الإخوان المسلمون في مصر: تنظيم ديني أم كيان وظيفي؟

الإخوان المسلمون في مصر: تنظيم ديني أم كيان وظيفي؟

الإخوان المسلمون في مصر: تنظيم ديني أم كيان وظيفي؟


24/06/2025

رغم التراجع الحاد في حضورها داخل مصر وفقدانها للشرعية السياسية والشعبية منذ 2013، ما تزال جماعة الإخوان المسلمين تسعى للحفاظ على وجودها، لا من خلال التأثير الفعلي، بل عبر أدوات دعائية وتنظيمية خارجية. وتحلل دراسة شاملة ـ أرفقها الباحث إلى ملف توثيقي عن الجماعة ـ السمات البنيوية والفكرية التي مكّنت الإخوان من البقاء رغم الضربات المتلاحقة، مركّزة على طبيعة التنظيم بوصفه كيانًا مرنًا، يتكيّف مع البيئات المتغيرة من خلال واجهات إعلامية، دينية، وخيرية، وأحيانًا سياسية، لخدمة أهداف تتجاوز المصالح الوطنية.

تُعدّ جماعة الإخوان المسلمين أكثر الجماعات الإسلامية السياسية تأثيرًا وإثارة للجدل في التاريخ العربي الحديث، فقد مثلت منذ نشأتها في مصر عام 1928 حالة مُركّبة من التوظيف السياسي للدين، والارتباط بالتحولات الإقليمية والدولية، والقدرة على تغيير خطابها ومظاهرها التنظيمية بحسب مقتضيات اللحظة، دون أن تتخلى عن مشروعها المركزي: إقامة نظام بديل للدولة الوطنية الحديثة.

وبحسب دراسة تحليلية صادرة حديثًا عن المركز الكردي للدراسات للباحث الدكتور طارق حمو، تناولت البنية العقائدية والتنظيمية للجماعة، فإنّها باتت اليوم أقرب إلى "تنظيم وظيفي" عابر للدول، يُعيد تشكيل نفسه عند كل أزمة، ويتحول بحسب الظرف من حركة دينية إلى حزب سياسي، أو من جماعة دعوية إلى ذراع إعلامية، دون أن يفقد مركزية الفكرة المؤسسة القائمة على أولوية "التمكين" لا الإصلاح.

تنظيم عنقودي بواجهات متعددة

نشأت جماعة الإخوان في بيئة محافظة خلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر، مستندة إلى فكرة إحياء الإسلام كمنهج شامل يشمل السياسة والاقتصاد والتربية والاجتماع، ممّا منحها شرعية شعبية مبكرة. إلا أنّ الجماعة تطورت لاحقًا إلى تنظيم محكم يقوم على مبدأ "البيعة والطاعة"، وتحول مع الوقت إلى شبكة عنقودية تعتمد السرّية، والانغلاق التنظيمي، وتعدد الواجهات، سواء عبر جمعيات خيرية، أو منابر دعوية، أو أحزاب سياسية، أو كيانات إعلامية.

وتوضح الدراسة أنّ هذا النمط من التنظيم جعل الإخوان قادرين على تفكيك أنفسهم عند الحاجة، ثم إعادة التموضع تحت أسماء جديدة، وهو ما حدث فعلًا بعد كل موجة حظر، بدءًا من عام 1948 حتى تصنيفهم جماعة إرهابية في مصر عقب فضّ اعتصامي رابعة والنهضة عام 2013.

من الوطنية إلى الوظيفة

بحسب الدراسة، فإنّ الإخوان تخلوا مبكرًا عن فكرة الانخراط في مشروع وطني تحرري مستقل، واختاروا أن يكونوا أداةً في يد القوى الدولية أو الإقليمية بحسب المصلحة. ففي الخمسينيات عقدوا صلات خفية مع المخابرات البريطانية والأمريكية لمواجهة المدّ الناصري، ولاحقًا ارتبطوا بأنظمة خليجية في إطار الحرب على القومية العربية واليسار، ثم تحالفوا مع إيران ما بعد الثورة، واستثمروا علاقتهم بتركيا أردوغان بعد 2011 لتوسيع نفوذهم الإقليمي.

الإخوان المسلمون في مصر

هذا "التنقل الوظيفي"، وفقًا للدراسة، لم يكن اضطراريًا بل كان جزءًا من البنية الذهنية للجماعة، التي تقوم على فكرة "الطليعة المؤمنة" المكلفة بإعادة هندسة المجتمع من الداخل، حتى لو تطلب ذلك العمل مع أنظمة تتناقض ظاهرًا مع مرجعيتها الإسلامية.

الهروب إلى الخارج... تموضع جديد بأقنعة مختلفة

منذ سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013 دخل التنظيم في طور جديد يقوم على التحوّل من الفعل السياسي المباشر إلى التحريض الخارجي والعمل الإعلامي والحقوقي. وأصبح من الواضح أنّ الجماعة لم تعد معنية بإقناع الداخل المصري، بل تستهدف المنابر الدولية للتأثير على صورة النظام المصري وتشويهه.

