الإخوان المسلمون في السودان: مستقبل مظلم وموت محتمل

السودان

الإخوان المسلمون في السودان: مستقبل مظلم وموت محتمل

مشاهدة

12/02/2020

يُكابد إبراهيم غندور، وزير الخارجية الأسبق ورئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول، لضخ بعض النبض في قلب حزبه المتوقف منذ إطاحته عن الحكم عبر ثورة شعبية عارمة العام الماضي، فلا يكفّ عن التصريح بذلك إلى أجهزة الإعلام، وخاصة قناة الجزيرة القطرية، فيما يسخَر كثير من السودانيين من هذه المثابرة ودأبه على تمثُله لحُلمه الشخصي، ويذهب مراقبون إلى أنّ هنالك شبه إجماع شعبي بأنّ أجزاء ومكونات جماعة الإخوان المسلمين بالسودان فقدت مشروعيتها السياسية والأخلاقية التي تؤهلها للمنافسة في أي سياق ديمقراطي قادم.
عراب الإخوان حسن الترابي مع نائبه علي عثمان وعضو آخر

تشظِّ وانقسامات
تشظّت جماعة الإخوان المسلمين السودانية منذ وقت مبكر إلى عدة أحزاب، لكنها وبعد وصولها إلى الحكم عبر انقلاب الترابي/ البشير العام 1989، انشطرت إلى خمسة أحزاب؛ المؤتمر الوطني، المؤتمر الشعبي، حركة العدل والمساواة المسلحة، وحركة الإصلاح الآن، فيما احتفظت الخامسة وهي الأصغر والأقل فعاليّة ونشاطاً باسم الإخوان المسلمين.

تحاول الجماعة بمسمياتها المختلفة العودة إلى الساحة السياسية السودانية بأسرع ما يُمكن

تحاول جماعة الإخوان بمسمّياتها المختلفة، متوحدة أو مبعثرة، العودة إلى الساحة السياسية بأسرع ما يُمكن، فحيناً تُبدي دعمها للمُكون العسكري بمجلس السيادة السوداني بزعامة الجنرالين؛ البرهان وحميدتي، رغم أنّهما لا يرغبان في أي تقارب من الجماعة قد يضر بتحالفاتهما داخلياً وخارجياً، وحيناً تحاول نشر الإشاعات لإظهار الحكومة الانتقالية بمظهر الضعف ظناً منها أنّ ذلك سيعيدها إلى المشاركة في المرحلة الانتقالية، أو الانقلاب عليها بالتحالف مع العسكر، فيما الجميع يبتعدون عنها لجهة أنّها قد تضرّ بمستقبلهم السياسي في قادم الانتخابات.
الإخوان المسلمون الخمسة
يقول الباحث في حركات الإسلام السياسي، عبد المحمود إبراهيم، إنّ "جماعة الإخوان المسلمين انتهت حرفياً ولن تتمكن من العودة إلى العمل السياسي، بذات زخمها في الديمقراطية الثانية عندما أطلقت على نفسها الجبهة القومية الإسلامية، فالكيانات الخمسة المكونة للجماعة شاركت بشكل فعال وعميق فيما آلت إليه الأوضاع من تردٍ مروّع"، مضيفاً لـ"حفريات": حتى حركة العدل والمساواة التي أسسها أمير المجاهدين الإخوان خليل إبراهيم، ظلت رهينة البندقية قبل إعلانها الحرب في إقليم دافور ومقارعتها حزبها البندقية بالبندقية.

الجنرال المخلوع ابنعوف يؤدي القسم وزيراً للدفاع أمام الرئيس المعزول عمر البشير
يستطرد إبراهيم: لا شك أنّ مصير جماعة الإخوان في السودان مظلم وقاتم، فليس أمامها طريقة للعودة إلى أسلوبها القديم الذي يعتمد استهداف المشاعر الدينية من أجل إحراز مكاسب سياسية، فقد جرب السودانيون ذلك لثلاثين عاماً، وتعرفوا على أنّها محض أكاذيب، لذلك فإنّ الجماعة في انحسار مستمر، خاصة وأنّ الشعارات الدينية استنفدت أغراضها، ولم تعد تثير مشاعر الناس وتلهبها، كما كانت تعمل، لذلك أتوقع أن تشهد الجماعة انحساراً كبيراً في الأعوام القادمة، فلم يعد التخويف من العلمانية والدولة المدنية يجدي فتيلاً بعد تلك التجربة المريرة.
استغلال الشعارات الدينية
ويؤكد عبد المحمود إبراهيم أنّ جماعة الإخوان المسلمين تتحمل النصيب الأكبر مما حاق بمجمل حركات الإسلام، "فقد انقلبت على الحكم المدني الديمقراطي العام 1989، فيما كانت الحزب الثالث في البرلمان والأقوى والأكثر تأثيراً على الساحة السياسية والإعلامية، يُضاف إلى ذلك ما ارتكبته من أخطاء فادحة أولها تقسيم السودان بالسماح باستقلال الجنوب عن الوطن الأم عندما أعلنت الجهاد على شعوبه باعتبارهم كفاراً متمردين، علاوة على الفساد العميم وإشعال الحروب في كافة أنحاء البلاد ومصادر الحريات العامة والشخصية.

اقرأ أيضاً: قصة وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في السودان.. ماذا فعلوا؟
ويتابع إبراهيم موضحاً: فقدت جماعة الإخوان بكافة أقسامها منذ انقلابها العسكري على السلطة المدنية وطوال الثلاثين عاماً التي حكمت البلاد خلالها، بوصلتيها السياسية والفكرية، فما عادت تهتم بالعمل الاجتماعي ومفاهيم الإحياء والتجديد الديني وتربية المجتمع على أسس الفضيلة والاحترام، خرقت كل تراثها الفكري والديني وابتذلته للسلطة والمال، وكتبت على نفسها الموت اختناقاً بتاريخها المُثقل، فلا أتوقع لها مستقبلاً، بل أستطيع أن أقول إنّ الجماعة والحركة والإسلامية والإسلام السياسي، لن تقوم لهم قائمة في سودان المستقبل سواء استمر في طريق الديمقراطية أو قطعها عليه انقلاب عسكري، وربما إذا حدث الأخير – ولا أعتقد - فإنّ الجماعة ستدخل نفقاً ضيقاً وربما تصنف إرهابية.
موت الإسلام السياسي
من جانبه، يقول الباحث السياسي عبد القادر عيسى إنّ "جماعة الإخوان المسلمين السودانية بكافة أطرافها، لا تشبه الجماعة الأم في مصر، ولا التنظيم الدولي إلاّ في بعض الأوجه، لذلك فإنّها الأكثر فاعلية وتطوراً، لولا خطأها الجسيم المتمثل في انقلاب 30 تموز (يونيو) 1989، وما ترتب عليه من تداعيات إلى حين إطاحة البشير عن السلطة 11 نيسان (أبريل) 2019".


وأضاف لـ"حفريات": إنّ ما أصاب الجماعة من أعطاب كان بسبب ابتعادها عن الفكر والدعوة واتجاهها إلى العمل السياسي غير السلمي (العنيف) والتحشيد السياسي عبر التوسل بالشعارات الدينية الكاذبة، فتحولت الجماعة من مضخة للطاقات السياسية الهائلة إلى حزب بارد وفاسد بعد استيلائها على السلطة بانقلاب، وضلوعها لاحقاً في الفساد وولوغها في الدماء دونما خشية، بل هي نفسها لم تسلم من الاقتتال الداخلي فقد خرج عليها بعض أعضائها وكونوا حركة العدل والمساواة في دارفور فأراقوا دماء بعضهم البعض بطريقة أقرب إلى التشفي والانتقام، لذلك فإنّ تماسكها الداخلي تضعضع وتخلخل، ولا أعتقد أنّ بمقدرها العودة مرة أخرى للعمل السياسي بـ1% من فاعليتها السابقة، لقد كتبت على نفسها الانتحار.

عبد القادر عيسى: ما أصاب الجماعة من أعطاب كان بسبب ابتعادها عن الفكر والدعوة واتجاهها للعمل السياسي العنيف

يضيف عيسى: ربما تعود الجماعة إلى السياسة، لكن ليس في الأعوام المنظورة، فقد تحتاج إلى عشرة أعوام، على الأقل، وإنّ عليها خلالها أن تتخلى عن الشعارات الدينية وتفصل الدعوي عن السياسي وتقبل بالسياق المدني وبالديمقراطية وسيلة لتداول السلطة، وهذا يحتاج جهداً فكرياً كبيراً، كما إنّ إقناع الشارع بأنّ أسلوب الجماعة قد تغير فعلياً أمر صعب للغاية؛ لأنّ الغالبية الساحقة منه تعتقد بأنّ الإخوان جماعة غير موثوق بها وإنها تتخذ من الكذب وسيلة لخداع الجماهير، وقد صرّح الكثير من قادتها بذلك بمن فيهم عرّابهم الترابي، وقريباً قال أحد قادتهم وهو الإعلامي الشهير اسحق فضل الله إنه ظل يكذب على الناس في الإعلام، وإنّ الكذب بغرض نصرة دين الله حلال، لذلك فإنّ الاحتمال الأرجح هو موت الإسلام السياسي أو بقاؤه في الظل بدون فعالية.


الصفحة الرئيسية