
معاوية ماجد
لم يعد في السودان من يسمع النداء، ولا من يلتفت لصرخة وطنٍ يحتضر. فالمكوّن العسكري لا يقرأ ما يُكتب عن الوطن، ولا يُصغي إلى صوت المفكرين والمثقفين والسياسيين وأصحاب الرأي، ولا يلتفت إلى نداءٍ يحمل البُشرى، ولا يسمع صوتًا ينطق بالحكمة. فهو ماضٍ في طريقٍ يعرف نهايته، طريقٍ بدأته الإنقاذ منذ العام 1989، يوم سلّمت البلاد لرهطٍ من المتاجرين بالدين. منذ ذلك الحين، لم يعد السودان وطنًا، بل ساحةً لتصفية الحسابات بين الساسة والطامعين، وتجارب لأحقادٍ لا تنتهي. استعادت الحركة الإسلامية اليوم أنفاسها في مفاصل الدولة، تحكم من وراء الوجوه، تزرع الخراب باسم الله، وتوزّع المناصب كما تُوزع الغنائم بعد السبي. وما قاله أحد قادتهم يومًا بأنهم لن يرضوا بغير وزارة المالية حتى يضمنوا “استحقاقاتهم”، لم يكن وعدًا سياسيًا، بل اعترافًا مكتوبًا بدم الطمع: أن هدفهم هو حكم السودان كله، واستعباد شعبه إلى الأبد.
منذ ذلك اليوم، صار السودان مسرحًا مفتوحًا للنهب والموت. الإغاثة التي تأتي باسم الجياع لا تصل إلى أفواههم، بل تتقاسمها أيدي النافذين وذويهم كما جرت العادة منذ انقلاب الإنقاذ. حاويات الإعانات مكدسة في الميناء، بعضها يحمل أدويةً تنتظر أنفاس المرضى، وأخرى محملة بمواد إغاثية كُتِب على أوراقها “للمنكوبين”، لكنها تُباع في السوق، كأن الرحمة في هذا البلد أصبحت سلعةً لها تجارها، وكأنّ الفقراء ليسوا سوى عنوانٍ دعائي لموائد اللصوص.
من منبر جدة إلى الرباعية، جرت محاولات خجولة لمدّ طريق الصلح، لكن في ضمير كل طرفٍ نيةٌ أخرى، وتخطيطٌ آخر. نداء وقف إطلاق النار الإنساني الذي تنادي به الرباعية وأطرافٌ أخرى، هو فعلٌ آمن وصحيح لإيصال المساعدات للمنكوبين، وغطاءٌ لكل من يريد النزوح. لكنه في المقابل، يمنح الطرف المتكئ على دعم الدولة الإقليمية فرصةً ليستعيد أنفاسه، ويرتب أوضاعه، ثم يعود لمواصلة الخراب بوجهٍ أكثر دهاءً ودموية. وبين تلك الخطوط الغامضة، يبرز السؤال الذي يُخفي جرحه في ثنايا التراب: **لماذا الفاشر؟ ولماذا دارفور؟** ما الذي يجعلها قلب النار كلما اشتعل السودان؟
دارفور، التي تُعادل مساحتها ثلث السودان، أرضٌ تختزن في جوفها ما تعجز خرائط العالم عن وصفه. في جبل مُرّة تتعاقب الفصول الأربعة في يومٍ واحد، وفي جوفه أسرار لم تُكتشف بعد. تحت رمالها “حفرة النحاس” التي قيل عنها في مذكرات البريطانيين عام 1953: *“لو ملكنا حفرة النحاس فقط من دارفور لبقيت بريطانيا دولةً عظمى خمسمائة عام.”* وفي جنوبها معادن تمتد كأنها شريان الأرض، من الذهب إلى اليورانيوم، من التيتانيوم إلى الكوبالت. دارفور تسبح على خزانٍ مائيٍ نوبيٍّ يكفي لإحياء السودان خمسمائة عام إن جفّ النيل وانقطعت السماء. وهناك، تحت جبالها ووديانها، يتقاطع أعظم حوضين نفطيين في العالم، أحدهما آتٍ من روسيا وإيران والخليج، والآخر من نيجيريا، يلتقيان في قلبها كما يلتقي الدم بالقدر. إنها أرض أغنى من أن تُترك، وأفقر من أن تُحكم بعدل.
وفي جبل عامر، كان الذهب بوابة اللعنة. هناك، باع البشير روح الوطن لحِميدتي، رآه منقذًا من ضباطٍ يتربصون به، فسلّمه الجبل والناس والقدر. وما فعله الدعم السريع بالشعب لم يفعله الغزو المغولي بخوارزم؛ قتلٌ واغتصابٌ وسلبٌ وترويع، حتى صار السوداني يفر من ظله خشية أن يُقتل مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالنسيان. جبل عامر الذي كان يمكن أن ينهض باقتصاد الأمة، صار منجمًا لتمويل المذابح، ومن هناك بدأت اللعنة تتكاثر وتكبر، تُغذّي الحرب بذهبٍ مغموسٍ في الدم.
إن ما يجري في دارفور ليس حربًا على الهامش كما يدّعون، بل معركة على جوهر السودان، على موارده التي لا تُقدّر بثمن. كل ما نراه من فوضى وإبادة وتشريد ليس إلا تنفيذًا لخطةٍ قديمة، وُضعت منذ منتصف التسعينيات، لتقسيم السودان إلى خمس دويلات. بدأوا بالجنوب، وتنتظر دارفور دورها منذ ذلك اليوم، بينما الإسلاميون يضحكون في الظل، يقتاتون على الرماد، ويغذّون النيران التي تأكل ما تبقى من البلاد.
اليوم، يمشي الشعب على رماد الحلم. لم تعد الخرطوم وحدها عنوان الفاجعة، بل كل مدن السودان تنزف على إيقاع الخيبة ذاتها؛ من بورتسودان التي تنتظر الإغاثة فلا تراها، إلى مدني التي اختلط فيها الطين بالدم، إلى دارفور التي صارت مرثيةً مكتوبة بالذهب والدموع. الإسلاميون ينتقمون من ثورة ديسمبر، لأن الشعب أطاحهم من ضرعٍ أرضعهم ثلاثين عامًا، فيقتصّون منه الآن بالجوع والخوف والرصاص.
ما فعله الإسلاميون بالسودان وأهله لم يفعله الشيطان بضحاياه، وما فعله الدعم السريع بالشعب لم يفعله الغزو المغولي بخوارزم. إنها اللعنة الكبرى التي نزلت على السودان منذ أن دخل الشيطان القصر مرتديًا عمامة، ولم تغادره بعد. لعنةٌ تسكن الرمل والماء، تكتب حكايتها على جدران البيوت المهدّمة ووجوه الأمهات. وما يُكتب اليوم على بوابة الفاشر ليس فصلًا من الحرب، بل هو الفصل الأخير من رواية الوطن. وعندما يسدل الليل ستاره الأخير، لن يبقى سوى همس التاريخ يقول بحزنٍ لا يُحتمل: **كان لنا وطنٌ اسمه السودان.
الراكوبة

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