وتشير الدراسة إلى أنّ هذا التحوّل تجلّى في توسع شبكات الإخوان الإعلامية من الخارج، مثل "مكملين" و"الشرق"، إضافة إلى توظيف منظمات حقوقية تدّعي الحياد بينما تعمل فعليًا كأذرع ضغط موازية. في هذا السياق ظهرت رموز شابة تقدّم نفسها كـ"معارضة ليبرالية" لكنّها تنتمي فعليًا إلى الجماعة أو تربطها بها علاقة تنظيمية أو فكرية.

التوظيف المزدوج للخطاب: المظلومية والتكفير

ما يميز الجماعة، كما توضّح الدراسة، هو قدرتها على الجمع بين خطاب الضحية وخطاب التفوق الديني. فهي تقدّم نفسها على أنّها جماعة مضطهدة سياسيًا ومُقصاة من المشهد، في حين لا تتورع عن تكفير خصومها أو تخوينهم ضمنيًا، خاصة من يخالف تصورها العقائدي للمجتمع والدولة.

وتستخدم الجماعة هذا التناقض لتبرير العنف باسم الدفاع عن النفس، كما حدث عقب فضّ اعتصام رابعة، أو لتبرير عمليات التحريض الإعلامي المكثف ضد الدولة المصرية، وشيطنة مؤسساتها، خصوصاً الجيش والقضاء والإعلام الوطني. وفي الوقت نفسه تبني شبكة من التحالفات مع تيارات أخرى من الإسلام السياسي، مثل حزب التحرير والجماعة الإسلامية، وحتى رموز من الطيف السلفي، كلما اقتضت الحاجة.

تركيا كمأوى استراتيجي

تخصص الدراسة فصلًا لشرح علاقة الإخوان بالنظام التركي، وتحديدًا بحزب العدالة والتنمية، حيث وجدت الجماعة في تركيا ما يشبه "الملاذ الآمن" بعد سقوط مشروعها في مصر. وقدّمت أنقرة دعمًا سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا لعناصر الجماعة، وسمحت لهم بإطلاق مؤسسات إعلامية ومنظمات مجتمع مدني تهاجم النظام المصري، وتروّج لأجندة المعارضة من الخارج.

علاقة الإخوان بالنظام التركي، وتحديدًا بحزب العدالة والتنمية، حيث وجدت الجماعة في تركيا ما يشبه "الملاذ الآمن" بعد سقوط مشروعها في مصر.

لكنّ الدراسة تشير أيضًا إلى أنّ هذا الدعم لم يكن بدافع عقائدي فقط، بل خدمةً لأجندة التوسع الإقليمي التركي، التي تستثمر ورقة الإخوان كوسيلة للنفوذ في المنطقة العربية، خاصة في ظل التراجع العربي أمام مشاريع تركيا وإيران.

الإرهاب... الوجه الحقيقي حين تسقط الأقنعة

رغم حرص الجماعة على الظهور بمظهر الجماعة السياسية أو الإصلاحية، فإنّ ارتباطها بالتنظيمات الإرهابية بات موثقًا، خصوصاً بعد 2013. وتؤكد الدراسة أنّ العلاقة بين الإخوان وكيانات مثل "حسم" و"لواء الثورة" لا تقتصر على الدعم المعنوي، بل تشمل التخطيط والتنسيق اللوجستي.

وتورد تقارير أمنية أنّ عددًا من العناصر التي نفذت عمليات إرهابية ضد منشآت أمنية وقضائية في مصر سبق لها الانتماء إلى تنظيم الإخوان أو التدرج داخله. كما لعبت قيادات إخوانية في الخارج دورًا مهمًا في التحريض على العنف عبر قنوات التمويل والإعلام، فضلًا عن احتضان العناصر الهاربة من العدالة.

جماعة فقدت شرعيتها الوطنية

تخلص الدراسة إلى أنّ جماعة الإخوان لم تعد تمثل تيارًا سياسيًا طبيعيًا يمكن دمجه في الحياة العامة، بل أصبحت تنظيمًا وظيفيًا عابرًا للدول، يُعيد تشكيل نفسه باستمرار وفق متطلبات التمويل والدعم الخارجي، ويمثل تهديدًا مزدوجًا: للدولة الوطنية من جهة، ولصورة الإسلام في المجتمعات من جهة أخرى.

إنّ معركة الدولة المصرية لم تعد مع تنظيم محلي محدود، بل مع شبكة عابرة للحدود تتقن التلون، وتعيش على الصراعات، وتُحسن توظيف خطاب الضحية والمظلومية، رغم سجلها الطويل في التحريض والعنف والارتباط بمشاريع إقليمية معادية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية