِ الاستعارةُ وسيلةً لمقاومةِ الاعتيادِ الذي يُصيبُ الحواسَّ بالخَدَرِ. فالإنسانُ يمرُّ كلَّ يومٍ بالأشياءِ نفسها، حتى يغدو حضورُها كغيابِها، ولا يعودُ يرى فيها ما يستحقُّ التأمُّلَ. غيرَ أنَّ الفنَّ يُعيدُ إليها حياتَها الأولى. ويُضرَبُ لذلكَ مثلٌ بلوحاتِ بول سيزان، ولا سيَّما لوحاتِ التفَّاحِ؛ فنحنُ لا نقفُ طويلًا أمامَ تفَّاحةٍ موضوعةٍ على المائدةِ، لكنَّنا إذا رأيناها في لوحةٍ فنِّيَّةٍ أمعنَّا النظرَ في خطوطِها وألوانِها، ثمَّ عدنا إلى التفَّاحةِ الحقيقيَّةِ بعينٍ لم تكنْ لنا من قبلُ. وكذلكَ شأنُ الاستعارةِ المؤثِّرةِ؛ إنَّها تُعيدُ للأشياءِ براءتَها الأولى، وتكشفُ ما طمسَهُ التكرارُ والألفةُ.

غيرَ أنَّ الاستعارةَ لا تؤدِّي هذا الدورَ في الأدبِ وحدَهُ، بل تتجاوزُهُ إلى السياسةِ والإعلامِ والخطابِ العامِّ؛ إذ تُستعملُ الصورُ المجازيَّةُ لتوجيهِ الرأيِ العامِّ وصناعةِ المواقفِ. فالسياسيُّ لا يختارُ ألفاظَهُ اعتباطًا، وإنَّما يُحمِّلُها صورًا تُوجِّهُ الإدراكَ وجهةً بعينِها. وعندما يُوصَفُ وباءٌ أو أزمةٌ اقتصاديَّةٌ بأنَّها "حربٌ"، فإنَّ الذهنَ يستدعي، من تلقاءِ نفسِهِ، مفاهيمَ العدوِّ، والمعركةِ، والانتصارِ، والهزيمةِ، والتضحيةِ. ومن هنا جاءَ وصفُ بوريس جونسون جائحةَ كورونا بأنَّها "قاتلٌ خفيٌّ"، وأنَّ العلمَ يُسلِّطُ ضوءَهُ عليهِ، وشبَّهَ مرحلةَ الخروجِ من الأزمةِ بالنزولِ من جبلٍ شديدِ الوعورةِ، إشارةً إلى أنَّ نهايةَ الخطرِ قد تكونُ أشدَّ دقَّةً من بدايتِهِ. ولم تكنْ هذهِ الصورُ مجرَّدَ محسناتٍ بلاغيَّةٍ، بل أدواتٍ لتشكيلِ وعيِ الجمهورِ وإدارةِ استجابتِهِ للأحداثِ.

على أنَّ الاستعارةَ قد تفقدُ مع الزمنِ بريقَها، ليس لأنَّها ضعيفةٌ، بل لأنَّها تكرَّرتْ حتى أصبحتْ جزءًا من الكلامِ اليوميِّ. فالعبارةُ المبتذلةُ ليستْ في أصلِها عبارةً ركيكةً، وإنَّما هي، في كثيرٍ من الأحيانِ، استعارةٌ بلغتْ من النجاحِ مبلغًا جعلَ الناسَ يردِّدونَها حتى ذهبتْ عنها طرافتُها. ولهذا قيلَ إنَّ الكليشيهَ ليسَ إلَّا استعارةً عظيمةً سقطتْ ضحيَّةَ نجاحِها.

بل إنَّ الإنسانَ يعيشُ داخلَ منظومةٍ كاملةٍ من الاستعاراتِ من غيرِ أن ينتبهَ إليها. فنحنُ نقولُ: "المستقبلُ أمامَنا، والماضي خلفَنا"، أو نقولُ: "سنتعاملُ مع هذا الأمرِ عندما يحينُ وقتُهُ"، وكأنَّ الزمنَ طريقٌ نسيرُ فيهِ. ونقولُ: "وجدتُ نفسي بين المطرقةِ والسندانِ"، من غيرِ أن نستحضرَ الصورةَ الحسيَّةَ الكامنةَ وراءَ هذا التعبيرِ. وقد اندمجتْ هذهِ الاستعاراتُ في اللُّغةِ إلى درجةٍ أصبحَ معها استعمالُها أقربَ إلى الحقيقةِ من المجازِ.

بل إنَّ بعضَها غدا من رسوخِهِ بحيثُ نسيَ الناسُ أصلَهُ المجازيَّ، مثلُ قولِنا: " أرى ما تقصدُ"؛ فالرؤيةُ هنا ليستْ رؤيةَ العينِ، وإنَّما رؤيةُ العقلِ. ومع ذلكَ لا يشعرُ أحدٌ أنَّهُ يستخدمُ استعارةً، لأنَّ العلاقةَ بينَ الرؤيةِ والفهمِ أصبحتْ جزءًا من طرائقِ التفكيرِ ذاتِها، لا من طرائقِ التعبيرِ فحسب. وكذلكَ الأمرُ في ربطِ العلوِّ بالقيمِ الإيجابيَّةِ، والانخفاضِ بما يُشيرُ إلى الفشلِ والانحدارِ؛ فنحنُ نقولُ: "ارتفعتْ معنوياتُهُ"، و"سقطَ في اليأسِ"، من غيرِ أن نلتفتَ إلى أنَّنا نصفُ حالاتٍ نفسيَّةً بألفاظٍ مكانيَّةٍ.

وعندما اتَّسعَ النظرُ في اللُّغاتِ والثقافاتِ، تبيَّنَ للباحثينَ أنَّ الاستعارةَ ليستْ جميعُها من صنيعِ البيئةِ أو العادةِ، بل إنَّ منها ما يكادُ يكونُ مشتركًا بين البشرِ جميعًا. وقد اصطلحَ على تسميةِ هذهِ الصورِ "الاستعاراتُ شبهُ العالميَّةِ"؛ لأنَّها تظهرُ في لغاتٍ متباعدةٍ لم تقمْ بينها صلةٌ تاريخيَّةٌ تُفسِّرُ انتقالَها من إحداها إلى الأخرى. وليسَ مردُّ ذلكَ إلى المصادفةِ، وإنَّما إلى اشتراكِ البشرِ في الخبرةِ الجسديَّةِ والنفسيَّةِ التي تُولِّدُ أنماطًا متقاربةً من التفكيرِ.

ومن أوضحِ هذهِ الاستعاراتِ استعمالُ الرؤيةِ للدلالةِ على الفهمِ؛ فالإنسانُ العربيُّ يقولُ: "أرى ما تعنيهِ"، كما يقولُ الإنجليزيُّ: I see، ولا يقصدُ في الحالينِ فعلَ الإبصارِ، بل انكشافَ المعنى للعقلِ. وكذلكَ يُستعملُ الدفءُ للدلالةِ على الألفةِ والمودَّةِ؛ فنصفُ الإنسانَ بأنَّهُ "دافئُ المشاعرِ"، أو نصفُ العلاقةَ بأنَّها "علاقةٌ دافئةٌ"، لأنَّ الدفءَ ارتبطَ في التجربةِ الإنسانيَّةِ الأولى بالأمانِ والاحتضانِ والقربِ، فانتقلَ من الإحساسِ الجسديِّ إلى المجالِ النفسيِّ انتقالًا يكادُ يكونُ عامًا بين الثقافاتِ.

غيرَ أنَّ هذا الاشتراكَ لا ينفي خصوصيَّةَ كلِّ ثقافةٍ، فلكلِّ أمَّةٍ مخزونُها من الصورِ التي استمدَّتْها من بيئتِها وتاريخِها وعاداتِها. فالفرنسيُّونَ، على سبيلِ المثالِ، يُكثرونَ من الاستعاراتِ المستمدَّةِ من الطعامِ، فيقولونَ: "أُعِدُّ سلطةً"،  بمعنى أختلقُ روايةً أو أُلفِّقُ خبرًا، ويقولونَ: "لديَّ خوخةٌ" للدلالةِ على النشاطِ والحماسِ، وليسَ المقصودُ بالطبعِ ثمرةَ الخوخِ، وإنَّما حالةٌ نفسيَّةٌ نُقلتْ إليها خصائصُ هذهِ الصورةِ في الثقافةِ الفرنسيَّةِ.

