الأمني والسياسي في حرب الجواسيس بين إسرائيل وإيران

الأمني والسياسي في حرب الجواسيس بين إسرائيل وإيران


26/06/2022

تتصاعد حرب الجاسوسية بين إسرائيل وإيران في العديد من الساحات بما فيها داخل مساحة إيران، عبر استهداف رموز وضباط الحرس الثوري الإيراني، ومنشآت تابعة لهذا الحرس يبدو فيها الفاعل "مجهولاً"، رغم إشارات القيادة الإيرانية، المباشرة وغير المباشرة، التي تتضمن اتهامات لأجهزة المخابرات الإسرائيلية عن تلك العمليات بالتعاون مع جهات استخبارية أخرى من بينها أجهزة قوى "الاستكبار العالمي".

مقاربة القيادة الإيرانية بمسؤولية إسرائيل عن تنفيذ تلك العمليات تبدو صحيحة إلى حد كبير في ظل تصريحات إسرائيلية وسياقات استعدادات "سياسية وعسكرية وأمنية" لبناء تحالفات إقليمية ودولية لمواجهة التهديد الإيراني، خاصة مع دول الخليج العربي، يبدو أنّه تم إنضاج الإعلان عنها بدعم غربي ومن الولايات المتحدة تحديداً، لا سيّما بعد معطيات تؤكد أنّ إدماج إسرائيل بمنظومة أمنية وعسكرية في الإقليم لمواجهة التهديدات في المنطقة، وفي مقدمتها التهديد الذي تمثله إيران ووكلاؤها، أصبح حقيقة أكدتها "قمّة النقب" التي جمعت وزراء خارجية أمريكا وإسرائيل والدول العربية التي أنجزت اتفاقات سلام وتطبيع مع إسرائيل.

تبنّي القيادة الإيرانية مقاربة توجيه الاتهام لإسرائيل بالوقوف وراء العمليات التي تستهدف قيادات ومنشآت تابعة للحرس الثوري تبدو مقاربة تخدم أهداف طهران وتنسجم مع الخطاب الإيراني وموقع إسرائيل فيه

وإذا كانت الردود الإيرانية على ضرب أهداف تابعة للحرس الثوري على مستوى "القيادات والمنشآت" لم تصل إلى مستوى مواجهة إسرائيل "في عقر دارها"، واقتصرت على توجيه ضربات صاروخية لمراكز "استخبارات إسرائيلية" في كردستان العراق، فإنّ ما يلفت النظر ما تم الإعلان عنه عن إحباط مخططات للمخابرات الإيرانية ضد سياح إسرائيليين في تركيا، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى موضوعية مثل تلك المخططات، لا سيّما في ظل ردود إيرانية تنفي هذه الاتهامات، وتؤكد أنّها تأتي في سياقات مؤامرة إسرائيلية، هدفها "تخريب" العلاقات بين طهران وأنقرة.

المقاربة الإيرانية المتضمنة جرّ أنقرة لإثارة نزاعات مع طهران، تنفيها جملة من الحقائق التي تؤكد أنّه، رغم مصالح تركيا "الاقتصادية" مع طهران، إلا أنّ مساحات التناقض والخلافات وحجم الفجوات تتسع بين الجانبين، فاستهداف إسرائيليين من قبل أجهزة طهران في تركيا تم الإعلان عنه أكثر من مرة من قبل السلطات التركية بتفكيك شبكات تجسس تابعة لاستخبارات الحرس الثوري الإيراني تعمل تحت غطاءات مختلفة في تركيا، بالتزامن مع إحباط عمليات أخرى تستهدف معارضين إيرانيين في تركيا، وعلى المستوى السياسي فهناك تصاعد في مستوى وحجم الخلافات والتناقض بين أنقرة وطهران في ساحات "العراق وسوريا وآسيا الوسطى، بما في ذلك النزاعات بين أذربيجان وأرمينيا"، ويبدو أنّ تلك التناقضات بين أنقرة وطهران، وتعبيراتها السياسية والأمنية والعسكرية، ستكون أكثر حضوراً ووضوحاً بعد الاتجاهات الجديدة للسياسة التركية وعنوانها "تصفير المشاكل" مع القوى الإقليمية في المنطقة، "الرياض، والقاهرة وأبو ظبي"، إلى جانب إسرائيل، والتعويل على دور وثقل تركيا في التحالفات الإقليمية الناشئة.

في المستوى الأمني، لا شكّ أنّ تبنّي القيادة الإيرانية مقاربة توجيه الاتهام لإسرائيل بالوقوف وراء العمليات التي تستهدف قيادات ومنشآت تابعة للحرس الثوري "داخل وخارج" إيران تبدو مقاربة تخدم أهداف طهران، وتنسجم مع الخطاب الإيراني وموقع إسرائيل فيه، لكنّ المؤكد أنّ إيران تخفي وراء هذا الاتهام كل جوانب ضعفها، وفي مقدمتها التناقض بين مزاعم إيران وقوة أجهزتها الاستخبارية، في الوقت الذي تبدو فيه إيران من الداخل ساحة مستباحة، كما تريد طهران إخفاء حقيقة ترهّل وفساد أجهزتها، بما فيها مخابرات الحرس الثوري، واختراقها من جهات "معادية"، كما أنّ جعل إسرائيل عنواناً للاتهام والتأكيد أنّها ليست وحدها، "رغم أنّ ذلك صحيح إلى حد بعيد"، يستهدف إقناع الإيرانيين بحجم وقوة الخصوم.

جعل إسرائيل عنواناً للاتهام والتأكيد أنّها ليست وحدها، رغم أنّ ذلك صحيح إلى حد بعيد، يستهدف إقناع الإيرانيين بحجم وقوة الخصوم

ومع ذلك، فإنّ أحد السيناريوهات المفسرة للعمليات التي تشهدها إيران، والذي يبدو غائباً في ظل قناعات بـ "نظرية المؤامرة"، وهو مسؤولية القيادة الإيرانية عن بعض عمليات التصفية والاغتيال لقيادات وضباط من الحرس الثوري الإيراني، لا سيّما مع إعلانات إيرانية حول اكتشاف العديد من شبكات التجسس التابعة للمخابرات الإسرائيلية، فتلك الاكتشافات وفقاً لمفاهيم وأدبيات علوم الاستخبار تؤكد أنّ هناك قوائم من أسماء المتورطين أو المشكوك في عمالتهم وتجنيدهم من قبل المخابرات الإسرائيلية، تمّ تنظيمها خلال عمليات التحقيق والاعترافات التي أدلى بها متورطون في تلك الشبكات، وهو ما يفسر "دقة وسهولة" العمليات التي يتم تنفيذها ضد أهداف إيرانية في وضح النهار، وكلّ ذلك مدعاة لطرح تساؤلات حول أسباب إعفاء رئيس مخابرات الحرس الثوري "حسين طائب" من منصبه، وتعيين "محمد الكاظمي" خلفاً له، في الوقت الذي تردد فيه عبر معلومات غير مؤكدة أنّ الإعفاء جاء بعد "الفشل" بانكشاف العمليات التي تم التخطيط لتنفيذها في تركيا ضد أهداف إسرائيلية.

مواضيع ذات صلة:

قراءة في الخطة "ب" الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران

كيف نقرأ اختراقات الموساد الإسرائيلي لإيران؟

تركيا وإسرائيل وإيران.. العلاقة ليست معقدة إنّها خدعة



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية