تركيا وإسرائيل وإيران.. العلاقة ليست معقدة إنّها خدعة

تركيا وإسرائيل وإيران.. العلاقة ليست معقدة إنّها خدعة

مشاهدة

22/06/2020

مازالت تركيا الجديدة، أو تركيا أردوغان تثير الجدل، ليس لدى خصومها، فالخصومة محسومة، ولا تحتاج لكثير من الجدال حولها، وإنما لدى مريدي أردوغان ومحبيه وأصدقائه، وعشاق النهضة التركية الجديدة، فكثير من داعمي خط الرئيس التركي، يقفون في منتصف الطريق أو منتصف السطر حين يريدون كيل المديح له، يقفون تماماً، حين يفاجئهم سؤال من نوع "هل تركيا وأردوغان أصدقاؤنا، أم أصدقاء أعدائنا، أم أصدقاء الطرفين معا..؟، وهل يبدو ذلك منطقياً أم لا يخلو من الريبة والشك والغموض والتردد؟".

أردوغان لا يعمل وفقاً لرؤية دينية بل هو رجل سلطة يعمل بمقتضى المصالح السياسية

على المستوى الداخلي - داخل تركيا - قد أشارك مؤيدي أردوغان إعجابهم به وبدأبه وعمله وصرامته في جعل بلاده دولة عالمية بامتياز، وأشاركهم إعجابهم في قدرته على خلق توازن صارم بين دينيته أو التزامه الديني، وبين علمانية تركيا التي تقارب "القرن" من عمرها.

سلك أردوغان مذهباً سياسياً، يتسم بالأناقة والرقة والعاطفة الجياشة، حتى جمع حوله قلوب الناس، قبل عقولهم، واستثمر في ذلك استثماراً كبيراً على مستوى تشكيل صورة الزعيم والرئيس الاستثنائي الذي يأتي في الوقت الاستثنائي، لكنه ما لبث أن تحول إلى مذهب الصرامة السلطوية للحفاظ على الحكم، والذهاب إلى الشدة أحياناً والقمع أحياناً أخرى.

كل ذلك شأن تركي خالص؛ العاطفة الأردوغانية والقمع والصرامة وعلمانية الحكم وإدارة الدولة، ودينية المنهج والرؤية، وما إلى ذلك مما يعني الأتراك تماماً، داخل دولتهم، لكن السياسة التركية ليست شأناً تركياً خاصاً، تلك السياسة التي تثير الجدل لدى المريدين قبل الخصوم، فهي مشبعة بالغموض، ومشتبكة مع مناطق مفخخة في العلاقات الحرجة بين العرب والأتراك، كتلك المناطق المتوترة في مثلث العلاقة التركية العربية الإسرائيلية، والمنطقة المتوترة أيضاً بين مثلث العلاقة بين تركيا والعرب وإيران.

علاقة تركيا بإسرائيل أشبه ما يكون بحالة درامية متصاعدة بين خلاف يتم مسرحته على الهواء مباشرة

ليس لدى العرب تفسير للكيان الإسرائيلي سوى أنه كيان عدو محتل ومتطرف، وليس لهم تفسير للجمهورية الإسلامية الإيرانية سوى أنها دولة مشبعة بروح الكراهية والعنف والتطرف، وإذا كان لدى تركيا أو لدى أردوغان خصوصية في التفسير لهاتين الجهتين "الكيان والجمهورية"، فلا يجب تسويقه عربياً لأهداف وغايات سياسية بحتة.

أردوغان ليس رجل دين، ولا يعمل وفقاً لرؤية دينية، بل هو رجل سلطة، يعمل بمقتضى المصالح السياسية، لكن محبيه ومريديه وضعوه موضع المنقذ والمخلص وحامل لواء النصر؛ أعداؤنا لا نراهم سوى أنهم أعداء، لكنه يرى أنّهم أصدقاء يمكن العمل معهم ويمكن الاستثمار في العلاقة بهم، أكثر من الاستثمار في العلاقة مع العرب، وربما التساؤل حول لماذا لا توجد لأردوغان علاقة قوية ومتماسكة ومحورية مع أية دولة عربية باستثناء قطر - وهي علاقة فرضتها خيارات الدوحة أكثر من كونها خيارات تركيا- هو تساؤل يجدد التفكير في النظرة التركية للعرب، لكونهم حلفاء يعتد بهم، أم أنهم ليسوا سوى عمق استراتيجي لأهداف السياسة التركية.

ما يثير الاستغراب إضفاء القداسة على السياسة التركية، من قبل أصدقاء أنقرة ومريدي أردوغان، فهو حتماً لا يعمل كقائد مسلم يجهز جيش العسرة الثاني ويخوض به المعارك والحروب، وينتصر، ويعيد ما سلبه العدو من أرض المسلمين، إنه يعمل كسياسي لا أكثر، لديه أولويات لتحقيق المصالح السياسية، وخيارات متاحة يوظفها تبعاً لما يراه في خدمة سلطته وحكمه.

ما يثير الاستغراب إضفاء القداسة على السياسة التركية من قبل أصدقاء أنقرة ومريدي أردوغان

إنّ علاقة تركيا مع إسرائيل أشبه ما يكون بحالة درامية متصاعدة بين خلاف يتم مسرحته على الهواء مباشرة، وبين توافق وتعاون وصداقة يتم تسجيل وقائعها في الكواليس، بين تجارة بينية واقتصاد مشتبك ومتشابك في صفقات ومذكرات تعاون وتنسيق ومصانع وصناعات متبادلة لا يتم الحديث عنها، وإذا ما تم الكشف عنها قيل باستخفاف إنّها خيارات سياسية أشبه ما تكون بمناورات على هامش المواجهة التركية الإسرائيلية، لمناصرة القضية الفلسطينية!

وبّخ أردوغان ذات مرة بيريز قبيل مغادرته اجتماعاً علنياً في دافوس احتجاجاً على سياسة إسرائيل، واعتذرت إسرائيل لتركيا ذات مرة أيضاً، عن حادثة سفينة كسر الحصار على غزة، في حادثتين لا يمكنهما أن تغفرا أو تبيّضا صفحات الاتفاقيات التركية الإسرائيلية، ولا تمنحانها العذر والقبول والإيمان بحقيقة دفاع تركيا عن القضايا العربية، والدليل أنّ كل حوادث التطرف الإسرائيلي تجاه الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني والمقدسات والقدس، لم تحرك ساكناً من سواكن أردوغان تجاه إسرائيل سوى بالشجب والاستنكار، بينما خيارات الصداقة متعددة تجارياً واقتصادياً وسياحياً وثابتة لا تزعزعها "زوبعة في فنجان".

ما سبق ينطبق على إيران أيضاً، وفي المجمل فإنّ تصريحات طهران حول دعمها ومساندتها للقضية الفلسطينية لا تختلف أبداً عن تصريحات تركيا، إيران تؤكد أنّ القدس ستبقى عاصمة فلسطين وستسعى لتحريرها، نقطة وسطر جديد، وكذلك الحال بالنسبة لتركيا بالنسبة للسطر والنقطة تماماً. سطور متشابهة، ونقاط  تبدو كما لو أنّها متوافق عليها مسبقاً قبل أي تصريح، لكن على الأرض لا جديد.

لا نحتاج كثيراً من التحليل لندرك أنّ أردوغان يعمل بمنطق سياسي لا يعترف سوى بمصالحه هو، كما لا نحتاج كثيراً من التعقل لندرك أنّ السياسة لا دين لها، وأن ما يمكن أن يكون سياسة لدى البعض، سيكون خدعة للآخر!



الصفحة الرئيسية