وكذلكَ يختلفُ التعبيرُ عن الفكرةِ الواحدةِ باختلافِ المرجعيَّاتِ الثقافيَّةِ. فاللغةُ الهولنديَّةُ تصفُ شديدَ الاحتمالِ بأنَّ لهُ "جلدَ فيلٍ"، في حينِ تكتفي الإنجليزيَّةُ بقولِها: "جلدٌ سميكٌ"، وإذا أرادَ الإنجليزُ التعبيرَ عن استحالةِ وقوعِ أمرٍ قالوا: "عندما يطيرُ الخنزيرُ"، بينما يقولُ الفرنسيُّونَ: "عندما يكونُ للدجاجِ أسنانٌ"، فتختلفُ الصورُ، ولكنَّ الوظيفةَ الذهنيَّةَ واحدةٌ؛ إذ يسعى العقلُ في جميعِ الأحوالِ إلى تجسيدِ المستحيلِ في صورةٍ محسوسةٍ تترسَّخُ في الذاكرةِ.

وهذا كلُّهُ يدلُّ على أنَّ الاستعارةَ ليستْ مجموعةً من الزخارفِ اللفظيَّةِ التي يجوزُ حذفُها من الكلامِ من غيرِ أن يتغيَّرَ معناهُ، بل هي جزءٌ من البنيةِ العميقةِ للفكرِ الإنسانيِّ. فنحنُ لا نستعملُها لأنَّنا نُحسنُ البيانَ فحسب، وإنَّما لأنَّنا لا نستطيعُ التفكيرَ خارجَها. إنَّها الأداةُ التي يُعيدُ بها العقلُ تنظيمَ خبرتِهِ، ويُخضعُ المجهولَ لقوانينِ المعلومِ، ويمنحُ العالمَ نظامًا يمكنُ إدراكُهُ والتعاملُ معهُ.

ولعلَّ أعظمَ ما تكشفُ عنهُ الاستعارةُ أنَّ اللُّغةَ لا تعكسُ الواقعَ انعكاسًا سلبيًّا، بل تُسهمُ في صُنْعِهِ. فالصورةُ التي نختارُها لوصفِ حدثٍ أو شعورٍ أو فكرةٍ لا تُغيِّرُ ألفاظَنا فحسب، بل تُغيِّرُ أيضًا الطريقةَ التي نفهمُ بها ذلكَ الحدثَ أو الشعورَ أو الفكرةَ. ومن هنا كانت الاستعارةُ قادرةً على توجيهِ العاطفةِ، وصياغةِ الموقفِ، وبناءِ المعرفةِ، وإعادةِ تشكيلِ الخبرةِ الإنسانيَّةِ في آنٍ واحدٍ. لهذا لا يجوزُ النظرُ إلى الاستعارةِ على أنَّها ترفٌ أدبيٌّ أو محسنٌ بلاغيٌّ يُلجأُ إليهِ عندَ الرغبةِ في تجميلِ العبارةِ؛ فهي، في حقيقتِها، إحدى أعظمِ الأدواتِ التي ابتكرها العقلُ الإنسانيُّ لفهمِ نفسِهِ والعالمِ من حولِهِ. وبقدرِ ما تتجدَّدُ الاستعاراتُ وتتجدَّدُ معها طرائقُ الرؤيةِ، تتجدَّدُ قدرتُنا على اكتشافِ المعاني الكامنةِ في الأشياءِ، وعلى النفاذِ إلى أعماقِ التجربةِ الإنسانيَّةِ. ولذلكَ لا تُغني الاستعارةُ اللُّغةَ وحدَها، بل تُغني الفكرَ أيضًا، وتُذكِّرُنا دائمًا بأنَّ ما نراهُ ليسَ العالمَ كلَّهُ، وإنَّما هو العالمُ كما تُتيحُهُ لنا اللُّغةُ أن نراهُ.

-هيلين شوماخر: محررة وكاتبة مقالات

- المصدر: BBC CULTUR

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية